الرئيسية » مقالات » المال الخليجي واستقلالية الإعلام المصري

المال الخليجي واستقلالية الإعلام المصري

نتيجة للوفرة المالية الهائلة التي حققتها دول مجلس التعاون الخليجي بسبب ازدياد مبيعاتها من النفط الخام فقد عملت هذه الدول منذ مطلع عقد التسعينات من القرن الماضي على الاستثمار في قطاع الإعلام فتحقق لها امتلاك العديد من وسائل الإعلام العربي في منطقة الشرق الأوسط.
وقد حازت المملكة العربية السعودية على القدح المُعلى في هذا المضمار تليها دولة قطر المنافسة. والمملكة العربية السعودية عندما اتجهت للعمل بمقتضى هذه الفكرة الاستثمارية الناجحة فإنها كانت مدفوعة بإرادة سياسية تدرك ما للإعلام من قدرة بالغة على توجيه مسارات الرأي العام في العالم العربي، ومن ثم إتاحة مناطق جديدة للسيطرة والنفوذ السياسي والديني.
وقد بدا التأثير الإعلامي للسعودية واضحا على الأحداث السياسية التي جرت رحاها في العراق عقب الإطاحة بنظام صدام حسين عام 2003 والأحداث التي عمت دول ما بات يعرف بدول الربيع العربي عام 2011 لاسيما في جمهورية مصر العربية.
لقد دخل الإعلام الخليجي بقوة على خط الأحداث المصرية التي أدت إلى إنهاء حكم الرئيس المصري السابق محمد حسني مبارك. وقد كان هذا الإعلام يسير في اتجاهين متضادين إلى حد بعيد، ففي حين كانت وسائل الإعلام القطرية وفي مقدمتها قناة الجزيرة الفضائية تمثل رأس الحربة ضد النظام المصري السابق، اجتهدت وسائل الإعلام السعودية المختلفة ما وسعها الجهد والاجتهاد في الدفاع وحتى الرمق الأخير عن الرئيس محمد حسني مبارك الذي كان يشكل حتى الأمس القريب أقوى حلفاء المملكة العربية السعودية في المنطقة.
ولكن ثبت في نهاية المطاف عجز الإعلام السعودي في إحداث فارق يُذكر على مصير الرئيس المصري السابق محمد حسني مبارك الذي أصبح بحكم الأمر الواقع سجينا ومطلوبا للقضاء المصري بتهم جنائية ومدنية تفوق الحصر. ولم يكن إخفاق الإعلام السعودي في إنقاذ حليفه الأساسي النظام المصري انتصارا للإعلام القطري المنافس مثلا، ولكن غاية ما في الأمر أن أجهزة الاستشعار المخابراتي لدى الجانب القطري – الذي شاب علاقاته مع الجانب المصري توتر ملحوظ في السنوات الأخيرة- سبقت نظيرتها السعودية في قراءة نتائج الأحداث السياسية المصرية فأوعزت لأجهزة إعلامها أن تكون صدى لشعار الثوار المصريين: ” الشعب يريد إسقاط النظام”. بينما كان الوضع الرسمي في السعودية يراهن حتى اللحظات الأخيرة على ورقة الرئيس محمد حسني مبارك منساقا وراء عاطفة ترجو بقاء الأمور السياسية في مصر على حالها القديم، وبشكل ينم عن لامبالاة في رؤية التغيير القادم لا محالة.
ويبدو أن تصرف الجانب السعودي بهذا الشكل لم يكن مجرد تعاطف مع الرئيس المصري السابق ولكنه جاء بسبب الخوف السعودي من التحول المصري السياسي الجديد الذي قد يفضي بالنتيجة إلى استعادة مصر لدورها الرائد في المنطقة، هذا الدور الذي جنح للإخباء تحت العباءة السعودية مدة طويلة.
لقد قال الملك السعودي عبد الله بن عبد العزيز – مؤخرا- مخاطبا المصريين: “على الإعلام أن يقول خيراً أو فليصمت ” هذه العبارة التي فاه بها الملك السعودي ربما تعكس طبيعة ومدى الغيظ والحنق الذي وصله الجانب السعودي نتيجة نجاح وسائل إعلام مصرية محلية في الدفاع عن مصري معتقل لدى السلطات السعودية بدعوى متاجرته بحبوب مخدرات تُستخدم لإغواء النساء السعوديات بحسب اتهامات مصادر سعودية. والمفارقة أن بعض من أسهم في إغاظة السعوديين إعلاميا هم صحفيون مصريون ما يزالون يعملون في قنوات تلفزيونية ممولة سعوديا كما ذكرت ذلك بعض الصحف السعودية نفسها.
إن ما أبقى للإعلام المصري سطوة في تغيير المزاج الشعبي لعموم المصريين هو أن هذا الإعلام لم يكن حتى في حقبة الرئيس محمد حسني مبارك إعلاما مجيرا تماما لخدمة النظام الحاكم مثل ما كان الحال عليه في العراق مثلا أيام نظام صدام حسين، فبعد الإطاحة بذلك النظام عسكريا حدث أن تبخرت وسائل الإعلام المكروهة شعبيا مع تبخر القطعات العسكرية العراقية إلى الحد الذي بدأ فيه العراقيون يعتمدون على بعض وسائل الإعلام العربي والخليجي منه على وجه الخصوص بوصفها وسائل إعلام محلية تنقل وتتابع الأحداث الجارية في بلادهم!
أما على الجانب المصري فلا يمكن إغفال حقيقة وجود قنوات تجارية كان يملكها أو يديرها بعض رجال الإعلام والناشطين في المجتمع المدني والأحزاب السياسية، وكانت تدأب على نقد أجهزة النظام المصري السابق جهارا نهارا، بل إن بعضا من وسائل الإعلام المصرية الحكومية كانت هي الأخرى تقض مضاجع مسؤولي النظام المصري بين الحين والآخر عبر ما توجهه من سهام نقد لاذعة لأداء الحكومات المصرية المتتابعة خلال مدة حكم الرئيس محمد حسني مبارك.
لقد استطاع المصريون في أحداث ما بعد الثورة أن ينأوا بصحافتهم عن مسلك الدوران في فلك الخليجيين، هؤلاء الذين أرادوا أن تكون الساحة المصرية عمقا استراتيجيا لنفوذهم الإعلامي ولم يفلحوا في تحقيق هذا المسعى حتى الآن، وأغلب الظن أنهم لن يستطيعوا طالما ظل الإعلام المصري مشغولا بهمه الوطني ويأبى أن يمثل السعوديون أو غيرهم دور المصريين أكثر من المصريين.
إن ما يضيف رصيدا مهما لاستقلالية الإعلام المصري وحرفيته هو قدرة الإعلاميين المصريين على الإمساك بزمام المبادرة الإعلامية، وصنعهم للفعل الإعلامي ووضع الآخرين لاسيما الخليجيون منهم في خانة رد الفعل وتلقي الصدمات الإعلامية.
وأحدث دليل على هذا المنحى هو مبادرة مؤسسات إعلامية مصرية يديرها رجال أعمال مصريون في إقامة مناظرات حية بين مرشحين محتملين لرئاسة جمهورية لاقت نسب مشاهدة واسعة في العالم العربي وأجبرت قسم كبير من (شعوب) منطقة الشرق الأوسط على التصفيق لها بحرارة.
* مركز المستقبل للدراسات والبحوث