الرئيسية » بيستون » مروي.. محلة لفصول الحياة الاربعة

مروي.. محلة لفصول الحياة الاربعة

في خريف عام 1980 وفي ظل اجواء باردة اجبرتنا على احكام ازرار سترنا، كنت أتمشى على مهل وروية مع صديق يكبرني حفنة من السنين عمرا في شارع ناصر خسرو وسط العاصمة الايرانية طهران، هو دعاني لتناول (الگص) و(الفلافل)، ولم اكن حينها، وانا في اول الشباب، قد ذقت طعم هذه الأكلات؛ بل لم اسمع بها قط، وكان يقول ان هذه (سندويتشات) معروفة في بلدنا.
كنا نتمشى من شمال شارع ناصر خسرو نحو جنوبه، أهوى صاحبي بيده اليسرى صوب محلة مكتظة بشكل غير طبيعي وغير مألوف وقال: تفضل هذه هي محلة مروي، وقال إن اغلب الكسبة فيها هم من الكورد الفيليين.. كنت وما زلت على يقين اني اذا كنت قد سمعت بالكورد الفيليين فلأن البارزانيين كانوا حينها يطلقون على مواليدهم هذا الاسم محبة للفيليين.. بعدها واثر تعرفي اكثر عليهم؛ علمت ان هذه المحبة تعود الى الاحترام والاعتراف بالفضل الذي كان بارزاني العظيم يكنه لهم.

كانت هذه بداية تعرفي على الكورد الفيليين؛ والمرة الاولى التي تطرق سمعي هذه اللهجة..وعندما كنا نمر امام اي محل او دكان ويستدلون بسيمائنا الكوردية، كانوا يسمعوننا جملة (فرموو باوگه چى أخوازن) بلهجتهم الفيلية اي (تفضلو يابة شرايدين).

كانت محلة مروي التي أطلق الفرس عليها محلة العرب، اصبحت محطة فاعلة مليئة بالحراك الاقتصادي والسياسي والثقافي لجميع أنصار المعارضة العراقية بكوردها وعربها بدينييها ووطنييها؛ كان المكان بالفعل محط التقاء كل الاراء والافكار والاتجاهات السياسية، عدا ذلك كان 90% من العراقيين الذين كانوا يرومون اللجوء الى الخارج، ينطلقون منها؛ بعد تسهيل مهمتهم بشكل من الاشكال وتزويدهم بوثائق السفر، اي بمعنى اخر صارت هذه المحلة (مكتبا) لجميع السفارات بشكل غير رسمي وخفي؛ واستطيع القول ان عدد هذه الوثائق التي أُصدرت هنا يفوق ما أصدرته وزارة الداخلية العراقية في كل تاريخها، لهؤلاء الذين حرموا منها في بلادهم.

ومن العجب العجاب أنه، في مقطعين زمنيين ومكانين مختلفين، يكون الكورد الفيليون اصحاب الدور الرئيس في جمع والتقاء كل المكونات العراقية، سواء، حينها في بغداد في شارع الكفاح وباب الشيخ وضواحيها التي كان جميع المفكرين والمثقفين والسياسيين والتحرريين يقصدونها ويتم ايواؤهم بشكل من الاشكال، والآن في طهران وفي محلة ضيقة لا يزيد طولها عن عدة مئات من الامتار يعيد التاريخ نفسه.. مروي كانت أشهر مركز لكي تعثر على معارفك، قال صديق لي: صحيح ان الكورد الفيليين ضيّعوا أنفسهم الى حد ما؛ ولكنهم كانوا دوما سبب عثور الناس الآخرين على بعضهم..على أية حال، كان هناك أشخاص يستمرون بالحياة في الوقت الذي كان نصف اجسادهم لا تزال تئن بعد خلاصهم من احواض التيزاب وحبال المشانق وحقول الالغام على الحدود وعادوا للاشتعال والتوهج هنا في مروي.

في حين كنت قادما الى هنا لتناول (الگص والفلافل) كان صاحبي يبحث عن فرصة ووثيقة للسفر الى الخارج، كان مبعث استغرابي ان تصبح وجبة طعام في عاصمة غريبة سببا في ولوجك الى قلب بقعة مألوفة مليئة بأناس من جذور ودماء مألوفة، وبعد هذا التاريخ كانت عاطفة ما وقوة مجهولة تجذبني الى مروي بشكل لاارادي. كنت افكر مرارا مع تناول (لفات الفلافل) في قدرة قومية وامة بقيت جذورها في ارض محروقة مزروعة بالموت على تفتح براعمها وفروعها واوراقها على ارض غريبة وغير مألوفة من جديد؟ ما الحكمة والفلسفة التي تجبرك على ان تكون غريبا في ارضك وبيتك المألوف، ولكنك تجد نفسك في بيت وارض اجنبية؛ هنا فهمت ان الكورد شعب قوي الشكيمة ولا تهزمه الحياة بسهولة، ولكن الفيلي الذي لا يملك القدرة على ان تكون له خطوة حرة يرغب فيها، يقوم بنفسه بكتابة قصة اعادة بناء المستقبل على جثمان الماضي.

مع مرور الاشهر والسنين، كان الكبار ينقلون ذكريات ماضي العشيرة والموطن وشارع الكفاح وجميلة وباب الشيخ معهم الى القبر ومن الطبيعي ان الذين لم يعيشوا في موطن الاباء والاجداد، ينسون تلك الذكريات المرتبطة بالارض والوطن شيئا فشيئا.

هذه الحياة المليئة بالصعاب لساكني مروي استمرت حتى ربيع 2003 ذلك الربيع الذي انعش آمال الجميع، الفيليون توجهوا يحدوهم الامل نحو موطن الاباء، نحو البيوت المغتصبة والارض المحروقة والحياة السليبة وانتظروا يدا مألوفة تمتد اليهم، فاليوم هو يومنا؛ لكن سرعان ما واجهوا حقيقة ان استعادة حقوقهم السليبة ليست بهذه السهولة.. صحيح انه يجب هنا،على هذه الارض وهذه البيئة معالجة تاريخ مليء بالكوارث والحوادث التي حلت بقسم كبير من هذه القومية؛ الا ان ذلك لا يتم من دون موقف حاسم.. فمازالت اموال وثروات الكورد الفيليين منتهبة ومغتصبة؛ وشركاؤنا في الدين مازالوا على عهدنا التاريخي بهم، يعدّون بيوتنا غنيمة ويعدّون صلواتهم التي تقام في تلك البيوت المغتصبة والاراضي والثروات المنهوبة صحيحة وشرعية، وهي حلال لهم، ولكن ليس بحكم الدين والشريعة؛ بل بحكم البعث والعروبة.

ان ثقافتنا ولغتنا وهويتنا لا تزال تنتهب وتتم ازالتها، في وقت يعد الحكام الجدد هذا الامر صحيحا وشرعيا وفق مناهج ومباديء الماضي ويستمرون فيه بإطار قداسة اللغة العربية، وبهذا يمكن الا يجد الكورد الفيليون سبيلا او اختيارا سوى ادامة الكفاح والتصدي مرة اخرى.

ان الطاقة الانسانية التي تم الحفاظ عليها بالدم والعرق في مروي يجب ان تثمر عن توسع فضاءات الحياة والبقاء والحقوق هنا في بغداد وشرقي دجلة.. الان وقد عادت الفروع الى جذورها واصولها، من المهم ان يفكر العلماء والمثقفون والقوميون الكورد الفيليون بشكل جدي في تجميع وضم ابنائهم حول محور وطني ويصالحوا ويعرفوا شبابهم على قوميتهم وثقافتهم.. ان العمل والواجب الصعب والأساس الذي يواجه الكورد الفيليين، يحتاج، الى جانب النضال والكفاح من اجل استرداد الحقوق، الاتحاد والتجمع، ليكونا لهم سندا، في ضوء وخطوات تنمية ترسيخ واحياء اللغة والثقافة والتراث الفيلي في هذا المجتمع, فالفكر القومي واحياء اللغة والثقافة هي الطريق الوحيد للتعرف على الذات الذي يحقق الاتحاد. وواضح جدا انه من دون الاتحاد ووحدة الموقف فان استعادة الحقوق المغتصبة وتأمين مستقبل زاهر وانساني للأجيال سيصبح أمرا مستحيلا.

والكورد الفيليون بحكم موقعهم الجغرافي وانتشارهم في المناطق ذات الاغلبية العربية، لا يقبل واقعهم التقسيم والتشرذم على هذه الاجندة او تلك الايديولوجيا والمنهج الاخر؛ فالكورد بالاصل والانتساب في رأي ونظر الاخرين كورد وسيبقون كوردا ابدا، وان كانوا من اتباع هذا الدين او ذلك المذهب.

وهكذا نجد ان الاقباط بعد تلك السنوات الطويلة من الصمت والضياع يطالبون بحقوقهم القومية والثقافية، والامازيغيين والطوارق في (مالي) بنفس الطريقة ظهروا على الملأ.. وهذا يعني أن الدين للآخرة، والحقوق القومية تضمن السعادة والرفعة والاحترام للانسان في هذا العالم.

باعتقادي ان حياة الكفاف في محلة مروي في طهران، حفظت حياة اليوم؛ واليوم يجب ان نبني عليه مستقبلا لاجيالنا، وسط كل هذه المؤامرات والمساعي الشريرة التي تبذل لاجهاض قضايا الكورد الفيليين؛ لذلك فإن طريق الفكر القومي هو الخيار الأصح، فدروس حياتنا وعيشنا مع القوميات المسيطرة تذكرنا بانه لم يكن مهما عندهم ابدا في اية صفوف نصلي نحن وهل نسبل ايدينا اثناءها ام نتكتف؟ وهل نعيش في هذا الجانب من جبال حمرين أو في الجانب الاخر منها ؟ فبالنسبة لهم، الذين كانوا من فرط التشرذم والوحدة قاموا التحالف مع القبائل العربية بما يسمونه (جرش) لعشرات السنين، يبقون كوردا ما دامت تجري في عروقهم دماء تحتوى على جينات كوردية.

فلننظر بشيء من الانتباه والحذر الى هذه العلائم والاشارات، ولنتذكر ماذا حصل لنا تحت نير السلطة البعثية العربية؟ والآن وفي ظل السلطة الدينية العربية العراقية الجديدة ماذا يحصل لنا ايضا؟

ان التهديدات بالطرد من المدن وغنيمة الدور والمساكن، لا تفرّق بين الكورد سواء أكانوا في صف هؤلاء المصلين أو في الصف الاخر، وسواء كانوا في هذا الجانب من حمرين أو في الجانب الاخر.

ترجمها عن الكوردية: ماجد السوره ميري
shafaaq