الرئيسية » شؤون كوردستانية » إقليم كوردستان بين قبول الحرية السياسية و رفض الفكر الأصولي

إقليم كوردستان بين قبول الحرية السياسية و رفض الفكر الأصولي

في الفلسفة الرواقية، التي تأسست على يد العالم الشهير زينون الكيتيومي (335-264 ق م) حوالي 300 ق.م و كانت مدرسة جديدة في الحضارة الهلنستية (من 750 ق.م إلى 146 ق.م) ، يُعرّف الحكيم بالإنسان الذي عرف قوانين الوجود و عمل علی أن تطابق إرادته تلك القوانين، إذ للفرد حرية باطنة هي التي تنقذه من ضربات الحظ و عوارض الصدفة و تقلبات الناس. أما الإرادة عندهم فهي مبدأ هذه الحرية الباطنة، فحاولوا أن يوفقوا بين الحرية والضرورة و إنتهوا الی جعل الضرورة أصلاً للأشياء.، بدلاً من أن يخصعوا الضرورة نفسها للحرية. لكن الحرية الحقيقية تأبی أن تنصاع للقدر و تتقبل المصير.
و كلمة الحُرّ و الحرية تفسّر من قبل ابن منظور الأنصاري (1232 م – 1311 م) في لسانه بـ”نقيض العبد، والجمع أحرار وحرار… والحرة: نقيض الأمة، والجمع حرائر”. والحر من الناس أخيارهم وأفضلهم، والحر يعني أيضا الفعل الحسن، يقال: ما هذا منك بحر، أي بحسن ولا جميل. ويقابل مفهوم الحر العبد، وهو الإنسان المملوك”.. أي الذي لا يملك قرار ذاته، هذا من الجانب اللغوي، أ‌ما من الناحية الفكرية فتعطی للحرية صورتين، الحرية الطبيعية، والحرية الاجتماعية. الحرية الطبيعية حسب تفسير المفكرين هي تلك الحرية الممنوحة من قبل الطبيعة نفسها. والحرية الاجتماعية هي تلك الحرية التي يمنحها النظام السياسي والاجتماعي القائم على منظومة أفكار ومعتقدات محددة، لأفراده أجمعين من حرية الفكر والتعبير والتنظيم، إلى حرية المعتقد والنقد والإعلام الحر.
إن كلمة “لا” التي نرفعها بين تارة و أخری للرد علی أفعال الحكومة الاتحادية لا تعني بأننا نريد فقط الرفض و التعارض، بل المقصود بها العمل علی التميُّز علی الآخرين والسعي الی إكتشاف ذاتيتنا الخاصة و الاجتهاد في تعرّف رسالتنا في النضال السياسي. ومن المعلوم بأن للنفي قيمته، فأنه حافز يجبرنا الی البحث عن شيء إيجابي يعبر عن (إثبات) أكمل.
وأساس الحرية هو الوعي والمسؤولية والالتزام المجتمعي والانضباط والوقوف عند حريات الآخرين. وعندما بدأت الحداثة ترسخ جذورها بعد عصر التنوير و بعد أن تمكنت المجتمعات من أن تتحرر من قيود المطلقات و أنماط التفكير الحتمي المختلفة و مع انطلاقة عصر العقل، الذي أثبت قابليته علی تأسيس الحياة البشرية من منظور التفكير والفعل الإنساني الحر المباشر، دون أن تهتم بالهياكل الأبوية الوصائية، برزت الحرية كمقومة أساسية للحركة التنويرية العقلانية والحداثة العلمية، التي رفضت وجود سلطان علی العقل إلا العقل نفسه و أدغمت العقل في ثالوث مبني علی العقلانية، الحرية، والعدل السياسي الاجتماعي. و في النهاية تم وإعلان حرية وتحرير التاريخ والإنسانية من أسطورة الحتميات المتعددة والمختلفة والمتناقضة و هكذا تصاعد الوعي التدريجي بأسبقية الديمقراطية وحقوق الإنسان.
في إقليم كوردستان تُنظر الی الحرية كقيمة إنسانية تساهم في إغناء مسيرة الفرد الكوردستاني و تطوير مواقعه المختلفة في الحياة، فهي ضرورية للعمل و البناء والتطوير و خدمة الناس والمجتمع و حتمية في المساهـمة التشاركية في تطوير الدولة و الإلتزام بقضايا الناس و الوطن و النقد الحر والبنّاء الهادف الی دفع المجتمع الكوردستاني نحو قافلة الحضارة الإنسانية. المجتمع الكوردستاني عاشت لفترة طويلة تحت نير الاستبداد المركزي، الذي هضم حقوقهم و رفض مطاليبهم في الحرية والاستقلال الذاتي و الذي زعم لنفسه بأنه يحقق سلامة المجتمع، لكنه في الحقيقة سلب المجتمع أسباب بقائه، لذا لم تكن عملية بناء مجتمع و نظام مدني في هذا الجزء من كوردستان بسبب الممارسات القمعية للدولة الشمولية أمراً هيناً. وطالما يبقی المجتمع المدني نتاج للأفعال الإنسانية التلقائية لأشخاص أحرار، إذن يستلزم أن تبتعد الحكومة عن مساعي الأفراد وأن تترك لهم حرية الارتباط بعضهم ببعض، و هذا ما نلمسه اليوم في كوردستان. فالأفراد أحرار في شئونهم الاقتصادية وأنشطتهم الدينية وحياتهم الأسرية. المجتمع المدني القوي يمثل عائقًا في وجه الاستبداد لأنه يتبع نظامًا أخلاقيًّا يحمي قيم الحرية ويصونها، لكن و للأسف هناك تيارات أصولية مرفوضة من قبل الأكثرية الساحقة من المجتمع الكوردستاني تريد أن تقلّص من حجم هذه الحرية و تعمل بأسلوب عدواني قاسٍ و وحشي ضد المجتمع المفتوح و الإصلاح الرشيد الهادئ العقلاني المؤسساتي، لأنها بقت أسيرة ديكتاتورية الشعارات والمقولات و لم تتحرر بعد من عبادة الأشخاص و الأبطال و سواها من العملات الفكرية التي تؤجج الصراعات الرمزية والمادية حول الأسماء والنصوص و تحوّل المقولات الی قوالب متحجرة أو الی أنساق مغلقة تخنق الحيوية الفكرية و تشل الطاقة علی التحول الإيجابي و العمل البناء، وهكذا تولد الجهل والعجز والإقصاء، بقدر ما تخلف المساویء والمخاطر والكوارث.
وختاماً نقول: “من أراد قبول الحرية السياسية فلابد له من إتقان لغة الاعتراف والحوار والتوسط والتعدد والمباحثة والشراكة المبادلة و رفض الإنخراط في منطق الإصطفاء والتمييز والتقوقع والعسكرة والصدام.”