الرئيسية » شؤون كوردستانية » فلسفة القيادة الكوردستانية في السلم و حكمة اللاعنف

فلسفة القيادة الكوردستانية في السلم و حكمة اللاعنف




في نظريته الإجتماعية يشيرعالم الاجتماع الأمريكي بالكوت بارسونز (1902 ـ 1979) إلى جملة من الآليات التي تسهم في حفظ النظام وتوازنه مع اختلاف الزمن والمراحل التي يمر بها التنظيم الاجتماعي ويؤلف الفعل الاجتماعي بالنسبة اليه الوحدة الأساسية للحياة الاجتماعية، ولأشكال التفاعل الاجتماعي بين الناس. إنه يری بأنه من صلة تقوم بين الأفراد والجماعات، إلا وهي مبنية على الفعل الاجتماعي، وما أوجه التفاعل الاجتماعي عنده إلا أشكال للفعل التي تتباين في اتجاهاتها وأنواعها ومساراتها، من خلالها يمكن رصد الظواهر الاجتماعية وتفسير المشكلات التي يعاني منها الأفراد، وتعاني منها المؤسسات على اختلاف مستويات تطورها. وهو يری أيضاً بأن المرء لا يستطيع أن يمارس الأفعال الاجتماعية إلا في الحدود التي تسمح بها المواقع والمهام التي يشغلها في بنية التنظيم. أما تنوعات المنظومة الاجتماعية فهي تتوحد، حسب نظريته، من خلال الأخلاق والمبادئ العامة، التي تتجلی بوحدة المنظومة الحضارية والثقافية.
لقد عُرف “سقراط” بإتجاهه إلى سبر غور الروح الإنسانية، وهو الذي يقول بأن الحاجة تقتضي بصيرة واضحة لضمان السلم والنظام والنية الطيبة. ولكن إذا كانت الحكومة نفسها حكومة تسودها الفوضى والسخافة، تحكم ولا تساعد، وتأمر ولا تقود، كيف تستطيع إذن أن تقنع الفرد في مثل هذه الدولة على أن يطيع القوانين، ويحصر بحثه الذاتي داخل دائرة الخير العام.
الذي نريد أن نتطرق اليه في مقالنا المختصر هذا هو فلسفة السلم و حکمة اللاعنف، التي تريد القيادة الكوردستانية أن تطبقها علی أرض وواقع كوردستان و إن أمكن تعميمها و ترسيخها في العراق الاتحادي. ففي كثير من الخطب والمناقشات العلنية نسمع من القيادة الكوردستانية التأكيد علی استعمال فن الحوار الهادیء كوسيلة للتواصل و منها نستنبط القناعة التامة بسياسة اللاعنف كأداة للوصول الی حلول حول القضايا العالقة بين الإقليم الكوردستاني والحكومة الفدرالية و هذه القناعة هي إستراتيجية عمل وسياسة لحلِّ النزاعات. فلسفة السلم تحمل في طياتها السلام الظاهري وتری في الدستور و القانون طريق معبّد لضمان النفس والجماعة. لقد أثبتت القيادة الكوردستانية بمبادراتها الحکيمة بأنها أفضل الوسطاء بين المكونات السياسية في العراق و من خلال تواصلها تحولت لغة العنف السياسي الی لغة إنسانية للحوار. ومن المعلوم بأن اللاَّعنف يقوِّض جدران الكراهية ويمدُّ جسور السلام والمحبة. و اللاعنف هو أفضل وأسمى بما لا يُقاس من العنف لأنه يتطلب شجاعة كبيرة واحتراماً للخصم. وطالما العنف من صنع البشر، إذن نحن قادرين على تفكيك هذا القضاء و والقدرة علی إعطاء الأجيال القادمة حقَّ الحلم بعالم تملؤه الحرية والكرامة، لأن من يستطيع التفكير بعقل تداولي يكون قادر علی أن يتغير لكي يسهم في تغيير سواه علی نحو مثمر وخلاق. فالأفكار الخصبة والتجارب الفذة والنماذج الناجحة في مكان ما، تغدو ملك البشرية جمعاء، أياً كان مصدرها، كما يشهد التفاعل بين الحضارات منذ أقدم الأزمنة، فلتنسج العلاقات بين المكونات العراقية بعقلية السلم والشراكة و لغة التسوية و ثقافة التعدد والتنوع، علی نحو يفتح آفاق الحوار والتعاون والتضامن علی سبيل النفع المتبادل و الإثراء المتبادل.
السلم مرتبط بسعادة الجماعة الراهنة التي تبحث عن العيش في سلام، أما الحرب فهي سلوك يعكس ضعف الإنسان في ضبط تعامله وانفعالاته و من الممكن أن تكون الحرب ضرورة حتمية لكنها تبقی حتمية محزنة تبرز ضعف ديناميكية الفكر الإنساني و قصور عقله.
لو تصاعد العنف الأعمی بشكله الإرهابي و بأشكاله الأخری في العراق فسوف يأتي علی العراقيين زمن يحتاج فيه كل واحد الی آخر لحراسته و حفظ أمنه الشخصي، وتلك هي الكارثة. فالتطرف التعصب والكره والخوف والعداء والصدام والإنشداد الی الوراء و عبادة الأسماء والأفكار، مآلها تفخيخ العلاقات بين المكونات الأساسية في العراق والانتقال من مأزق الی سواه، ومن صدمة الی اخری، ومن خسارة الی خسارة أكثر فداحة.
ما نشاهده اليوم هو عمل الكوردستانيين من أجل تشكيل حقل معرفي تتحول معه الازمات والمآزق الی مواضيع للدرس والتحليل أو التشريح والتفكيك و ذلك لتقوية أسس فلسفة السلم ومذهب اللاعنف فنری تلقيح العناوين والمفاهيم والقيم القديمة والحديثة بعناصر و مقاصد و أبعاد جديدة، علی سبيل التطوير والتجديد أو الإغناء والتوسع، سواء تعلق الأمر بالنظام والديمقراطية أو بالحرية والعدالة أو بالتنمية والعولمة. أما من حيث المنهج، فهناك طريقة للتفكير تستخدم بشكل فعال بعيدة عن لغة القطع والجزم والفصل الحاسم، ومن حيث المعاملة، فالحكومة تسعی بمنطق جديد هو منطق تحويلي للتعامل مع الأفكار بوصفها استراتيجيات للمعرفة والعمل، مفتوحة و متحركة وذلك لصناعة واقع كوردستاني جديد يوظف نفسه في خدمة السلم العالمي مناهضاً للعنصرية او طائفية و سياسة و ثقافة الإقصاء والتهميش.
وختاماً يقول السياسي البارز والزعيم الروحي للهند مهاتما غاندي (1869 – 1948): ” ليس هنالك طريق للسلام، بل أن السلام هو الطريق.”