الرئيسية » مقالات » سلاما ياعراق : عندما تصبح الاستقالة عيبا

سلاما ياعراق : عندما تصبح الاستقالة عيبا

يعد النقد الذي يوجه للحاكم في النظم الديمقراطية سلوكا ايجابيا، لا بل ومطلوب ايضا. بينما نجده في الدول التي تخضع للطغيان، او التي تتغطى بغطاء الديمقراطية المشوهة، شتيمة او ربما جريمة تستحق عقوبة الاعدام.

ومن بين القيم الأخرى التي تعامل معاملة النقد، قيمة او ثقافة الاستقالة. فهي ايضا في النظم الديمقراطية قيمة ايجابية يقدم عليها الحاكم او المسؤول حالما يشعر انه ما عاد يقدم شيئا مفيدا للدولة والشعب. او انه اكتشف بانه لا يصلح للمهمة التي انيطت به حتى لو انتخبه الشعب كله. اما عند الطغاة وكذلك دعاة الديمقراطية المزيفة فمجرد ذكرها عيب، ان لم يكن حراما وذنبا لا يبرأ منه الذي أتى به حتى لو استغفر من ذنبه الف مرة.
محزن ان اجد نفسي اتكلم عن مفاهيم بديهية ما كنت يجب ان اتحدث عنها، لولا ان السيد علي الموسوي المستشار الاعلامي للسيد المالكي، واحيانا يسمى كبير مستشاريه، صرح امس بان المالكي لا يمكن ان يستقيل وهو في ذروة شعبيته، مستندا على استطلاع أجرته مؤسسة أمريكية حسب قوله. لا ادري ما هي علاقة الاستقالة بالشعبية؟ الاستطلاع الأمريكي يقول ان شعبية المالكي ارتفعت بنسبة 53% دون توضيح الاسباب رغم اننا نعرفها مثلما يعرفها السيد الموسوي. لكني أود أن اوضح له بان الرئيس البرازيلي السابق لولا دا سيلفا، وصلت شعبيته بين البرازيليين الى اكثر من 80%. وقد قدم لبلده ما لم يقدمه اي رئيس خلال ثماني سنوات من حكمه، حتى ان البرازيل ستصبح خامس دولة بقوتها الاقتصادية بالعالم في العام 2016. وهناك اخبار شبه مؤكدة بانها ستصبح من بين الدول الدائمة العضوية في مجلس الامن بفضله. ومع هذا حين تظاهر الشعب كله من اجل ان يبقى لولاية ثالثة، رفض. لم يرفض فقط بل بكى وقال انه لا يريد ان يسن سنة تشتمه عليها الأجيال القادمة.
فما هو العيب بالاستقالة حتى لا يريدها الموسوي لرئيسه؟ هل يتصور انها شتيمة؟ قطعا لا. فالاستقالة عند من يفهم الديمقراطية جيدا، شجاعة تنقل من يؤمن بها ويقدم عليها الى مصاف الأبطال.
ما زالت ذاكرتي تسعفني بحديث لوالدي عن كيفية اختيار المرجع الديني الأعلى عند الشيعة بالنجف. كان ذلك يوم وفاة المرجع السيد محسن الحكيم حين نادى البعض بانها يجب ان تظل في بيت الحكيم لشعبيتهم العالية بين الجماهير الشيعية. ما اتذكره من قول الوالد، ان لم تخني الذاكرة، هو ان وفدا توجه الى احد ابناء السيد الحكيم واسمه يوسف، وطلبوا منه ان يحل محل والده فرفض. وكان رد السيد هو ان مبدأ الأعلم يجب ان يتقدم على الأشيع في اختيار المرجع. ولذلك طالبهم بترشيح السيد ابو القاسم الخوئي لانه اعلم منه. والأشيع تعني الاكثر شعبية. وهذا حقا يجسد مبدأ الكفاءة فوق الولاء او الشعبية.
من جانبي ارى ان على الحاكم الديمقراطي ان يضع الاستقالة خيارا اولا كلما ازدادت شعبيته ليحفظ كرامته ويحافظ على شعبيته ايضا. فالتاريخ علمنا بانه كلما ازداد تمسك الحاكم بكرسيه تزداد فرصة تعرضه للإذلال فيما بعد. وفي ما حدث لصدام والقذافي ومبارك لآيات لقوم يفقهون.