الرئيسية » اللغة » اللغة الكوردية الموحدة توحد الكوردستانيين

اللغة الكوردية الموحدة توحد الكوردستانيين

من المعلوم بأنه لا حياة للأفكار من دون الكلمات وأن علاقة الإنسان بوجوده هي علاقة لغوية. فاللغة لم تعد كما كانت في الماضي مجرد تمثل للأشياء، بل أصبحت إمكاناً للوجود بقدر ما تجسد بيئة للفكر أو وسطاً للفهم.
اللغة ماهي إلا كائن حي قابل للتطور والإستحداث وفق ما يقرره الناطقين بها، كونهم أصحاب مصلحة في هذا التطوير. وهذا التطوير يجب أن يكون إستجابة لتطور المجتمع الكوردستاني و نابعة عن واقعه المعيش. إن المبادرة القيمة للسيد رئيس إقليم كوردستان مسعود بارزاني في ضرورة العمل على طرح لغة كوردية موحدة تأتي من هذا المنطلق و تأكيداً بأن الأمم التي إستطاعت في النهاية من إيجاد لغة موحدة مرّت بتجارب تماثل التجربة الحالية للكوردستانيين.
اللغة هي عنوان الهوية الثقافية ورمز السيادة الحضارية، لذا نراه من الضروري إستلهام تضحيات الخَلَف الذين حافظوا على اللغة الكوردية بعد ما حوربت لأسباب عنصرية و شوفينية من قبل الأنظمة التي سلطت حكمها بسياسة الحديد والدم علی أرض كوردستان لغرض وحدة اللغة.
في هذا العصر، عصر تشابك المصالح والمصائر، بعد أن فتحت العولمة بأدواتها الفائقة و شبكاتها العنكبوتية ووقائعها الإفتراضية إمكانات هائلة أمام الشعوب، نری إنفتاح الكوردستانيين علی المستجدات في العالم، خاصة في مجالات العلوم والتقانة والمعلوماتية وعلوم اللغة بكافة فروعها وحقولها البحثية المرتبطة بها، بعد أن تمكنوا من تحرير أنفسهم من الاستبداد، الذي كان يتجسد في استبعاد العقول والسيطرة علی الأفكار. فهناك سعي الی الإقتباس و الإستفادة من نتائج هذه العلوم بهدف إغناء اللغة الكوردية و ربطها بحركة الفكر الإنساني.
ومن أجل نقل المصطلحات العلمية والتقنية الاجنبية الی اللغة الكوردية علينا باستخدام وسائل كالاشتقاق، بمعنی صياغة لفظة من لفظة أخری شرط وجود تناسب بين اللفظ والمعنی، أو المجاز بطريقة إنتقال الكلمة من معناها القديم الی معنی جديد، أو تكريد اللفظ الدخيل مع تغيرات معينة ينسجم مع النظامين الصوتي والصرفي للغة الكوردية. وفي حالة نقل معنی المصطلح الاجنبي الی اللغة الكوردية، يمكن إستخدام هذا المعنی بشكل مستقل يعيش جنباً الی جنب اللفظ كمرادف و بمرور الزمن سوف يكون أحدهما غالباً علی الآخر، أو يظلان كلفظين مترافين. وفي حالة نحت الكلمات، أي إنتزاع كلمة من كلمتين أو أكثر، يجب أن يكون هناك تناسب بين اللفظ والمعنی بين المنحوت و المنحوت منه، مثل (نشونما) في الكوردية من نشأ و نما. وهناك وسيلة أخری، هي اختراع كلمة لم توجد من قبل بسبب الحاجة الماسة والملحة لمفردات لغوية جديدة تعبر عما يستجد من أمور ومفاهيم اجتماعية جديدة، هذا الأمر يحتاج الی المبدعين في اللغة.
ليس خافياً علی أصدقاء الكورد و المهتمين بالقضية الكوردية بأن تخلف اللهجات الكوردية وعدم تطورها الى لغة موحدة لايمكن إرجاعه إلا الی أسباب سياسية، ثقافية، اجتماعية تاريخية، جغرافية، عنصرية و إقتصادية. نحن لا نريد أن ندخل هنا في تفاصيل هذه الأسباب، فإنها تحتاج لشرحها و تحليلها الی مجلدات.
فلو أخذنا بلدان أوربية كالمانيا، أو إنكلترا أو فرنسا كمثال، فإننا نری بأن موضوع تبلور اللغة الموحدة بدأ بعد الثورات المجتمعية و الاقتصادية و القضاء علی الإنظمة الاقطاعية و مخلفاتها، بعد أن ربط ولایات هذه الدول بعضها ببعض عن طريق المواصلات والمدارس والمراكز الإعلامية وبحكم الواقع تمكنت لغة السلطة الجديدة من فرض نفسها كلغة رسمية في كل من هذه الدول.

إن تعدد اللهجات في اللغة الكوردية دليل علی عراقة هذه اللغة و أصالتها، فمن الضروري أن لا نفضل لهجة علی أخری، بل علينا في سبيل خلق لغة كوردية موحدة جامعة الاستفادة من جميعها دون إستثناء.
صحيح بأن هذا الأمر يحتاج الی التفكير بصورة تخرج عن المألوف و تكسر المسبقات و يحتاج الی خيال خلاق و حدس خارق وكذلك الی حدث يكون بمثابة الشرارة أو الولعة التي تحرك القوی الكامنة و تكسر الثنائية الممسكة لدی الكوردستانيين، بحيث توقظهم من سباتهم الثقافي ليكونوا قادرين علی توحيد صفوفهم لمواجهة الأنظمة التي حاولت أن تجردهم من لغتهم. تلك الأنظمة التي لا تحسن بأساليبها البائدة و سياساتها العنصرية سوی خلق المشكلات و تجديد الأزمات للكوردستانيين والقضية الكوردستانية العادلة.
والعمل لهذه الحملة الوطنية الكبری يجب أن يبدأ بإعداد لجنة علمية دائمية مستقلة مكونة من خبراء اللغة تشرف علی مؤسسة اللغة الكوردية الموحدة. و إدارة هذه المؤسسة يجب أن تكون بعيدة عن كل هدف أو إتجاه حزبي ضيق و يمكن لإنجاح هذه المهمة القومية الجبارة الإستعانة و الإستفادة من خبراء عالميين مختصين بعلوم اللغة. علی هذه المؤسسة إعداد كوادر لغوية تبعث الی جامعات عالمية لغرض دراسة علم النفس اللساني و علم الاجتماع اللساني و اللسانيات الأنثروبولوجية و الجغرافيا اللسانية و جمع طرق صناعة المعاجم و الموسوعات اللغوية. ومن أجل إثراء كنز مفردات اللغة الکوردية بالاستفادة من اللهجات الكوردية المتعددة علیه بتأسيس البنك الـمعلوماتي للكلمات والمصطلحات. و هناك إجراءات علمية أخری يمكننا إضافتها بعد أن تمكنا من إجتياز المرحلة الأولی وهي تأسيس مؤسسة اللغة الكوردية الموحدة. ومايفرحنا اليوم هو النية الخالصة لبرلمان وحكومة كوردستان في دعم ومساندة هذا العمل الجبار بصورة كاملة والقيام بتشريع قانون خاص باللغة الكوردية وتفيذه. فللمحافظة علی الثوابت والخصوصيات في واقع كوني سمته الحراك الدائم والتغيير المتسارع، يجب التعاطي مع القضايا الجوهرية بطريقة نموذجية و فهم المجريات و فك الشيفرات علی المستوی الداخلي والخارجي و إدارة التحولات بشكل يتناسب مع لغة العصر و ثوراته.
وختاماً يقول فيلسوف اللغة لودفيغ فيتجنشتاين (1889-1951) في البند السابع من رسالته المنطقية الفلسفية (tractatus logico-philosophicus): “إن ما لا يستطيع الإنسان أن يتحدث عنه، ينبغي أن يصمت عنه.”