الرئيسية » مقالات » العراق ….. الفساد

العراق ….. الفساد

لم يكن يتخيل احد ان يكون العراق بالمركز الثالث ولمدة خمسة سنوات متتالية على قائمة اكثر الدول فسادا في العالم ،كل هذا متأتي من ان القائمين على الشأن العراقي لم يحركوا ساكنا في سبيل أستئصال هذه الآفة المخيفة التي تنخر الجسد العراقي .
يقول اماداو نوماني توري الجنرال الذي اطاح برئيس مالي الفاسد موسى تراوري :
(( عند تنظيف المنزل على المرء ان يبدأ من الطوابق الاعلى وأن يرمي بالنفاية الى الطابق الارضي ،هكذا تماما تكون الحرب على الفساد بالبدء من اعلى مستوى من الدولة)).
ان الفساد اليوم متجذر ومتاصل في كافة مفاصل الحياة المؤسسية العراقية وحتى القيمية فنحن اليوم نعيش ازدواجية عنيفة بالقيم فالجميع يتحدث عن الفساد ويمقته بينما الفساد يمر عبر الجميع مع تحاشي هذا الجميع من المواجهة بينما يترك المقاومة لقلة تنضال من ان تقتلع جذور الفساد القوية ، لقد اصبح الفساد هو السمة البارزة في الوضع العراقي فالغالبية تحجم عن المواجهة خوفا من الكثير من العوامل التي يمكن ان يصبح فيها هو متهما نتيجة للضخامة التي تحمى بها اطر الفساد والمفسدين .
ان الفساد اليوم يظهر لنا بعدة اشكال فمنها الفساد السياسي وهو الاخطر الذي يكون على مستوى الدولة او المؤسسات الكبرى الذي يسمح او يشجع على النفع الخاص وغير المشروع وعلى حساب الصالح العام وهذا مانراه جليا وعلى كافة المستويات السياسية في البلد من وزراء الى مدراء عامين وصولا الى المؤسسة العسكرية والمؤسسات الرقابية .
والفساد الاداري وهو الذي يعنى بعمليات اخضاع وتسيير مسارات العمل والتقييم والتعيين واختيار القيادات وافشاء المعلومات التي تؤدي الى النفع الخاص مما يؤدي الى ضعف وانهيار مؤسسات الدولة .
اما الفساد المالي الذي يظهر على شكل سرقات او رشاوي او عمولات ….الخ والذي يبزغ لنا نتيجة لضعف المنظومة الرقابية واستشراء الفساد الاداري في تكامل متبادل مع الفساد السياسي، فالفساد السياسي اذن يسبب فسادا اداريا ويهيء لحدوث فساد مالي.
ان الفساد المالي ومقاربته للسلطة يؤدي الى رغبات وتوجهات جديدة تؤدي الى افساد سياسي يمارس على المنظومات الادنى وهكذا ، ان المدخلات الرئيسية للفساد تبدأ من هرم السلطة والقائمين على المشهد السياسي لذلك ان عملية ايجاد آليات وقوانين رادعة يمكن من خلالها التصدي لهذه المنظومة يمكن ان يؤدي الى قطع الطريق الفساد المتمثل بالاداري والمالي لانه الحلقة الاهم والاخطر الذي من خلاله يتم حماية جميع المفسدين وعلى كافة الاصعدة .
ان الفساد اليوم ينعكس على كافة اوجه الحياة الانسانية ومستوياتها ومن هذه الانعكاسات هي الاحباط في الاستثمار البشري الذي يقلل من الحافز او الاستثمار المالي والاقتصادي فهي تصيب الناس الطموحين والصالحين بالاحباط وبالتدريج يؤدي الى القضاء على الحب الفطري للعمل وحب الذات عند افراد المجتمع وبالتالي انتشار اكثر للفساد .
وان عملية التصدي للفساد والمفسدين تؤدي الى تعطيل امكانيات المجتمع من خلال تضييع الوقت والجهد من اجل محاربة هذه الافة والقائمين عليها .
كذلك ينعكس الفساد على افساد ثقافة المجتمع من خلال تآكل القيم الايجابية وأكتساب وتعلم قيم سلبية تؤدي الى تدهور الاداء وتلاشي الابتكار فيتدهور المجتمع وبالتالي الدولة ككل، ان امكانية حصول المفسد على ثمار افساده وبدون عقوبة رادعة يعتبر ا مرا محفزا ومسوغا بأن يتحول اشخاص اخرين غير فاسدين الى اشخاص فاسدين وان الاحباط الذي يصيب غالبية افراد المجتمع يؤدي الى تقليل الاحساس بالامل وتلاشيه وهذا هو المنتج الاخطر في استشراء الفساد وهذا على المدى الطويل يعني النهاية والتعجيل في تدهور القيم المجتمعية وزيادة في الجريمة وعدم الاستقرار المجتمعي .
ان القضاء على الفساد والفاسدين يتحتم على الدولة بوضع خطط على المستوى الاستراتيجي بمحاربة السياسات التي تولد وتجمع وتحتضن الفساد وعلى المسنوى الوظيفي من خلال القيادات في المؤسسات والوزارات كافة بأستئصال وعملية ادارة التوجيهات العملية الخاصة بالفساد وعلى المستوى العملي الذي يجري على ارض الواقع من عمليات تطبيقية وكذلك وضع قوانين رقابية وانضباطية رادعة يجرم فيه الفاسد ومن ساعده وقيام منظومة اعلامية وبكافة الوسائل المتاحة بالكشف عن مواقع الفساد والمفسدين وبصورة مكثفة وعملية ممكن ان يؤدي ذلك الى الحد من مظاهره وكذلك وضع بحوث ودراسات علمية تختص بعملية مكافحة الفساد وطرق التخلص منه وبالتالي ان نكسب منظومة قيمية مبنية على حب الوطن والمصلحة العامة لا على المصلحة الشخصية والنفع الخاص.