الرئيسية » مقالات » رجوع الشيخ الى نزار قباني

رجوع الشيخ الى نزار قباني




ما منا أحد الا وقد خفق قلبه يوما بالحب للحب ،وما منا احد لم يسمع بنزار قباني الشاعر المتفرد في فنه ، وقد اخبرني شيخ ستيني يحمل شهادة دكتوراه في الرياضيات بان اعراض المراهقة تظهر عليه من فترة الى اخرى
لا سيما عندما تتلاقى نظراته صدفة مع صبية جميلة في باص او مقهى او سوق، وتزداد الاعراض حدة اذا ارتسمت ابتسامة خجولة على شفاهها، وانه يشتاق للعودة الى اشعار نزار قباني على غرار عودة الشيخ الى صباه وهو كتاب مشهور يتداوله عادة كبار السن ويحتوي على طرق تقويه الباه في زمن لم تكن الفياغرا معروفة فيه ويذكر ان شخصا مشاكسا اشترى حبة فياغرا واهداها الى جده ( اليائس تماما) حيث رفض اخذ الحبة باعتبار ان العطار ليس بمقدوره ان يصلح ما افسده الدهر ولان كل شئ قد انتهى وقد فات القطار وذهب الشباب الى غير رجعة ، فقال الحفيد لجده : تناول الحبة فان آتت اكلها فاعطني 50 ريالا على سبيل الهدية ، وفي صباح اليوم الثاني وجد مظروفا قرب سريره وفيه مئة ريال مع كلمة شكر فاراد ان يعيد الخمسين الزائدة الى جده فقال له باستحياء انها هدية من جدتك واذا عدتم عدنا .
فالنظرة الى الجمال لا تشيخ ابدا اعني الجمال بجميع اشكاله ، الازهار والوانها والسماء وصفاءها والنهر وانسيابه والشلال وهديره والعصافير وزقزقاتها (سقسقاتها) وغيرها من مظاهر الجمال ، وهل هناك شئ اجمل من المرأة بين هذه الاشياء الجميلة ، واذكر مرة صادفتني فتاة شابة جميلة تتقدم الي بغنج ودلال وتعلو شفاهها الوردية ابتسامة وردية مثلها ، فاعادتني في تلك اللحظات الى الصبا والشباب والمرح والمراهقة فهيجت فيّ المواجع وانستني امراض الشيخوخة والشيب والوقار ، وتذكرت قيلولة الوالدين في صيف المدينة اللاهب وخلو الشوارع والمقهى القريب واغاني ام كلثوم وفيروز، وخطرت على بالي ايضا قصة ذلك الشيخ الثمانيني الذي ماتت زوجته فذهب في اليوم الثالث بعد الوفاة الى سوق النخاسة واشترى له جارية يافعة قائلا : لا اريد ان القى الله عزبا ! وكم من شيخ مهيب أسرته ظبية أعني صبية بلحظها الفتاك وسهام نظراتها ، وهكذا هو القلب يظل بين الرجاء والتشبث بالسراب الذي تحول الان الى حقيقة ، وتذكرت قول الشاعر مصطفى جمال الدين واستحضرته جيدا لاقوله لها ان هي اقتربت مني : سيدتي
ماذا ارى عريش كرم ام مقل
ام زورقان سابحان في غدير من عسل
طافا بنا فصفق الحب وعربد الغزل
وجمرتان تسرجان الليل والبدر أفل.
ياالله ما هذا الذي يحدث لي فها انا اعود الى صبايّ مرة اخرى وافقد الوقار وكالتائه المحتار اقف بلا سلاح على خط النار ، وعليّ ان اختار بين الموت على صدرها ام بين دفاتر الاشعار ، لقد صرت كالبحّار الذي فقد البوصلة وصار يعاني الدوار بعد ان اضاع النهار في النهار ، ياستار ياستار أكاد افقد توازني وأنهار فلأستند قليلا على الجدار ياستار ياستار.
رحمك الله ايها السيد الحبوبي، هل حالك مثل حالي ام ان الذي دعاك الى قول الغزل امر آخر :
لست ادري وربما كنت ادري – اي ظبي عشقت من آل فهر
عاقدا للنطاق يعقد فيه ثقل اردافه بدقة خصر
ما بخديك من وميض سناء – ماء حسن يموج ام ومض جمر
قل لنا ايها البديع جمالا أ (بلندن) يوسف أم بمصر ؟
لاح كالشمس مشرقا وسقاني – من لماه السلاف من غير عصر
فتراني والسكر سكر هيام – اذ سقاني والخمر خمرة ثغر.
هاهي الحسناء ذات الملامح العربية مازالت تقبل نحوي ، يا الهي أعنّي على امري وارحم شدة ضري ، سأقول لها : لقد احببتك من اول نظرة وساهديك جميع دواوين نزار قباني والكثير الكثير من الاغاني والاماني والعطور والمناديل واهمس لها :
لي في محبتكم شهود اربع- وشهود كل قضية اثنان – خفقان قلبي واضطراب جوانحي – ونحول جسمي وانعقاد لساني.
لقد اقتربت البلوى ولم يبق بيني وبينها سوى البوح فقالت لي :عمو وين محطة اجورد رود فقلت : حوالي مئة متر نحو اليمين فردت : شكرا جزيلا عمو واستدارت نحو اليمين فاستدار معها شمالي ويميني وعقلي وقلبي وروحي وجوارحي وشيبي ووقاري وكل قصائد اشعاري ، ورمقت الغزال الرشيق حتى دخل المحطة واختفى عن الانظار ، فوجدت نفسي اردد قول الشريف الرضي : وتلفتت عيني فمذ خفيت عني الطلول تلفت القلب .
كل هذا الترقب واخره عمو ، عمو بعينج ، وساعد الله قلب اللاعب الراحل( عمو بابا) فالكل كان يناديه عمو.