الرئيسية » شؤون كوردستانية » ظاهرة العنف الاصولي في اقليم كوردستان و سياسة الحكومة

ظاهرة العنف الاصولي في اقليم كوردستان و سياسة الحكومة

يمكن اعتبار الهجوم الذي شن يوم الثامن من أيار علی مبنی المجلس الوطني الكوردستاني من قبل جماعات دينية مغلقة بإعلان حرب ضد مختلف التجليات المدنية و العلمانية و الديمقراطية القائمة، بهدف تحقيق استمرارية الصراع والعداء ضد المجتمع المدني وذلك من أجل بناء وتشكيل الهويات الدينية الأصولية. و يمکن القول بأن الجماعات الاسلامية المتزمتة تتنوع في اتجاهاتها و ايديولوجيتها و غاياتها، لكنها تبقی متفقة في أمر واحد، الا و هو إعلان الحرب ضد النزعة الإنسانية العلمانية بكل ما تنضوي عليه من قيم ديمقراطية وإنسانية. العنف عندها تصبح وسيلة لنشر افكارها بهدف الوصول الی تقديس الفكرة الذاتية وإلغاء الآخر وتوسيع دائرة الاقصاء حتى تشمل كل من يختلف. ومن أجل الانتصار علی الكفر يمكن للجماعات الاسلامية المتزمتة اباحة قتل العزل و تدمير كل شيء يحمل في طياته رموز الديمقراطية و القانون المدني. وما حملاتهم علی مبنی البرلمان و المطاعم الترفيهية و حانات المشروبات الروحية و إذاعات التلفاز و التهجم علی الشرطة تحت يافطة “الامر بالمعروف والنهي عن المنكڕ” إلا دليل علی عدم احترامهم أو قبولهم لقوانين سنت في البرلمان و أوامر أصدرت من قبل وزارة الداخلية ، إنهم يرون أنفسهم فوق القانون و لا يعترفون بالقضاء والجهات التنفيذية. أن التوكيد علی الهوية الدينية بشكل أعمی تؤدي في نهاية الأمر إلى تعزيز وتوسيع دائرة الكراهية والأحقاد العرقية والطائفية في المجتمع الكوردستاني.
من المعلوم بأن الأمية الدينية تشكل عاملاً حيوياً وبنيوياً في عملية تنامي وتصاعد العنف الديني، ولاسيما في وضعيات الضغط والتأزم.أنها نتاج مستمر لانخفاض كبير في مستوى التفكير النقدي وانخفاض مستوى الثقافة الدينية الحقيقية نفسها. و من الأهمية بمكان الإشارة إلى علی الحكومة العمل الجاد في سبيل تأهيل رجال الدين والعاملين في المؤسسات الدينية من علماء وفقهاء تأهيلا فكرياً وثقافياً جديداً للحد من العنف الديني في سياق الحداثة المتقدمة والعولمة الزاحفة.
العنف الذي شاهدناه كان يتشح بالطابع الرمزي، فقد تمّ توظيف الرمز كقوة ما فوق طبيعية للتأثير في عقائد واتجاهات المنتسبين إلى هذه الجماعات الدينية لدفعهم إلى ممارسة العنف ضد الآخر بمختلف الصيغ والأدوات الممكنة. و للأسف يستفيد المتطرفين بشكل جيد من وسائل الاتصال وتكنولوجيا المعلوماتية ويوظفون أدوات العولمة ذاتها في بث العنف ونشر ثقافة الخوف في كوردستان.
إن سياسة حكومة كوردستان واضحة، فهي مبنية علی احترام الدين وحرية المعتقد. والحكومة تسعی في سبيل زرع بذور المواطنة و تكّن باحترام لجميع الاديان والمذاهب داعماً التعايش السلمي بينهم. والبرلمان لا يشرّع أي قانون الا بعد اشراك جميع فئات الشعب في صنعه وهذا هو ركن من أركان الديمقراطية الدستورية. أما الجانب الآخر فتريد تطبيق الفتوى، الذي يفتی من قبل شخص واحد، كل مؤهلاته انه متخصص في الفقه، وهنا تكمن الخطورة وهو ان يكون مصير شعب وحكومة بيد ذات واحدة، وهي دكتاتورية وشمولية أخطر من توتاليتارية الحزب الواحد التي حكمت العراق نحو اربعة عقود.
القاسم المشترك و الجامع للشعب الكوردستاني يجب أن يكون الوطن والعلم و المنطق و التعامل علی أساس المواطنة بغض النظر عن الخلفية الدينية والمذهبية والقومية، حينها يمكننا أن نسير نحو السلام المجتمعي والتقدم المدني والرخاء الاقتصادي والتطور التكنولوجي.
في إقليم كوردستان هناك حق التظاهر و حرية التعبير عن الرأي وتنظيم المظاهرات والمسيرات السلمية مكفولة لكافة المواطنين وللأحزاب السياسية والمنظمات الجماهيرية والنقابات المهنية في إطار النهج الديمقراطي، شريطة أن لا تتعارض مع مسودة الدستور وأحكام قانون تنظيم المظاهرات والمسيرات والقوانين النافذة. ففي كافة الدول المتقدمة هناك قانون يلزم على كل من أراد تنظيم مظاهرة أو مسيرة تشكيل لجنة تقوم بتقديم بلاغ إلى الجهة المختصة قبل وقت لا يقل عن “72” ساعة من تاريخ بدء المظاهرة أو المسيرة، على أن يكون البلاغ مكتوباً ومحدداً فيه تاريخ وتوقيت بدء المظاهرة أو المسيرة ومكان تجمعها وانطلاقها وخط سيرها وإنهائها وذكر أهدافها وأسبابها وإرفاق الشعارات التي سترفع خلالها، على سبيل الإحاطة والعلم وأن يكون البلاغ موقعاً عليه من اللجنة وموضحاً فيها أسماء رئيس وأعضاء اللجنة ومهنهم وعناوينهم، وفي حالة أن تكون الجهة الداعية حزباً سياسياً أو منظمة جماهيرية أو نقابة مهنية فيجب أن يكون البلاغ موقعاً عليه من الممثل القانوني للحزب أو المنظمة أو النقابة وممهوراً بختمها، بالإضافة إلى أسماء وتوقيعات اللجنة، وللجهة المختصة التحقق من صحة ما جاء في البلاغ المقدم إليها. و من غير ذلك سوف تكون أية مظاهرة أو مسيرة يتم تنظيمها أو الدعوة لها دون إتباع الإجراءات القانونية، والحصول على الموافقات اللازمة تعد محظورة بموجب القانون وسيخضع المخالفون لذلك للمساءلة القانونية.
مشاهد العنف أثبتت بأن المخلين بالأمن العام والسكينة العام لم يكن هدفهم التظاهرة ضد مقال منشور في صحيفة محلية يقال بأنه أساء الی الدين الاسلامي الحنيف، بل أرادوا أن يثبتوا بأنهم وحدهم من دون سواهم يملكون الحلول أو قادرين علی تنفيذها، كونهم أصحاب الوصاية الحصرية علی القضايا والقيم والهويات.
وختاماً نقول: “العقائد و الفرائض والأحكام هي لخدمة الحيان والناس والمجتمعات. و أما الذي يتماهی مع فكرة و يتعبّد لها لكي يطد ما عداها، فأنه لا يفعل سوی أن يحفر أسساً للإرهاب في الذهن و العقل.”