الرئيسية » مقالات » سلاما ياعراق : الشعراء يتبعهم العاشقون

سلاما ياعراق : الشعراء يتبعهم العاشقون

كانت سوق الشعراء الشعبيين في منتصف السبعينيات رائجة عند العشاق. كان العراقي حين يحب، يسعى جاهدا للبحث عن شاعر يلتصق به. وان لم يجد شاعرا، سيبحث في الثانوية أو الكلية التي يدرس بها عن “مثقف” او أديب يجيد على الأقل كتابة رسائل الحب. لذا لو سألت اياً من الشعراء او الكتاب من جيلنا سيروي لك حكايات كثيرة عن الرسائل التي كتبها للعاشقين كي يبعثوا بها لحبيباتهم.

كانت منطقة الصالحية، حيث مبنى الإذاعة، محطة يلتقي فيها اغلب الشعراء الشعبيين خاصة من كتاب الأغاني. وهناك تجد جمعا من العشاق بانتظارهم في احد المقاهي المحيطة بالإذاعة أو بأحد البارات، خاصة بار سميرا ميس. عشاق يبحثون عن قصيدة خاصة للحبيبة او بيت من الدارمي او رسالة يكتبها شاعر طبقا لمواصفات او أحداث يبوح بها العاشق. والعلاقة الجيدة بالعشاق لا يجيدها كل الشعراء. وقد اشتهر في هذا الميدان شعراء مختصون في مقدمتهم جودت التميمي وخالد الشطري وزامل سعيد فتاح وجبار الغزي. كان جودت لا يبخل على عاشق مغمور بان يكتب له أغنية يقدمها باسمه لدار الإذاعة فيشتهر العاشق عند اهل منطقته فتفتخر به الحبيبة. وقد يكون ذلك سببا في موافقة اهلها على الزواج منه.
حكايات كثيرة لا تعد تمر ببالي وانا اكتب هذه السطور. وان كنت قد نسيت بعضها فلا يمكن ان انسى قصة خالد الشطري مع العاشق الضابط الذي دخل فجأة لبار سميراميس يبحث عن شاعر فصحى وليس شعبي. السبب ان حبيبته تحب الفصحى والضابط ورط نفسه اذ قال لها انه شاعر. لذا هو بحاجة لمن ينقذه بقصيدة يقدمها لحبيبته كدليل على شاعريته. لم يكن هناك من شعراء الفصحى غير الشطري الذي كان جالسا بين جمع من الشعراء الشعبيين. نهض خالد لينفرد بـ “الزبون” الجديد فتبدل العرق بالويسكي وصارت المزات من نوع آخر. تحسر جبار الغزي وتصاعد فيه الحسد فلم يجد غير ان “يصجم” خالد: “رزق البزازين على المعثرات”. لم يتقبلها خالد منه وخاف ان لا تغضب “تصجيمة” جبار الضابط فيخسر الصفقة ويعود لبؤسه اليومي. ومن جانب آخر بدأ زامل يشحن خالد: “ها شو سكتت الططوة؟”. أنتفض خالد فتقدم نحو جبار غاضبا ليرد عليه بالفصحى: “اسمع ولك ايها المتخلف. ان الذي معي ليس “معثرا” بل هو ضابط يستطيع ان يفقأ عينك. وانا لست قطة، إنما أنا الشاعر خالد الشطري المشرف اللغوي في إذاعة صوت الجماهير، فمن أنت؟”.
لا أدري اي خبيث “جابه ابزيج” خفيف. لكنه، على الأغلب، كان زامل سعيد فتاح. وخالد يصعب عليه الرد على زامل لأسباب يطول ذكرها. من بينها، كما يقول خالد، انه خاله.
عاد خالد للضابط العاشق وطلب منه ان يأمر “البوي” كي يلف ما تبقى ببطل الويسكي ليرحلا الى بار آخر بعيد عن هؤلاء “المتخلفين”. وفعلا خرج الاثنان بسرعة صوب الجسر نحو “ذاك الصوب” حيث “شريف وحداد” او “جبهة النهر”.
غدا أكمل الحكاية.