الرئيسية » مقالات » مطلوب عشـــــــــــــــائرياً…!

مطلوب عشـــــــــــــــائرياً…!

صور البؤس والفقر والتخلف والفوضى والفساد وسوء الأدارة تحتل مساحات واسعة من الشارع العراقي. ما خلفه النظام البعثي المجرم من آثار مدمرة في البنية التحتية للفرد والوطن مازالت شاخصة تحكي وجع الماضي بكل فصوله ومراحله، وما جاءت به القوات العدوة والصديقة والشقيقة والأنيقة من دمار وأعمار وعبث، وما قام ويقوم به بقايا البعث والأرهاب من جرائم قتل بشعة وتشريد وخراب، وما هدمه الجهلة والمفسدون من قيم ومشاعر حب وأخلاص للوطن والمواطن، أجتاحت كل جوانب الحياة في العراق الجديد… بصمات المجرمين والجهلة والفاسدين واللصوص وآثار جرائمهم وحماقاتهم مازالت تشوه وجه المدينة وشوارعها وأزقتها ومساكنها وتلوث هوائها وتسلبها صمتها وسكينتها في دورة صخب وضجيج مجنونة تتلاشى فيها صرخات المعذبين وأنين الثكالى والمحرومين. خرائب تأوي الملايين من الفقراء لم تمتد لها يد الأعمار منذ قرون وبقايا أبنية محطمة تتحدث عن أبشع صور العنف والأرهاب والهمجية ومشاريع بناء يتيمة مهجورة تشكي المفسدين الذين سرقوا الأموال المخصصة لبناءها وهربوا إلى دول الجوار التي لم تعر حق الجيرة أي أهتمام وتحولت إلى بؤر للفساد والأرهاب ومستنقعات نتنه تبتلع كل ما طاف وأنكشف من جيف في العراق. آلآف المتعبين من الشباب والنساء والشيوخ يسعون وراء لقمة العيش الملوثة بالخوف والعرق والتراب. أطفال لم يعرفوا طعم الطفولة مختنقين في بيوت وأزقة قتلت كل أحلامهم وأمانيهم الجميلة ومحت النضارة عن وجوههم. متسولون يجوبون المقاهي أو مطروحين في الطرقات يستجدون قليل من المال أو الخبز لعلهم يستردون شئ مما سرقه المفسدون واللصوص وتجار الأزمات والحروب وسماسرة العرض والأرض والدين والبطيخ والسياسة. أختناقات في الشوارع والتقاطعات ومواكب المسؤولين والمجرمين وحماياتهم وزحمة الشخصيات والتكسيات وحيرة المواطن مما يدور حوله مع هواجس دائمة ومستمرة بحدوث أنفجار في أية لحظة في مشهد صارخ يعبر بوضوح عن غياب تام للنظام والقانون. صروح كونكريتية عملاقة تحمي الحكومة وتترك مساحات شاسعة وواسعة ومطلقة من الحرية للأرهابيين والشرطة والجنود والمواطنين لممارسة لعبة الموت اليومية والأزلية التي تدار من خلف الترسانات الكونكريتية. دوائر متخمة بالفساد سلبت الحياء تماماً من وجوه العاملين فيها بعد أن نفخ السحت بطون مسؤوليها، بارعة في فن عرقلة المعاملات وتعقيدها بغية أمتصاص دماء المواطنين وسحب آخر ورقة نقدية من جيوبهم. جوامع وصوامع ومقرات أحزاب وجمعيات، فاقت بأعدادها مقرات الأمن والحزب في زمن المقبور صدام، لا هَّم لمعظمها سوى الكسب الحرام والسعي الحرام وتسويغ الحرام وتضليل الرأي العام والظفر بالغنائم والأنعام في ظل غياب شبه تام للثقافة والأدب والسينما والمسرح فرواد شارع المتنبي أقل بكثير من رواد سوق الغزل وأسواق الخرده والعتيق في الباب الشرقي وغيرها من الأسواق التي لاتعد ولاتحصى. بنوك وشركات ومحلات صرافة تعمل دون رقابة حقيقية على تبييض الأموال وتهريب العملة والأحتيال على بنوك الدولة، طبعاً بمساعدة موظفي الدولة هذا أذا صح تعبير “الدولة” على الوضع القائم، بعد أن كانت ومازال البعض منها يشكل مصادر مهمة لتمويل الأرهاب. أنقطاعات مستمرة للتيار الكهربائي تسلب راحة الناس وترهق أعصابهم وتعيد بهم الى زمن ما قبل الحضارة وأصوات المحولات الكهروضوضائية التي لا تترك لأحد فرصة التفكير والحديث بهدوء تثير نقمة الجميع وتذكرهم بالمليارات التي سرقت بأسم مشاريع أعادة الكهرباء والأعمار والخدمات والقضاء على الأرهاب. حَرّ قاتل كأنفاس جهنم وسقر التي لا تبقي ولا تذر وعواصف ترابية حمراء خانقة تحول السماء بلون الدم لتعلن عن سخط الله على المجرمين السابقين واللاحقين لما سفكوه من دماء طاهرة بريئة. مفسدون ومجرمون وأرهابيون وقتلة محترفون ممن تتلمذوا على يد البعث وصدام متوغلين في كل مفاصل الدولة والمجتمع بعد أن خلعوا ملابسهم الزيتونية وبدلوها بالعمائم والعباءات واللحى والبدلات الراقية والمسبحات والمحابس وبالتعاون والتضامن مع الكثيرين ممن سرقوا شرف المعارضة للنظام السابق وأستلموا مراكز مهمة في النظام الجديد مثلما سرقوا قوت العراقيين من مساعدات كانت تقدم لضحايا النظام واللاجئين في دول الجوار (بحذف حرف الألف) بعد أن أفتتحوا دكاكين متنوعة تتاجر بدماء العراقيين ومآسيهم التي سببها الطاغية.
في الحقيقة الصور المؤلمة كثيرة ولاتحصى لكن ما أثار أنتباهي وأنا أتجول في شوارع بغداد الجريحة هي عبارة “مطلوب عشائرياً” مكتوبة على بعض المحلات المغلقة والبيوت وبخط قبيح يدل على تخلف كاتبيها وقد كتبها البعض “مطلوب عشائرين” ليعبروا وبوضوح عن جهلهم وجاهليتهم وعدم معرفتهم حتى بحركة تنوين الفتح في الكتابة. القصص التي سمعتها عن هذه العبارة كثيرة ومعقدة ومؤلمة تشير كلها الى مدى التخلف والفوضى التي يعيشها العراقيون في غياب القانون وضعف الأجهزة الأمنية ومدى الظلم والحيف الذي تعاني منه قطاعات واسعة من أبناء الشعب وخصوصاً الحلقات الأضعف في هذا النظام المتخلف وهم النساء والأطفال والشيوخ والمثقفون الذين يرفضون تقبل هذه النزعات المريضة والمتخلفة خصوصاً أذا علمنا أن الموضوع قد خرج عن الأعراف والتقاليد العشائرية التي كانت سائدة قديماً وأخذت طابع تشكيل جماعات غريبة التكوين والمأرب على مجتمعنا همها أبتزاز الناس والسيطرة على شؤونهم بشتى طرق العنف والتهديد والوعيد وكل وسائل المكر والخداع والتلاعب بالألفاظ والعادات والتقاليد لترسيخ سلطات غير شرعية بغياب سلطة القانون والدولة متسترين بالنظم العشائرية السالفة. أحدى الحكايات التي شاءت الظروف أن أكون قريباً من بعض تفاصيلها هي قصة عائلة عراقية مكونه من أب وزوجته وبناته الثلاثة وأمه وأخته فقد شاء القدر أن يقتل الأب على يد شلة من الأوغاد والمنحرفين في وسط النهار وقد تسنى لبعض المارة من تشخيص أحدهم وأخبار الشرطة عن ذلك عن طريق مايسمى بالأخبار السري خوفاً على حياتهم وقد قامت الشرطة بأعتقال المجرم وأستدعاء أهل القتيل وهم مجموعة من النساء والأطفال البنات لأقامة الدعوى وبعد أكثر من عام أفرج عن المجرم بدفع الرشاوى وتدخل البعض من ذوي النفود من السياسيين وحال خروجه من التوقيف، الذي يعتبره العراقيين فندق ذو أربعة نجوم قياساً لمايقاسونه من نقص في الخدمات، قام بالهجوم مع بعض أفراد عصابته على العائلة المنكوبه وذلك بأطلاق وابل من الرصاص على الدار وعندما فكرت العائلة المكونة من النساء والأطفال بيع الدار والهروب من المنطقة خوفاً على حياة الباقين وخصوصاً الأطفال وأم القتيل المسنة والمعتلة بفقد أبنها فوجئوا بأن المجرم وعصابته كتوبوا على جدران منزلهم “مطلوب عشائرياً” ليحذروا الآخرين من شراء الدار وليبتزوا العائلة المغلوب على أمرها بالمال بالرغم من فاجعتهم بفقيدهم بدعوى أنهم كانوا سبباً في طول فترة توقيفهم بأقامة الدعوى وهناك الآلآف من القصص المماثلة وقد وصل تمادي هذه العصابات إلى مقاضاة رجال الشرطة عشائرياً في حال القاء القبض على الأرهابيين والمجرميين والمفسدين وتسليمهم للعدالة ناهيك عن قصص مقاضاة الأطباء والعاملين في المستشفيات عشائرياً في حالة وفاة المريض وملايين القصص عن أبتزاز الناس ومقاضاتهم عشائرياً حتى لأتفه الأسباب المختلقة.
وهكذا يقاضى العراقيين المساكين عشائرياً رغم ضحاياهم وهذا ليس غريباً على المشهد السياسي العام لما يجري في العراق. فها هو العراق يقاضى من جيرانه رغم ضحاياه وسرقة ونهب خيراته والعبث بها لعقود عديدة فالدول الجارة مازالت تقاضي العراق على جرائم وحماقات صدام وقد غابت عن ذاكرتهم الأرنبية الضعيفة ما قدموه من دعم لصدام تسبب في هلاك الملايين من العراقيين الأبرياء وهدر كامل ثرواتهم ولاشك أن القوى الأقليمية تفكر بنفس الأتجاه فيما دفعته من مليارات الدولارات للدفاع عن الطاغية ودعم الأرهاب وأفشال المشروع الديمقراطي في العراق وربما تفكر بمنطقها العشائري المتخلف والأعمى بالمطالبة بدماء أبناءهم العفنة التي تفجرت في شوارع ومدن العراق الجريح بدعوى المقاومة وقتلت ومزقت وشوهت ورملت ويتمت وشردت الملايين من العراقيين وحطمت الكثير من ممتلكاتهم ومازالت. وعلى نفس المنهج تصرح القوى الدولية التي أحتلت العراق بين الحين والآخر بأنها قد ضحت بالآلآف من جنودها في العراق ملوحين بحقوقهم مقابل ذلك متناسين ما أرتكبوه من أخطاء وفضائع وجرائم بحق العراق والعراقيين. ولا نعلم من سينصر العراق والعراقيين ويقاضي كل هؤلاء المجرمين من الداخل والخارج والذين أوغلوا في دماء العراقيين ونهبوا خيراتهم ودمروا حاضرهم ومستقبل أطفالهم؟؟؟ سيبقى هذا التساؤل قائماً وأنا بأنتظار من سيقاضيني عشائرياً على هذه المقالة!