الرئيسية » مقالات » حكومة اغلبية سياسية اليوم تعني حكومة دكتاتورية طائفية

حكومة اغلبية سياسية اليوم تعني حكومة دكتاتورية طائفية

احدى اهم سمات النظام الديموقراطي هو شكل الحكومة التي تصل الى السلطة والتي عادة ما تعبر عن صوت الاغلبية التي تفرزها صناديق الاقتراع، وقد تكون هذه الاغلبية حزبا لوحده او تكتلا سياسيا من حزبين او اكثر يتشكل قبل الانتخابات لينافس في قائمة انتخابية واحدة، او بعد الانتخابات من خلال برنامج سياسي يتفق عليه لتشكيل الاغلبية التي تستطيع معها تلك الكتلة من نيل ثقة البرلمان وتشكيل الحكومة. وبالتالي فان الاحزاب التي تفشل في تشكيل الحكومة تقوم بدور المعارضة تحت قبة البرلمان، ولذا نرى ان البلدان التي تمتلك حكومة اغلبية منتخبة واقلية معارضة لها داخل البرلمان، تستطيع ان تفي بالكثير من برامجها السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي وعدت بها ناخبيها. وتلعب المعارضة دورها في تقييم ايجابيات الحكومة لتقديم افضل الخدمات للمواطنين، وتنتقد في الوقت ذاته الحكومة واجهزتها على السلبيات وتشير اليها، ليس من باب النقد من اجل النقد للتشهير والضغط، بل بممارسة النقد البناء والعمل على ايجاد الحلول الكفيلة بتجاوز المشاكل التي تعترض العملية السياسية – من اجل كسب رأي الناخب في انتخابات قادمة- لان الخلاف بين الاحزاب في البلدان الديموقراطية يكون على اساس خدمة المواطن وتحقيق مطالبه، وليس من اجل تازيم الوضع السياسي وما ينجم عنه من مشاكل على الصعد كافة كما هو حال العراق اليوم. بعد ان فشلت جميع الكتل السياسية المهيمنة على المشهد السياسي دون استثناء في ايجاد حلول للازمات المستفحلة التي يمر بها البلد بعد تحولها الى مصدرا لانتاج واستنساخ الازمات، هذه الازمات التي تهدد بكوارث اذا لم يتم اللجوء الى المنطق السياسي السليم في ايجاد حلول وسط كمرحلة اولى، على ان تتم مراجعة شاملة ونقدية لمجمل الوضع السياسي وتداعياته لاحقا. من اجل انهاء الصراعات الجانبية التي كلفت البلد لليوم سنوات ثمينة من عمره لبناء دولة مؤسسات حقيقية بعيدا عن نهج المحاصصة الذي اثبت فشله في بناء العراق.

هناك اليوم اصوات ترتفع من جهة حكومية متنفذة تطالب باللجوء الى خيار الاغلبية السياسية لحسم الموقف مما اشبه بالفراغ السياسي الذي يمر به البلد، بعد ان تطور الخلاف المذهبي الشيعي-السني الى خلاف اوسع وهو الخلاف العربي-الكردي، واللذين سيساهمان ان تطورا الى صراع يهدد الوحدة الوطنية غير المنسجمة اصلا، لعيوب الدستور العديدة وطريقة تفسيرها وعدم حيادية قضاة المحكمة الاتحادية لتأثرها بالصراع السياسي الموجود. هذا “الفراغ” الذي يدفع ثمنه المواطن من خلال معاناته اليومية في كافة مجالات الحياة، من خلال عدم توفر او بؤس الخدمات المقدمة اليه.

ان الاحتكام الى حكومة اغلبية سياسية في ظل هيمنة طائفية للعديد من مراكز القرار المهمة والمفصلية في البلد، وامتلاك المال السياسي واللجوء الى العشائر ورجال الدين في التأثير على مزاج الناخب الأمي وشبه الأمي، والهيمنة على الاعلام والصحافة لعدم اخذ دورهما الحقيقي وتجيير اعلام الدولة الى اعلام حزبي. وفي ظل وجود دستور لازال لليوم موضع خلاف بين القوى المتصارعة على كعكة السلطة، وعدم سن قانون احزاب عصري كما دول العالم الديموقراطية الاخرى والتي تمنع تشكيل احزاب على اساس ديني وطائفي. لايمكن ترجمتها الا انها تعبيد لطريق دكتاتورية طائفية، ان حكمت لوحدها في ظل الريع الهائل لاموال النفط وتحكّمها بالوزارات العسكرية والامنية فانها ستتحكم برقاب الناس لعقود كما المجرمون البعثيون.

ان التعكز على اغلبية طائفية عدديا دون الاخذ بنظر الاعتبار شكل الحراك والصراع الاجتماعي مستقبلا في تشكيل رأي عام ضاغط من اجل مصالحه الاجتماعية وكيفية تحقيقها، وتداخل هذه المصالح في اكثر من بيئة “مغلقة” مستقبلا في حالة نجاح السلطة في استتباب الامن وخلق فرص العمل للعاطلين واستيعاب الالاف من الخريجين والبدأ في مرحلة الاعمار، سيظهر هشاشة هذه الاحزاب وقصر نظرها في اللعب على وتر الطائفية المسؤول الاول عن ما يمر به العراق اليوم. ولحين وصول ذلك اليوم يكون العراق والعراقيين قد خسروا الكثير مما يمكن تجاوزه لو كانت هناك نية حقيقية من ساسة العراق الان، في تضييق شقة الخلاف والنظر الى العملية الديموقراطية كوحدة متكاملة والالتزام بتوفير ادوات تحقيقها بما يضمن مصالح كل العراقيين بغض النظر عن الدين والقومية والطائفة.


ان عدم توفير مستلزمات نظام ديموقراطي حقيقي من قبيل دستور لاتمييز فيه بين المواطنين وقانون احزاب وانتخابات ياخذ في نظر الاعتبار اوسع مشاركة سياسية باعتماد النسبية واعتبار العراق دائرة انتخابية واحدة وتشكيل مفوضية جديدة مستقلة للانتخابات بعيدة عن الهيمنة الحزبية والحكومية واحصاء سكاني. اضافة الى استخدام الارهاب السياسي كمطالبة طائفة معينة للتصويت لطائفتها من اجل عدم عودة الفاشية البعثية المكروهه شعبيا للسلطة ثانية على الرغم من وجود اعداد كبيرة من البعثيين في اكثر دهاليز الحكومة، وتأزيم الوضع السياسي باثارة الطائفية بين العراقيين قبل الانتخابات عن طريق تفجيرات مخطط لها مسبقا. ستجعل البلد دوما تحت رحمة قوى طائفية نست اهم مفردة في القاموس السياسي، وهو الوطن الذي اصبح اليوم رهنا لاجندة دول اقليمية كايران وتركيا والسعودية وقطر وغيرها.

عندما يدخل المقدس كمفردة في السياسة يفقد المقدس قدسيته لصالح السياسة وديماغوجيتها.

الدنمارك
11/5/2012