الرئيسية » شؤون كوردستانية » شعب إقليم كوردستان و فن صناعة الأصدقاء!!!

شعب إقليم كوردستان و فن صناعة الأصدقاء!!!

من المعلوم بأن ما هو إنساني أو كوني، حسب قول الفيلسوف الالماني-الامريكي، فرنسيس وولف، “ليس ما تشترك البشرية جمعاء في انتاجه”، لأن رايته يمکن أن تحمل من قبل هذه الثقافة أو تلك، كما حصل مداورةً مع الثقافات اليونانية والصينية والعربية والغربية و قد ينطق بإسمه فرد من الأفراد، كأرسطوطاليس (384 ق م – 322 ق م) أو رينيه ديكارت ( 1596 – 1650) أو نيلسون روليهلالا مانديلا (ولد عام 1918).
فالصداقة فنّ إنساني يتشكَّل بقدر ما ينال المجتمع المدنيّ من نمو وتغيّر نحو الأفضل أو الأردأ حالاً، وبقدر ما تتعدّد وتتمدّد المصالح والغايات في كلَ الاتجاهات. والصداقة بين البشر متعدد الأوزان، تتحدد هويته و وزنه بين إنسان و آخر، والغايات التي تؤوول اليها. والعلاقات بمفهومها المطلق قد نشأت ووجدت منذ ولادة الانسان علی هذه السكينة، فالانسان كائن اجتماعي بالفطرة، حياته ليست كاملة وشاملة، فمن أجل الوصول الی كمالها وشموليتها وسد النقص فيها عليه التعامل مع الآخرين. و المنطق يقول بأن كلما ازداد عدد البشر وكلما كثرت احتياجاتهم وتعددت تجمعاتهم تطورت و إزدادت علاقاتهم . ومع اتساع المجتمع وتطوره وانتقاله من مجتمع الفرد والأسرة إلى مجتمع القبيلة ثم القرية ثم المدينة ثم “الدولة” اتسعت معه نطاقات “العلاقات” وبدأت تأخذ طابعاً دولياً. و يقال بأن “العلاقات الدولية” حسب المفهوم الذي نعرفه اليوم، کحقل من حقول المعرفة الإنسانية، ظهرت بعد مؤتمر “ويست فاليا” عام 1648.
الكوردستانيون اليوم يمارسون فن الحصول على الممكن بدلاً من انتظار المستحيل، فهم يعرفون حق المعرفة بأنه لا نفع في أن يربحوا العالم و يخسروا أنفسهم و لكنهم في الوقت نفسه لا ينتظرون من أصدقائهم في أن يوافقونهم في كل مفاهيمهم. والهدف من البحث عن الحرية، كما يقول الفيلسوف الدانماركي سورين كير‌کيغارد، هو أن تعيش فيها، لا أن تفكر فيها.
عندما يخاض الكلام حول هوية العراق التاريخية والثقافية خلال خمسين سنة الماضية من عمر هذا البلد لا يمکن أن تتجسد أمام أعين الكوردستانيين سوی الحقيقة المرة، أي سياسة الحكومات التوتاليتارية و الدكتاتورية و سيادة الزمن الراديكالي بطائفيته المبطنة وجهويته‌ السياسية للعرب، التي جعلت من النفسية العرقية العربية القوة الغالبة في تسيير و توجيه الجماهير و الاستحكام بقرارها و خانت فلسفة التعايش السلمي بين المكونات العربية والكوردية والتركمانية و الآشورية والأرمنية و الشراكة الحقيقية و كان الكل من و جهة نظر الحاكم، بعثيين و إن لم ينتموا تحت ظل شعار “أمة عربية واحدة”. وبعد سقوط الطاغية عام 2003 لم نری ممارسة الديمقراطية في العراق بشكل فاعل في ظل بنية اجتماعية تقليدية و تقاليد رجعية و تاريخ عقائدي انتقائي لقوی دينية حاکمة تستخدم صيغ الغلو السياسي والايديولوجي و أساليب و لغة العنف، بعيدة عن الجدل العقلاني حول القضايا الاساسية من أجل ترسيخ قيم الحرية و توطيد نظرية نشوء المجتمع المدني و المؤسسات السياسية. والتيارات القومية العربية جعلت في السابق كما تريد أن تجعل اليوم من المستقبل في العراق ذكريات الماضي و أمجاده و المحصلة كانت تحطيم معنی و حقيقة المعاصرة المستقبلية و الاستمرار علی تطبيق نفسية الاستفراد و التعالي الوهمية، تاركة نظرية بناء أسس و قواعد الاجتهاد المنطلق من اشكاليات العصر الواقعية من أجل بناء الدولة الشرعية والمجتمع المدني والنظام الديمقراطي الاجتماعي طيّ النسيان.
ومن الواضح بأن الانسداد يولد الانفجار، إذ لا يمكن بناء صداقة و شراكة حقيقية مع من يريد بناء نظام لا يريد الخروج من سجنه الطائفي و يرفع عناوين فاضحة، كالفساد الاداري و التشبيح الامني و الدجل السياسي والتهويم النضالي بمذهبية فاشية و شعوذة عقائدية.
ان حق تقرير المصير بما فيه الانفصال وتأسيس الدولة الكوردستانية حق مكفول انسانياً ودستورياً وتنويرياً و ماالسبب للهجوم علی الذين هذا الحق كشعار و هل الكلام عن الحق محرّمُ، أم يجب أن ينام شعب لقرون أخری و لا يستقظُ، لأنه‌ كما يقول شاعرنا معروف الرصافي مافاز إلا النّوَمُ؟ الكوردستانيون في عصرنا هذا يناضلون بطرق سلمية و سليمة من أجل الإعتراف الكامل بتاريخهم و جغرافيتهم و لا يبحثون عند النفاثات في العقد عن حل، بل يستخدمون منطق سقراط حين يقول، تكلم حتی أراك، باتقان لغة الحوار والتوسط والتداول والتبادل.
إن فكرة العراق الموحد، كما يعمل له‌ بعض المنظرين والسياسيين ليل نهار تنطلق من فكرة مسبقة مفادها أن دولة العراق، التي يريدون توحيدها كانت في الأساس كياناً واحداً، أما ما يُری فيها من الاختلاف و الانقسام والتعدد فهو شيء مصطنع زائف ينبغي إزالته بتحقيق الوحدة الضائعة. إن مثل هذا التصور ليس سوی إعتقاد، إنه ضرب من الاعتباط والتحكم و هو قفز فوق الوقائع، لم ينجم عنه سوی مزيد من التنابذ والفرقة.
من الأولی السير من الاختلاف الی الوحدة، لا العکس كما هو حاصل. و لعلنا لا نصل الی الوحدة، إلا إذا ادركنا بأننا ننتمي الی عالم ليس واحداً في حقيقته و أصله، أو علی الاقل في واقعه، بل هو عالم متعدد متنوع منقسم و متعارض. التسليم بهذه الحقيقة يمكن أن يفتح أمام الكيانات التي اتفقت علی الدستور إمكاناً نحو تحقيق الوحدة التي ليست سوی ممارستنا لاختلافاتنا بطريقة تجعلنا نتقارب و نتعاون و نتكامل.
وختاماً نقول لا يريد الشعب الكوردستاني أن يصب نضاله التاريخي في بحار العدم و يعيد تجربة الثائر الاسطوري كاوه الحداد، كما يصفه الشاعر البصري الكبير، سلام كاظم فرج (ولد عام 1951)، في إحدی تهويماته: …. آه ياكاوة الحداد.. حتام روافدك تصب في بحار فريدون؟؟