الرئيسية » مقالات » هل من اسس معقولة في التحالفات الجارية في العراق

هل من اسس معقولة في التحالفات الجارية في العراق

العلاقات والتحالفات السياسية بين القوى والأحزاب السياسية في أي بلد ديمقراطي تعتبر عملية طبيعية وغالباً ما تكون ضرورية. وهي في الغالب الأعم تعتمد على التقارب في البرامج السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية المطروحة للتنفيذ, أو تلتقي من حيث التقارب الفكري والسياسي, أو في حالات الضرورة على تنازلات سياسية وفي الأهداف المسطرة للوصول إلى تشكيل الحكومات المعنية في الدول الديمقراطية. وتتم مثل هذه التحالفات في الفترات التي تسبق الانتخابات العامة. وبعض تلك التحالفات يتشكل قبل الانتخابات أو بعدها دون أن تدخل أطراف التحالف في قائمة واحدة أو مشتركة بل تتصارع في ما بينها لكسب فئات المجتمع إلى جانب برامجها, ومن ثم تشترك في تشكيل حكومة واحدة بعد أن تبرز نتائج الانتخابات واحتمالات التحالفات المتعددة الجوانب. وفي العالم الذي حولنا, وخاصة الدول الأوروبية نشاهد شتى اشكال التحالفات المرتبطة عضوياً بالواقع الملموس لكل دولة, إذ تختلف في ما بينها في أسلوب نشوء تلك التحالف وفي تفصيلاتها. وغالباً ما تكون التحالفات السياسية تكتيكية وليست إستراتيجية, إذ يمكن أن تتغير التحالفات بعد كل انتخابات من منطلق كون الأحزاب كافة ديمقراطية وليست شمولية سواء أكانت دينية أم قومية شوفينية أم عنصرية. وترفض الأحزاب الديمقراطية التحالف مع أحزاب أو قوى شمولية, اياً كان اللباس الذي تريديه والإيديولوجية التي تتبرقع بها باعتبارها قوى وأحزاب مناهضة للديمقراطية ومصالح الشعب.
أما في عراقنا “الجديد” جداً فيلاحظ المتتبع أن التحالفات السياسية الجارية منذ سقوط الدكتاتورية في البلاد حتى الآن تقوم على أساسين متخلفين كلاهما مخل بالديمقراطية وبمبادئ المجتمع المدني الديمقراطي هما: الأساس القومي والأساس الديني والطائفي. ومثل هذا التحالف القومي والطائفي يشكل الخطر الأكبر على الديمقراطية وعلى مفهوم المواطنة والوطن ويقضي على كل أمل بنشوء الديمقراطية والمساواة في النظر إلى الإنسان العراقي, فهو في عرف هذه الأحزاب إما عربي أو كردي أو تركماني أو كلداني اشوري أو فارسي اولاً, وهو إما مسلم أو مسيحي أو صابئي أو إيزيدي أو كاكائي أو شبكي أو زرادشتي, وهو إما سني أو شيعي, أو أحياناً يتسع التمييز إزاء الكُرد الفيلية باعتبارهم كُرداً من طرف وشيعةً من طرف آخر. وهو ما عانى منه وعاش تحت وطأته الكُرد الفيلية والفرس وعرب الوسط والجنوب وبغداد في فترة هيمنة حزب البعث العربي الاشتراكي وحكمه الشمولي المطلق. يضاف إلى هذه اللوحة المشوهة من حيث التعامل حالة التمييز بين المرأة والرجل لصالح الرجل وضد المرأة, رغم كون الجميع كانوا من المضطهدين. في مثل هكذا نظام سياسي وتحالفات سياسية تنعدم الديمقراطية والحرية الفردية وتنعدم روح المواطنة وتهيمن الهويات الفرعية على حساب هوية المواطنة, تلك الهويات الثانوية القاتلة للهوية الوطنية. وبقدر جمالية التنوع السكاني من حيث الهويات القومية والدينية والمذهبية والفكرية, فإنها تشكل في حالة مثل حالة العراق الراهنة حيث تسود المحاصصة الأثنية والطائفية, عبئاً ثقيلاً على الفرد والمجتمع حين يعتمد النظام السياسي هذا النوع من الهويات القاتلة في التعامل اليومي مع الفرد والمجتمع.
منذ ما يقرب من ثمان سنوات تأسس في العراق التحالف السني القومي الذي ناهض الحكم الجديد بسبب هيمنة الشيعة على الحكم, ونشأ بجواره ما سمي بالبيت الشيعي, حيث دخلا في صراع مرير على السلطة وساهما في تقسيم المجتمع إلى مسلمين سنة ومسلمين شيعة وإلى اتباع ديانات أخرى مركونة في زاوية ميتة في النظام السياسي المتخلف القائم في العراق. ثم دخل التحالف السني والتحالف الشيعي مع التحالف القومي الكردستاني في تحالف ثلاث سني-شيعي-كردي لإدارة دفة البلاد, فكانت دفة معوجة قادت البلاد إلى الفجيعة الراهنة, إلى الصراع الذي هو أقرب ما يكون إلى حكم ونزاع القوميات والطوائف. وبسبب فشل هذا التحالف وعجزه عن تقديم الحلول العملية للمشكلات القائمة, تفاقم الصراع بين أطرافه إلى حد اللعنة والمهاترات. وهي التي تنسف في المحصلة النهائية روح المواطنة الحرة والمتساوية وتنسف القدرة على تحقيق التقدم وحماية مكسب الخلاص من الدكتاتورية بالتورط بدكتاتورية جديدة.
وبسبب هذا الصراع بدأ التفكك يسري في قوام التحالفات ذات الكتل الكثيرة وبدأت تفتش عن تحالفات جديدة, ولكنها لا تختلف من حيث الجوهر عن سابقاتها لأنها غير مبنية على اسس قويمة وعلى أسس فكرية وسياسية صالحة للتحالف الوطني والديمقراطي المنشود. فليس هناك ما يجمع بين مقتدى الصدر ومسعود البارزاني. فالصدر ضد الفيدرالية الكردستانية وصرح بذلك مراراً وتكراراً, كما هو موقف كل الأحزاب الإسلامية السياسية في ما عدا المجلس الإسلامي الأعلى حتى الآن, وليس هناك ما يجمع بين بعض الجماعات البعثية المرتبطة عضوياً بعزة الدوري وتكتلات بعثية أخرى, المشاركة في القائمة العراقية, وبين قائمة التحالف الكردستاني, إذ إن هؤلاء ليسوا ضد الفيدرالية فحسب, بل ضد القومية الكردية وضد حقوقها المشروعة. وهم لا يخفون ذلك بل يصرحون به جهاراً نهارا.
إن هذه التحالفات عقيمة لا تنتج شيئاً ولا تثمر عن مواقف أصيلة, بل هي مضيعة للوقت وتضرب بطناش, حسب التعبير الشعبي العراقي, فيها من المزاجية المؤقتة أكثر بكثير من أي رغبة حقيقية في التحالف الفعلي, فهي مجرد أداة للضغط لا غير أو لوصول قوى الصدر إلى تشكيل الوزارة وهم ليسوا أفضل من حزب الدعوة الإسلامية أو بعض قوى دولة القانون الأخرى.
إن التحالف الحقيقي يتطلب الخروج من الجلد القومي والديني والطائفي كهوية سياسية وكدرب للتحالفات البائسة, ينبغي وضع أسس جديدة للتحالفات السياسية في العراق تفرضها تجربة السنوات التسع المنصرمة التي أكدت فشل القوائم القومية والدينية والمذهبية لا في الفوز في الانتخابات, إذ إن الاستقطاب القومي والديني والمذهبي يسمح لها بالفوز, ولكنه لن يسمح بقيام حكم مدني ديمقراطي مستقر وقادر على حل المعضلات ومعالجة مشكلات التنمية والبطالة والفقر والإرهاب والفساد.
إن على القوى السياسية العراقية أن تعيد النظر بحساباتها وسياساتها ومواقفها وتحالفاتها إن كانت تبغي الخلاص من هذه الأزمة الخانقة التي تعصر الشعب العراقي, إن كانت تريد إقامة نظام سياسي مدني وديمقراطي اتحادي يتقدم خطوات إلى الأمام والتخلص من التخلف المصاحب للنظام السياسي القائم على المحاصصة القومية والطائفية الفاشلة القائمة حالياً.
إن اجتماعات أربيل والنجف الخماسية لن تأتي بجديد بل سوف تكرس الأزمة الراهنة وعليها, أن شاءت حقاً, تغيير الحالة الراهنة والعمل على حلحلة الأزمة الراهنة, أن تدعو إلى انتخابات عامة جديدة قادرة على تغيير نسبي للحالة المزرية الحالية حيث الجميع يعيش الأزمة دولة ونظاماً, مجتمعاً وأفراداً.

26/5/2012 كاظم حبيب