الرئيسية » مقالات » التاسع من ايار والمؤتمر الوطني التاسع للحزب الشيوعي العراقي

التاسع من ايار والمؤتمر الوطني التاسع للحزب الشيوعي العراقي

انطلقت اعمال المؤتمر الوطني التاسع للحزب الشيوعي العراقي مساء الثلاثاء 8/5/2012 في العاصمة العراقية بغداد،في ظل التحديات الكبيرة والمتجددة التي تواجه شعبنا بحكم الأزمة العامة المستعصية التي تعاني منها بلادنا،على جميع الصعد..السياسية والاقتصادية والاجتماعية.وتتجلى الازمة الشاملة اليوم بأتساع التفاوت الشنيع بين الثروات المتراكمة العريضة للشيوخ والاغوات وكبار رجال الدين والائمة وآيات الله وكبار المقاولين والتجار وضباط الجيش وبين فقر الفلاحين وعامة الكادحين وذوي الدخل المحدود المدقع،وبارتفاع ارصدة رجال الدين الاكثر تطرفا مع مرور الزمن ونهوض اكثر العناصر الدينية المسلحة تشددا والتي تتبنى الخطاب الطائفي الموتور في لعب شد الحبل والتنافس حول الاصول المالية المحلية ذات العلاقة بالعقارات والنفط ،وبازدواجية النخب السياسية الفاعلة بين الادانة الروتينية للطائفية السياسية كون ذلك خط احمر والخطب الانشائية الفضفاضة الغامضة(القوة الانشائية في التعبير والنصية في التفسير) وبين انتزاع اكبر المغانم من التفاعلات والمعادلات الجارية على الارض،وبالاقرار المبطن للاحتلال الاميركي وحكومات ما بعد التاسع من نيسان بالولاءات دون الوطنية عبر الدستور الدائم وسلسلة من القوانين الوضعية،وبالعقلية التبريرية السائدة وشيوع مظاهر البراغماتية والميكافيلية،وبالجهود غير الدستورية التي تبذلها الطائفية السياسية بنخبها المتنفذة وحكومة بغداد للحيلولة دون نهوض المجتمع المدني عبر التدخلات غير المشروعة في شؤونه تارة وبالأبقاء على قرارات ومراسيم مجلس قيادة الثورة سئ الصيت تارة ثانية وبانتهاكات حقوق الانسان وقمع النشاطات الاحتجاجية تارة اخرى،وبالجهود غير الدستورية التي تبذلها الطائفية السياسية لأستيعاب واحتواء العمال والفلاحين والعمل على عزلهم وقتل كل ما يمكن ان يبعث امكانيات الانطلاق من عقال الاقطاع والعمامة الطائفية،وبمحاولات الخصخصة والارتماء في احضان الشركات الرأسمالية الكبرى والعودة بالعراق القهقرى واهمال قوانين الاصلاح الزراعي وتشريعات الحقوق النقابية العمالية،وبالارهاب الابيض والفساد المتعاظم،وبالوضع الأمني الرجراج!
في الفترة ما بين 31 آذار 1934 وانعقاد المؤتمر الوطني الخامس للحزب الشيوعي العراقي 1993،اي في مدة 70 عاما من النضال العنيد للحزب في سبيل وطن حر وشعب سعيد،خاض الحزب فترة اقل من عشرة سنوات فقط معتركات النضالين العلني وشبه العلني،وعقد الحزب 4 مؤتمرات وطنية،لكنه امتلك من الرصيد النضالي ما لم يمتلكه اي حزب سياسي آخر.وفي الفترة من 1993 الى 2012 اي فترة انطلاقة التجديد واعادة بناء الحزب عقد الحزب 5 مؤتمرات وطنية!في اجواء اكدت اصرار قيادة الحزب الشيوعي العراقي على المضي قدما في ديمومة العملية السياسية التي تتواصل في بلادنا منذ التاسع من نيسان 2003 وفي العمل العلني والنشاط الانتخابي.وهذا لا يعني بالطبع اهمال اساليب النضال السرية التي برع فيها الحزب واجاد طيلة اعوام خلت لأنه لم يكن نضال عصبة متآمرين كما اراد العدو الطبقي فربكتها!وبالتالي الشطب بجرة قلم على مبادئ اساسية في الحياة الداخلية التي تميزه،شئنا ام ابينا عن الاحزاب البورجوازية والبورجوازية الصغيرة!وتعريض كامل تاريخه الى الصدع،اي تقديمه على صحن شهي الى المخلوقات الرأسمالية المتوحشة والمتنامية في بلادنا،وهو ما لم تستطع اعتى الانظمة الدكتاتورية من تنفيذه!
لقد تأسس الحزب الشيوعي العراقي عام 1934 على نهج جمع بين النضال الوطني من اجل تحقيق تطلعات وآمال شعبنا بمكوناته جميعا،والنضال في سبيل مصالح الطبقة العاملة والفلاحين وعامة الكادحين من شغيلة الفكر واليد،من اجل تحقيق مطالبهم المشروعة.واكدت برامج الحزب استرشاده في كفاحه،وفي مجمل سياسته وتنظيمه ونشاطه،بالفكر الماركسي والتراث الاشتراكي العلمي،وسعيه الى تجسيد ذلك في ظروف العراق الملموسة بابداع،استنادا الى دراسة عميقة لواقع مجتمعنا المعاصر وما يشهده من تطورات في ميادينه كلها.ويناضل الحزب الشيوعي العراقي من اجل تكريس الطابع الوطني الديمقراطي للدولة الجديدة وفق سياساته الاقتصادية – الاجتماعية،وفي حقول الضمانات الاجتماعية والسياسة النقدية والمديونية الخارجية والتعويضات والاستثمار الأجنبي والقطاعات الاقتصادية والخدمية والاجتماعية وشؤون العمال والشغيلة والمرأة والشبيبة والطلبة وحقوق الطفل ومنظمات المجتمع المدني والجيش والقوات المسلحة وحقوق القوميات،وفي سبيل تأمين المنجزات التاريخية للشعب الكردي وتحقيق جميع حقوقه المشروعة وتطوير وتنمية تجربة كردستان الديمقراطية..الخ.
الحزب الشيوعي العراقي اقدم حزب سياسي وطني عراقي ما يزال يعمل في الساحة السياسية العراقية،والتجديد في كيان الحزب وآيديولوجيته وبرامجه لا يعني التخلي عن بوصلته الفكرية الاشتراكية العلمية ونهجها البحثي الجدلي..ويستند الحزب في طرح وثائقه للحوار العلني والمساجلات الشفافة على ان الجماهير هي صانعة التاريخ ومنفذة سنن المجتمع وبانية عالم الغد الوضاء،والانفتاح على الافق الديمقراطي الاوسع وتحقيق العدالة بكل ابعادها لابناء الشعب العراقي!وبالتالي لابد من زعزعة الدوغمائية وآلياتها التي يجر تفسيرها وفق المزاجية والاهواء والمصالح والارتياحات الشخصية،وحتى اللاابالية وعدم الشعور بالمسؤولية التي تسود الحياة الحزبية بسبب من الارهاق الداخلي الذي ولده القمع السياسي قبل وبعد عام 2003!
والحزب الشيوعي العراقي اذ يدرك حجم التركة الثقيلة التي ورثناها عن النظام السابق،لكن من حق المواطن ان يرى توجها واضحا وسياسة متكاملة مرسومة بدقة وعناية،تستفيد من الامكانيات والطاقات العراقية لرسم معالم الخروج من دائرة الازمات الخانقة المستفحلة،التي تحيط بالوطن والشعب،الى عتبة العيش الكريم والرفاه والاستقرار.وهذا ما لم يتلمسه طيلة حكم الطائفية السياسية الراهن،وهي مرحلة اتسمت بالخطابات الانشائية الضبابية النفعية الفارغة والوعود الطنانة او ما شاكل!،مثل ادعاء التمسك بمفاهيم التخطيط والتنمية والاعمار،وفي حقيقة الامر تكشف بوقاحة عن الغطرسة والجهل والقمع السياسي وازدياد الاعمال الارهابية والاغتيالات ومحاربة مشاريع العقل الاجتماعي والسياسي في المجتمع،والالحاح على اشاعة المحافظة في الحياة السياسية!
النتيجة كانت الابقاء على التركيب وحيد الجانب للاقتصاد الوطني والاستعجال غير المبرر في اتخاذ قرارات مصيرية دون التفكير بمستقبل الأجيال القادمة كاللهاث وراء العودة السريعة للاحتكارات النفطية العالمية العملاقة للسيطرة على النفط العراقي!الاستيراد التجاري المشوه او سياسة الباب المفتوح للاستيراد،تردي الخدمات العامة ليجر استخدامها للابتزاز والضغط على الشعب وامتصاص قوته وللضغط السايكولوجي على المواطنين لتجذير العبث واللامعقولية وتمزيق النسيج المنطقي للأحداث لتضيع في غموض الصدفة واللاوعي.
الذكرى 67 للتاسع من ايار 1945 ووضع الحرب العالمية الثانية اوزارها،لا تعني في العراق سوى اهمية وضرورة وحتمية فصل الدين عن الدولة،والحل الديمقراطي للقضايا العقدية الوطنية،وتحديث الوعي الاجتماعي بالوعي العقلاني العلمي القادر على مجابهة التحديات،ومضاعفة الوسائل العصرية التي تسهم في تحريك القناعات والقيم والمثل والمشاعر لدى المواطنين في اتجاهات التطور الديمقراطي،والربط السليم بين الديمقراطية السياسية والتنمية الاجتماعية والاقتصادية.وعلينا تجاوز الحماقات والرعونة التي تشوه التاريخ الوطني البطولي لشعوب المعمورة!ومنها الشعب العراقي الابي!والذكرى تنبهنا الى اهمية النموذج الوطني للديمقراطية والتعددية وتداول السلطات بالطرق السلمية واهمية المؤسساتية المدنية والنقابات والمنظمات غير الحكومية،والحذر من السقوط في شرك الكلانية وثقافات الخوف والشك بالمواطن!كما تنبهنا على اهمية النشاطات الاحتجاجية لابناء الشعب العراقي على الانتهاكات الدستورية الفاضحة للحكومة العراقية وسلطات الولاءات الضيقة،وتشبث المتنفذين بالمواقع وصراعهم على السلطة!ومحاولات حرمان الطبقة العاملة من حق اقامة تنظيماتها النقابية،وضمان اعادة الامانة الى الشعب”اعلان مجلس النواب عن عجزه والاقرار بحل نفسه،والتمهيد لاجراء انتخابات جديدة او مبكرة، بأية صيغة يجيزها القانون”.
الشيوعيون العراقيون لا يزالوا مصدر قلق جدي لاعداء الديمقراطية والتعددية والا ماذا نفسر هذا الكم العجيب من المقالات والخطب الجنجلوتية التي تهاجمهم علما ان الكثير منها كانت تشير الى ان المجتمع العراقي محافظ ومتدين والشيوعية لا تصلح في العراق وان الشيوعية انتهت باعدام الرفيق الخالد فهد،وانتهت بانقلاب شباط الاسود 1963،وبضربة معلم من البعث العراقي عام 1979،ثم انتهت مرة أخرى بضربة اسطة بنهاية الاتحاد السوفياتي،والحزب الشيوعي يفشل في الانتخابات بضربات المشعوذين والحرامية،ولم يحقق شئ يذكر.لماذا القلق اذن ولماذا هذا الهجوم المتواصل على الشيوعيين العراقيين الذي وصلت مدياته الى حرق واقتحام المقرات ومهاجمة صحيفته الغراء “طريق الشعب”واعتقال واغتيال اعضائه ومحاربة ناشطيه؟اذا كنا نريد للشيوعيين ان تتطابق ارائهم مع الفئات الحاكمة في العراق فما الفائدة من اسقاط نظام صدام،الم يكن احدى اهداف القوى الحاكمة الان في العراق هو اقامة مجتمع عراقي تعددي ديمقراطي!مجتمع تحترم فيه الحريات العامة،ام يا ترى حكامنا اليوم لا يعرفون معنى التعددية بعد تسلمهم زمام السلطات؟

بغداد
9/5/2012