الرئيسية » شؤون كوردستانية » ماهو دور المثقف الكوردستاني في زمن الأزمات السياسية و التحديات الجسيمة؟

ماهو دور المثقف الكوردستاني في زمن الأزمات السياسية و التحديات الجسيمة؟

عندما نتحدث اليوم عن مساعي الإنسان و مشروعاته الفلسفية والخُلقية أو السياسية في العراق الديمقراطي الإتحادي الفدرالي نصل الی نتيجة مفادها، إن الأزمة السياسية أصبحت الظاهرة وليس الإستثناء. فالعلاقات بين المكونات السياسية سواءً العربية-العربية أم العربية –الكوردية لا تبشر بشكلها الحالي بأمل منشود. هناك من يدافع بعقلية كهنوتية أصولية أو قوموية عن ثوابت ومطلقات، لا يمكن أن تترجم إلا إستبداداً في المقولات أو هشاشة في القيم والمثالات، تتجسد أخيراً في مشاريع فاشلة أو عقيمة أو مدمرة.
رغم هذا الواقع نری من الضروري عرض دور المثقف الكوردستاني في الدفاع عن القيم المتصلة بالحقيقة والحرية والعدالة والكرامة في عصر الأزمات والتحديات و مساهمته بإنتاج المعنی والقيمة أو المعرفة والسلطة و سعيه في تحويل التعامل مع القيم من الحيز التراتبي العامودي نحو الحيز التبادلي الأفقي، كي لا يتمكن القطاع الثقافي الخاص فقط تمثيل قيم عليا والنطق باسمها و مراقبة عملها.
صحيح بأن هناك فئة من المنظّرين يستعملون عبارة نهاية المثقف، لا كمجرد صدی لمقولات مثل نهاية الايديولوجيا أو التاريخ أو السياسة، بل كحقيقة و واقعة بدلالاتها الراهنة. هل يمكننا مع ذلك القول، بأن المثقف الكوردستاني لا يزال يمثل الأمل المرتجى لشعب كوردستان في المستقبل القريب؟
من المعلوم بأن المثقف التحرري والعقلاني هو الذي يبني علاقة نقدية مع ذاته و فكره و من خلاله يتمكن بالتحول عما هو عليه لغرض إغناء مفاهيمه عن الحرية و العقلانية. يجب عليه العمل علی حشد سواه الی داخل ملكوت الحرية والعقلانية وإن لم يعمل ذلك يكون حصاده الخرافة والظلام والإستبداد. و علی المثقف الكوردستاني الابتعاد عن التعامل مع فكرة التنوير علی نحو أصولي أو ايديولوجي و ليعلم بأن النخبوية الثقافية تقود دوماً الی العزلة والهامشية و تنتج التفاوت والاستبداد بقدر ما تجسد الإصطفاء والنرجسية. المثقف يتحمل مسؤولية كبيرة في بناء الذاكرة الوطنية من خلال العمل الإبداعي والنتاج الفكري والثقافي الصادق، البعيد عن تظليل الاجيال و الانحراف عن المسيرة الحضارية. عليه أن يلعب دوراً ريادياً في إصلاح الواقع الذي يعيشه و أن لا ينام في صومعته الفكرية و يقتصر علی الجمع والاستقصاء والارتشاف والاستقاء للمعلومات، بل عليه ببث أفكاره و تبصير شعبه بالحقوق والواجبات وتسليحه بالعلم والمعرفة و القيام بنشر ثقافة التعايش السلمي مع الآخر المختلف و التأكيد علی الحوار البناء و الترويج لفكرة التبادل و تقوية الوعي الكوردستاني و تعزيزه لذوات الناس والمجتمع، وزرع روح التكافل والتضامن الروحي والاجتماعي فيما بينهم من أجل بناء مجتمع و نظام أكثر إنسانية و أكثر عقلانية.
المثقف الكوردستاني يجب أن يتصرف بوصفه الشاهد علی واقع عصره أو الناطق بهموم مجتمعه. و لغرض مواجهة الأزمات والتحديات الراهنة علیه الإستفادة من جملة التحولات الحضارية والعلمية، التي تسهل إشهار نقده دفاعاً عن حقوق شعبه و حريته و إستقلالیته، عليه أن يشارك في صناعة الرأي العام و صوغ الوعي الجماعي و أن يؤثر في الدينامية الاجتماعية والسيرورة التاريخية وعلیه أن يعرف كيف تُلعب اللعبة و تُبنی القوة و كيف تُنتج الحقيقة و تُقرّ المشروعية.
في هذه المرحلة الحساسة من التطور التاريخي يجب أن يدرك المثقف الكوردستاني بأن هناك تيارات قوموية متسترة تحت غطاء الدين تريد أن تسيطر علی الرأي الحر والعقلاني و تعود من النوافذ بعد أن خرجت من الأبواب. ولكي نستطيع الانفلات من براثين تلك المحاولات وأن لا ننتهي إلى منزلقات إيديولوجية أو أثنية أو دينية، علیه العمل في سبيل وحدة الصف الكوردستاني واللحاق بالنماذج المتحضرة في العالم، التي ينهمك فيه المثقف في الجدل القائم حول مفهوم العولمة و الحداثة وما بعد الحداثة. يجب أن لا نترواح و نبقی في المجادلة حول مسائل مثل العلمانية، الديمقراطية، التوريث و قانون الأحزاب وفن المعارضة وحرية التظاهر. علی المثقف الکوردستاني طرح أسئلة الكينونة، ولا نقصد بالكينونة، أن يسأل من نحن، وإنما كيف نتعامل مع الفدرالية في‌ العراق و بأي شروط؟ وهل أن الطفرة النفطية في العراق حققت الرفاه لشعب كوردستان و هل وزعت الثروات خلال العقود التسعة الماضية توزيعاً ساهمت في خدمة التنمية البشرية في کوردستان؟
علی المثقف الكوردستاني العمل علی الكشف عن بؤر القمع وضرب الحريات و سياسة التحايل و المماطلة في تنفيد بنود المادة 140 من الدستور في المناطق المستقطعة من كوردستان والتنديد بها و في نفس الوقت عليه ببناء حقول من التحاور و التثاقف عوض إحياء الصراع بين المكونات و القيام ببناء تراكم فكري بهدف مقاربة الواقع نحو مستقبل أفضل.
ومن الواضع بأن الإنفتاح علی الحضارات المتقدمة والحوار الهادف البناء لا يلغي أبدا هذه الهوية الكوردستانية، ما يشكل خطراً عليها، هو الإرتماء الأعمى للشعارات الأصولية المتحجرة، التي تضعف الوعي الوطني والتي و للأسف تتماشى مع تقاليدنا. نقول مرة أخری بأن الانفتاح على العالم والحوار الهادف البناء لا يلغي الهوية. علينا التخلص من عقدة “الأنا الأصولي” و نتوجه الی الصالح العام، من خلاله فقط نستطيع أن نحقق حواراً متوازناً فاعلاً و نكون أكثر قدرة على التواصل وتبادل الخبرات العلمية والثقافية. علينا البدء في ترتيب بيتنا الكوردستاني الثقافي على أسس وطنية واعية وحكيمة وعقلانية، بحيث تحوز أهلية خدمة ثقافة الإنسان الكوردستاني خاصة، ثم نتهيأ للحوار مع الآخر، سواء في العراق الفدرالي أو في الشرق الأوسط والعالم. وليكن صوتنا أقوى وكلمتنا أرقى، وحجتنا أكثر إقناعاً. أما الإصلاح الذي القيادة الكوردستانية بصدده، فهو مطلب إنساني ‏ وغاية تستدعي من الجميع العمل على تحقيقها، بدءً من السياسي والمثقف ورجل الشارع البسيط، فضلاً عن الحاكم الذي يريد أن يحافظ على رمزيته وسمعته وتاريخه.
و أخيرا علی المثقف الكوردستاني عدم التنازل عن عن قضايا شعبه في مكتسباته الأساسية و عدم الخنوع للظروف الراهنة وأزماتها، بل العمل علی هموم شعب كوردستان وشجونه كالحرية والديمقراطية والاستقلال التام والتنمية الثقافية الحقة وأن لا يصمت و يسكن و یهادن بطريقة لافتة، بل ينزع الی النقد الجدي للأوضاع والسياسات الغير سليمة، التي تمارس من قبل الحکومة الإتحادية للنيل من حقوق شعب كوردستان، حتی لا يتلاشی و يتساقط أحلام شعب كوردستان في الحرية والديمقراطية والنهوض الاجتماعي والتقدم، التي ناضل من اجلها أسلافه وعلی رأسهم القائد التاريخي الخالد مصطفی البارزاني.
و ختاماً نقول: “علی المثقف التخلي عن لغته المتحجرة في قراءة الأحداث والتعاطي مع العالم، فالفكر يتغذی من الإنفتاح علی اليومي والمُعاش والمهمَل ويتجدد بتفكيك الأنساق المحكمة و كسر النماذج المحنّطة والتحرر من أسر العقائد المغلقة والعصبيات الملتحمة.”