الرئيسية » مقالات » سلاما ياعراق : وعلى الدنيا السلام

سلاما ياعراق : وعلى الدنيا السلام

مر أسبوع لم نر فيه خالد الشطري فغابت عنا أخباره. لم نسمع غير ان احدهم قد رآه في إحدى حانات شارع السعدون، ووصفه بانه كان “مبربع” ومعه رجل غريب. خمّنا ان الرجل هو الضابط العاشق وليس غيره. وذات عصرية كنا فيها عند “شريف وحداد” دخل علينا الضابط وعيونه تتطاير شررا ليسألنا: ما تعرفون وين خالد؟

علمنا علمك يا استاذ. جلس جانبا يدمدم مع نفسه ثم رحل من دون كلام.
بعد أقل من ساعة طل خالد مبتسما. “ها ولك وين خنبت بالريّال؟”، سأله جبار الغزي. قال له آخر: صاحبك كان هنا. رد: أدري. وما تخاف؟ لا. اشعجب؟ لأنهم نقلوه واليوم لازم يلتحق. طرق خالد على الطاولة فجاءه “البوي”. التفت الينا: يالله جددوا، فجددنا. وسؤال من هنا وآخر من هناك سرد علينا خالد ما حدث له مع العسكري العاشق:
لأني اعرف بأنكم لن تتركوني بسلام قررت ان لا التقيه بالصالحية ولا بأي مكان قريب فاخترت ان انفرد به بأحد بارات شارع السعدون، فاخترت البار الذي يقع خلف سينما النصر. وهناك أقنعته بان الشعر مثل النوم ان حاولت استجلابه قسرا سيأبى الانصياع لك. لذا لا بد من إغراء “وحي” الشعر كي يهبط تلقائيا. سألني: وكيف تغريه مثلا؟ أجبته: بالروية والتأمل واختيار الكأس المناسبة يا صديقي. وهكذا على مدى ثلاثة أيام كان الرجل لا يبخل علي بأرقى انواع المشروبات. الاجنبية طبعا. في اليوم الثالث اخبرته بأن “الوحي” قد هبط فتناوشت قلمي، لاكتب بعد ان سألته: وما هو اسم حبيبتكم المحروسة؟ قال لي: هيام. فكتبت مطلع القصيدة:
يا هيامٌ يا هيام يمته نركب بالطرام
سألني الضابط باستغراب: طرام؟ شنو يعني؟ اجبته ارجوك لا تقاطعني فالطرام هو مركب الحب والغرام. وبما انك قاطعتني ساحتاج لثلاثة ايام أخرى لا ستجلاب “وحي” الشعر ثانية. اخبرني أمس وقد اثلج صدري بان امرا صدر بنقله للشمال. اجمل خبر سمعته منه. قلت له لا تقلق فستكون القصيدة جاهزة مع ظهر الغد وقبل سفرك، اي اليوم. وفعلا التقينا اليوم فطلبت نصف بطل ويسكي فاحضره على الفور. ثم طلبت منه ان يأتي “بمسقول”، لاني سمعت ان ابناء الطبقات الراقية يشربون الويسكي مع “المسقول”، فجاءني به.
رجوته ان لا يقاطعني بعد هذه المرة، فامتثل. مرت ببالي فكرة الهرب خاصة وانه راحل مساء اليوم ليلتحق بمكانه الجديد. وضعت الورقة أمامي ومسكت بالقلم الذي اشتراه لي وفكرت جديا بإنهاء القصيدة. كنت بين حين وآخر التفت له وابتسم موحيا بانها ستكون قصيدة “عصماء”. في تلك اللحظة نهض صاحبي واشر لي بانه ذاهب للحمام كي “يريق المائية”. اغتنمتها فرصة فكتبت البيت الثاني لتصبح القصيدة من بيتين وكالآتي:
يا هيامٌ يا هيام يمته نركب بالطرام
انتِ أغلى الناس عندي وعلى الدنيا السلام
تركت الورقة على طاولته ولملمت اوراقي ووضعت ما تبقى من نصف زجاجة الويسكي بحقيبتي، ثم شردت منه أتلبد بين درابين البتاويين. وابوكم الله يرحمه. بصحتكم.