الرئيسية » مقالات » دول العالم الثالث وتوصيفاتها اليوم!

دول العالم الثالث وتوصيفاتها اليوم!

ان التأريخ العربي وفقا لرؤيتنا ومفاهيمنا العامة يختزل في القدسية المكانية والزمانية للذاكرة الجمعية ،التي تخزن انتصارات الوقائع التأريخية الموغلة في القدم ورموزها من القادة الميدانيين، وتماهت الشعوب العربية مع هذه القدسيات الى يومنا هذا ! وتحفظ ذاكرتنا الجمعية أيضا أسماء لامعة لعلماء عرب في مجالات العلوم والطب والهندسة، واصابتنا هذه التوصيفات بالخيلاء والمبالغة في التفاضل والتفاخر، من دون أي تطبيقات على أرض الواقع بالمقارنة مع ما تتحقق من انتصارات جيوش العسكر الغازية لبلداننا، والتطورالهائل الذي يحصل باستمرار في مفاصل الميادين العلمية العالمية ،اذ نقف جميعا مذهولين ازاءها تأخذنا الحيرة والندم، ولم يسعفنا في ذلك اجترار حضارات الأقوام الأخر من سكان الأرض العربية منذ أزمنة غابرة.
وقد تسبب هذا الاعتلال بالشخصية بخسارة الكثيرمن الجهود، مراحل متعاقبة من التطور في بناء المدنية بشكل حضاري في بلداننا التي مازالت تعاني الفوضوية في الحياة الاجتماعية ،السياسية ،الاقتصادية، ناهيك عن حالات عدم الانسجام، التقبل ،الاندماج، في الثقافات الحضارية للأمم الأكثر رقيا التي تركت قطاراتنا المتعثرة على عتبات سكك الجهل والصراعات الخائبة التي تعيدنا الى الماضي السحيق، وتجلى ذلك في أدبياتنا وسلوكياتنا اليومية، وقد تسبب ذلك في فقدان التوازن في الرؤية السديدة الى الواقع الاجتماعي، التأريخي، التنوع الأثني، الحاضر المتخلف، الجهل بالعلوم الحديثة والتكنولوجية المعاصرة ، ثرواتنا البشرية، الطبيعية، سبل الافادة من تجارب الآخرين، ويخال الينا ان تلك التجارب منافية مع شرائعنا المقدسة، وتدخل في باب الكفر والالحاد ! وقبل الولوج في تفاصيل تجارب الآخرين من شعوب الأرض، كان من الأهمية بمكان البحث عن الأسباب والمسببات التي أدت الى صناعة مجتمعاتنا ذات تراكيب هشة، غير متجانسة في أفكارها، مبادئها، معتقداتها، قضاياها، أهدافها، وهي متأهبة دائما للجدال المديد والتأويل المفرط والاجتهاد المطلق، وهي ممارسات غيرمجدية في حقيقة الأمر، كونها رافضة للحلول السلمية، تقبل الآخرين، وعند البحث السوسيولوجي عن هذه العقبات التي تعترض سبل التطور الاجتماعي الذي يعد الأساس في بناء اللبنات الأول في رسم المناهج العلمية وتطبيقاتها صوب النهضة القيمية الاجتماعية، نرى بوضوح أن هذه المجتمعات رافضة للشروع بالخطوة الأولى على مسارالمنظومات والتراكيب الثقافية الجديدة، وهو أمر في غاية الصعوبة والتعقيد، يتطلب من الجهات المعنية دراسات وبحوثا سايكولوجية وانثروبولوجية ميدانية من قبل المعنيين بهذا الميدان! للتوصل الى حلول ناجعة لهذه المعضلات المعرقلة لسبل النقلات النوعية والكمية، كما أن البحث في هذا المجال يحمل وجهين مرادفين، الوجه الأول هو نتاج موروث بيئة صحراوية قاحلة، تسببت في انحسار فرص العمل، ديمومة الفقرالمدقع ! وكانت البيئة المذكورة سببا رئيسا في تباعد التجمعات السكنية بحثا عن ضمان الخبز الذي مازلنا نعيش عبوديته المستدامة ! كما ان هذا التوزيع الديموغرافي، لم ينجح في تكوين مجتمعات ذات وشائج وأواصركفيلة بانشاء ونموعلاقات وصداقات حميمة تراعى فيها المصالح المشتركة بين هذه القبائل! وبعد الهجرة الجماعية القسرية الى المساحات المجاورة للجزيرة، باتت القبائل ملتصقة بموروثها الاجتماعي، الضغائن القبلية، التعصب الديني، التقاليد البالية، التمسك بالأعراف التي كانت صالحة ربما لتلك البيئة المختلفة كليا مع قيم المدينة وثقافتها، وأدى هذا التكلس في أطر المفاهيم القديمة، الى نشوء قوى طاردة للثقافات الجديدة، ورفض كل ما هو مخالف للعرف الاجتماعي السائد، ما أدى الى النكوص في أفق المعرفة، الثقافة ، التواصل مع التطور الحاصل في العالم المتحضر، وكان هذا سببا مباشرا في استمرار التخلف عن هذا العالم بأشواط كبيرة، قد يزيداللحاق بركب الأمم المتطورة صعوبة وتعقيدا ! هذا من جانب، وعند البحث عن الوجه المرادف الآخر الذي لايقل شأنا وتأثيرا على كل ما ذكرناه بالشأن الاجتماعي، الا هو دور الحكومات العربية في استثمار الطاقات البشرية والطبيعية، تسخير ثروات البلدان بشكل سليم وهادف لخدمة مجتمعاتها التي عانت وماتزال من جورالحكام وظلمهم، اللذين بددوا ثروات هذه البلدان لأغراضهم الشخصية ومصالحهم ! مستغلين المناصب والمواقع العليا في جمع المال والمقتنيات بشكل هستيري تحت شعار (خذ الجمل بما حمل)، وانتهاز السلطة وعدّها غنيمة قد لاتتكر مرة أخرى ! وكان من الجدير بالاشارة هنا الى بعض الدول التي تتشابه مع ظروفنا العامة، ولكنها تمكنت من تجاوزعالمها المتخلف والانتقال الى مراتب متطورة من الجوانب الاجتماعية ،الاقتصادية، العلمية وفق تخطيط ناجح وستراتيجية علمية وموضوعية، وحدث هذا في العديد من الدول الآسيوية قبل سنين معدودات، ودول أخر في أميركا اللاتينية، حيث انسلخت من الحالة الاقتصادية البائسة، التخلف العلمي، الاجتماعي وتسلقت سلم التطور الزراعي، الصناعي، التجاري صوب الرخاء الاجتماعي ،الرفاهية، الانتعاش الاقتصادي، فيكفي شعوب هذه البلدان النامية فخرا واعتزازا بالعقول، الجهود، المساعي التي كانت وراء هذه القفزات الموضوعية الى عالم النهضة الشاملة، والالتحاق بصفوف العالم المتطور في سباق مع الزمن، الذي لايعني في بلداننا أي ثمن يذكر، سوى العودة به الى الوراء والبكاءعلى الأطلال والوقائع التأريخية ، ولعلي تناولت مقارنة ذات جدوى لدول العالم الثالث .