الرئيسية » شؤون كوردستانية » المؤتمر القومي الثاني للمرأة الكوردستانية والشرارة التجديدية المعاصرة

المؤتمر القومي الثاني للمرأة الكوردستانية والشرارة التجديدية المعاصرة

الذي نعرفه بأن الفيلسوف الألماني فريدريك نیتشه (1844-1900) أطلق بكتابه “ما وراء الخير والشر” نهضة ثورية علی تاريخ الفلسفة الأوروبية والفكر العقيدي المنحاز والمنغلق و قد دشن حملته هذه في المجتمع الغربي وذلك في القرن العشرين أرضاً بكراً للحركة النسوية “الفمنست” بشكل عام والحركة الأكاديمية علی وجه الخصوص.
في هذا الكتاب يبيّن نيتشه من منطلق النقد التاريخي للفلسفة فشل الفلاسفة في فهم طبيعة المرأة، لذا نراه يعلن بالدعوة الی قيام جيل جديد من الفلاسفة سمّاهم بـ “فلاسفة الحاضر” و”فلاسفة المستقبل”.
صحيح بأن إنصاف المرأة ظهر مع بروز أنصار الليبرالية علی الساحة الفكرية أمثال جون ستيوارت مل (1806-1873)، الذي حمل علی عاتقه مسؤولية إعادة التوازن و إعادة الإعتبار للمرأة، وهي في نظره لا تقل عن الرجل في شيء. و قد ناقش هذا النجم الليبرالي الساطع قضية المرأة في منتصف القرن التاسع عشر في کتاب تمرّدي تحت عنوان (استعباد النساء)، أدان فيه المبادیء الوضعية الخاصة التي شكلت من أجل تنظيم العلاقات بين الجنسين.
أما الفلاسفة الكبار أمثال أفلاطون (427-347 ق. م) وأرسطوطاليس (384-322 ق. م) فقد كان لهم الأثر الغير إيجابي البليغ علی إنماء النظرة السلبية تجاه المرأة في التراث الغربي بشكل عام. فالأول لخّص وضع المرأة والثاني قونَن هذا الوضع بنظرياته الميتافيزيقية البحتة، كفكرة “استرجال” المرأة للوصول الی التساوي (تجاوزاً) بعد التخلي عن كل ما يمت للأنثى بصلة، واصفاً المرأة بالكائن “المعيوب” والعاطل بفضيلته بسبب العجز البيولوجي في إنتاج الحيامن.
أما صاحب نظرية العقد الإجتماعي، جان جاك روسو (1712-1778)، فلم يری للمرأة غير أن تكون أكثر من ( مرغوبة، عفيفة )، أي أن تقوم بادوار متوائمة مع النظرية الاجتماعية طارحة ذاتها من خلال ذلك، بيسر وإيمان.
والمعلوم بأن المرأة الكوردستانية هي جزء فعال من المجتمع الدولي، لذا فرحنا بإنطلاقة أعمال المؤتمر القومي للمرأة الكوردستانية في عاصمة إقليم كوردستان بمشاركة الكثير من الناشطات في الحركة النسوية في كل من العراق وايران وتركيا وسورية اضافة الى لبنان وروسيا واوربا، التي تعمل من اجل حقوق المرأة واستقلاليتها، بحضور شخصيات بارزة و معروفة نذكر منها ليلی زانا، عضو البرلمان التركي عن حزب الديمقراطية والسلام الكوردستاني و القيادية في الديمقراطي الكوردستاني و سفيرة السلام شيرين آميدي. و يذكر بأن الهدف من المؤتمر هو تقوية دور المرأة بشرارة تجديدية معاصرة و السعي لتوحيد الرؤی حول القضايا المصيرية و توحيد الخطاب السياسي، لكن الأمر المهم بالنسبة للمرأة كان الإقتراح النهضوي في تأسيس رابطة للمرأة الكوردستانية، تكون لها ممثليات في كافة انحاء العالم و بالأخص في الأجزاء الأربعة من كوردستان.
إن هذا المؤتمر يساهم في انفتاح المرأة الكوردستانية لفهم مطالب مجتمعها وتثبيت الديمقراطية، لكننا نری أنه من النافع طرح بعض الأسئلة الانطولوجية لتنشيط العمل الثقافي للمرأة، منها ماهي طبيعة عالمنا اليوم و ماهي القوی المحركة فيه و ما شكل العلاقة التي نتمنى أن تقوم بين المرأة و الرجل تحت خيمة المجتمع الكوردستاني؟
مبدأ حرية المرأة هو مقياس التطور الحضاري للديمقراطية والحرية في الإقليم و الإنفتاح علی الخارج عبر الندوات والمؤتمرات النسوية، التي تهتم بالدفاع عن حقوق المرأة وتدعم الحريات الديمقراطية يعني فتح آفاق وممكنات جديدة أمام العمل النسوي وتثبيت كیان المرأة في كوردستان، فلا مجال بعد للعزلة في عصر تشابك المصالح والمصائر وعولمة الهويات الجندرية.
نحن نعلم بأن وضع المرأة الكوردستانية وشرطها النسوي كان محكوم بظرفه الزماني والمكاني ودرجة التطور الحضاري والثقافي. ولذلك نشعر إن عملية القفز فوق هذه الظروف، تعد مغامرة محفوفة بالمخاطر، وهي تشبه السباحة ضد تيار الحياة الكوردستانية العارم، لكن ما يجب أن نثبته هنا هو بأن للمرأة الكوردستانية كانت دور مهم في النضال من أجل الحرية ومقاومة الاستبداد والدكتاتورية البعثية، إذ شاركت بجانب الرجل و بشكل فعلي في الساحة السياسية، وهي قطعت بعد الانتفاضة شوطاً كبيراً في التقدم. وأن الحكومة في اقليم كردستان وضعت بعض القوانين وعدلت البعض الآخر من أجل حماية حقوق المرأة وتفجير طاقاتهن، والقيادة الكوردستانية تعرّف عدم تطبيق حقوق المرأة والفيدرالية والديمقراطية بالخطوط الحمراء و في 8 مارس عام 2005 تم الإعلان من قبل رئيس الحکومة الكوردستانية عن سياسة المساواة بين الرجل والمرأة ووضع لها آليات التنفيذ من النواحي السياسية والاجتماعية والاقتصادية والقانونية، لكننا مع كل هذا نجد الی یومنا هذا القلة القليلة منهن في المناصب القيادية سواء في المجال السياسي أو الحكومي، بالرغم من أننا نؤكد النية السليمة للقيادة الكوردستانية لفسح المجال أمام فتح مجاميع من المنظمات المعنية بحقوق المرأة في کافة مناطق كوردستان.
ومن المعلوم بأن توجهات المرأة نحو الديمقراطية هي مسألة مهمة في تقدم المجتمع من الناحية الإجتماعية و السياسية، لكن الذي نراه من الضروري هو فتح قنوات الاتصال مع المرأة في جميع محافظات العراق و نقل الخبرات والمعلومات لدى المرأة الكوردستانية إليهن لتوسيع ثقافة الحرية والديمقراطية والمساواة و تحويل الفضاء المجتمعي الی ورشة دائمة و حية من الحوار والمباحثة والمناقشة والمبادلة، علی مختلف المستويات و في مختلف دوائر المجتمع وحقوله و قطاعاته و قنواته، و هذا ما يتيحه عصر الشبكة والقناة.
المرأة هي قلب الإنسانية و أبهج شيء في الحياة، كما يراه المعلم الكبير “كونفوشيوس”. وما علی الرجل المعادي لمساواة المرأة إلا أن يتعجل ويمتلك حريته ويكون شجاعاً ويرفع هذا الوهم الذي فرض سطوته عليه، وإفضل طريق للعلاج هو التدريب الفلسفي الاجتماعي و إنشاء علاقة صحية وحميمة مع علوم السوسيوسايكولوجي ومباحثها، إذ إن هذا سيؤدي بالتأكيد الی خفض درجة التوتر والقلق عنده والتصالح مع نفسه. وعلی الإنسان المتحضر مناهضة الفكر الماسوجيني (ثقافة العداء للمرأة) أينما كان، من أجل إثبات الجدارة و بناء مجتمع حيّ و خلّاق لا تكبحه العقائد المغلقة والنخب الفاشلة والإدارات الفاسدة والعقليات الكسولة والثقافة الفقيرة والنماذج الإرهابية القاتلة.
وختاماً فقد قيل قديماً: بأن “المرأة الفاضلة أنفع من الرجل الفاضل، لأنها هي الأساس في تربية الناشئة الجديدة.”