الرئيسية » مقالات » الحرية للأكاديمي الدكتور محمد طاقة!

الحرية للأكاديمي الدكتور محمد طاقة!

التهديد الذي يتعرض له الاكاديميون واعضاء الهيئات التدريسية والعلماء والاطباء في بلادنا هو تهديد لديمومة المجتمع وتطوره!ويبدو ان تصفيتهم وتعرضهم الى المضايقات والتهديدات بالقتل والاعتقال والمضايقات اليومية حتى الفصل العشائري وترويعهم،جار على قدم وساق!ومرة أخرى يتورط مكتب رئيس الوزراء نوري المالكي بالاعتقالات الكيفية،حيث قامت قوة خاصة مرتبطة به يوم 2/5/2012 باقتحام “كلية بغداد للعلوم الاقتصادية الجامعة” في بغداد واعتقال عميدها وسط ذهول الأساتذة والطلبة والموظفين.
وتأتي عملية الاعتقال التي جرت امام الملأ في وسط النهار بعد سلسلة من اعمال قتل الاكاديميين،لم يكن آخرها اغتيال الدكتورة انتصار حسن التويجري مديرة مستشفى العلوية للولادة في منطقة الكرادة في بغداد والبروفيسور الصيدلاني محمد علي الدين في الكوت و د.محمد حسن العلوان عميد كلية الطب في الجامعة المستنصرية و د. زيد عبد المنعم علي الاخصائي في المركز العراقي لبحوث السرطان،والعلامة د. طه السرحان…وبعد سلسلة من قرارات الأحالة على التقاعد لعدد غير قليل من اساتذة الجامعات صادق عليها الوزير الحالي للتعليم العالي علي الاديب وبتوجيه منه،في محاولة لتكريس النشاط السياسي الديني والطائفي داخل الجامعات،وللتستر على الفساد الاكاديمي نتاج تفوق قيم الجشع والتطرف والتخلف والخرافة على قيم النزاهة والتنوير والحداثة والعقل!
كانت جلية،سرعة تنفيذ القرارات اللامدروسة في احالة التدريسيين الجامعيين(مدرس واستاذ مساعد واستاذ)الى التقاعد من قبل رئاسة بعض الجامعات وعمادات الكليات،وباعداد لا تصدق ضمت خيرة التدريسيين المعروفين بالنزاهة والجد والوفاء للوطن والحاصلين على شهاداتهم من ارقى الجامعات الغربية والشرقية والاوربية ومن جامعات امريكا وغيرها!ان اكثر الذين احيلوا الى التقاعد هم من الذين لم يتركوا الوطن وفضلوا بيع ما يملكون لمواجهة الحصار الظالم،وهم الذين واجهوا الارهاب وهجروا من بيوتهم بعد ان سيطر الارهابيون عليها بكل ما فيها من اثاث وسيارات،بالاضافة الى تعرض اولادهم للخطف ودفع فدية الافراج عنهم!
القيم الأكاديمية داخل اسوار الجامعة تستمد طاقتها من قيم التحضر في ثنايا المجتمع واهدافه الاجتماعية الكبرى!واشكالية العلاقة بين الاكاديمي والسلطات تعزى لها كل عوامل التخلف والتدهور والفساد الاكاديمي المستشري في الجامعة العراقية اليوم!والاكاديمي العراقي موزع بين انكفائين:العجز الموروث من الحقبة الصدامية واستمرار عوامل التغريب والتهميش في المجتمع،والرعب الذي اكتسبه نتيجة عمليات الاغتيال والخطف والكواتم التي يتعرض لها الاكاديميون لأسباب فكرية و طائفية وشخصية انتقامية غير معلنة.والنشاط السياسية الديني داخل الحرم الجامعي يغرب الاكاديمي وينتهك استقلاليته ويبتزه فكريا باستخدام مسميات وممارسات “قداسوية” الطابع!وبات النشاط الاكاديمي في عراق اليوم عاجزا عن انتاج المعرفة،بل ينتج ابحاثا لا تقدم في غالبيتها معالجة حقيقية لمشكلات المجتمع!ويخرج طلابا لا يجيدون التفكير النقدي ولا الاعتراض ولا طرح الاحتمالات المغايرة!وتدهور مستوى الدراسات العليا بسبب غلبة الولاء الحزبي – الطائفي على الولاء المدني للدولة وتردي معايير القبول التي سمحت للفاسدين سياسيا واجتماعيا بالتسلق المسلكي البيروقراطي لسلم التراتب العلمي!
كما تأتي عملية اعتقال الدكتور محمد طاقة بعد الجدل الحاصل في طلب مجلس النواب لأستجواب الوزير علي الأديب الذي يرفض بل يستهزأ من الطلب!ولا يدري هذا الاديب ان الدعوة لاستجواب الوزراء دعوة دستورية صرف لا يجب التمترس،طائفيا وحزبيا ورائها،كما لا ينبغي النظر اليها من باب الحزبية الضيقة.ان اعاقة الاجراءات القانونية اللازمة بحق الوزراء المفسدين والمتقاعسين عن ادائهم الوظيفي هي اشتراك في جريمة الفساد.وهنا نتسائل هل ان سبب اعتقال الشخصية الاكاديمية العراقية المعروفة،عائدا الى عمله في تنظيمات حركة الوفاق الوطني العراقي بزعامة رئيس ائتلاف ” العراقية “اياد علاوي؟وجزء من مسلسل نوري المالكي لاستهداف خصومه ومعارضيه السياسيين،وخلق حالة من الترهيب بحيث لا يمكن لشخصية عامة ان تعلن معارضتها له؟!
في العراق الجامعات تنعزل وتتكلس وتتحنط والأجراس تقرع من حولنا بالخطر،ويجري اهمال دور اقتصاد المعرفة وما يتطلبه من زيادة الصرف على التدريب والبحث العلمي والاستثمار في تنمية الموارد البشرية العلمية والهندسية والتكنولوجية،وتطوير البنية التحتية للتعليم العالي في جميع المجالات.اما مساهمة الكفاءات في اعادة بناء العراق فهي مرهونة بما تقدمه الدولة من الاهتمام والدعم للكفاءات الموجودة داخل العراق.ومن العبث الحديث عن عودة كفاءات المهجر،فيما تعيش كفاءات الداخل حالة الاحباط والاغتراب،مما يضطر الكثير منها الى التفكير في ترك الوطن هربا من الاوضاع الكارثية،حيث البيئة غير الآمنة وتسلط العناصر غير الكفوءة وانصاف المتعلمين على المراكز المهمة،والتي لا يروق لها وجود الكفاءات الحقيقية،وتعدها بمثابة تهديد لوجودها.
من المؤسف احجام القيادات السياسية عن الاقتناع بمفهوم استقلالية الجامعة والحرية الاكاديمية ومراجعة مواقفها من حرية الفكر والتعليم الجامعي،واعادة النظر في اقحام السياسة والدين داخل المؤسسات التعليمية،والانتهاكات المستمرة للحرم الجامعي وبحجج واهية!وتجاوز الدستور والقوانين النافذة التي تؤكد على احترام الجامعات والمعاهد والمؤسسات العلمية واستقلاليتها!والاستخدام غير المبرر للقوة داخل المرافق التعليمية والجامعية!ومواصلة الضغوطات والتدخلات السياسية والحزبية وتأثير الولاءات دون الوطنية في عمل المؤسسات التعليمية والجامعات العراقية من قبل الجهات الحزبية والرسمية للتأثير على العمل والنهج الاكاديمي العلمي،وجره الى التأثيرات والتجاذبات والمحاصصات السياسية والطائفية!وتحويله الى ساحة لتصفية الحسابات السياسية!ومن اهم معوقات العملية التربوية التعليمية في بلادنا التأرجح الجامعي بين الهوية الاكاديمية وممارسات الرعاع وانصاف المتعلمين المحسوبين على طلاب الجامعات وكلياتها!والمرتبطين بميليشيات طائفية او جيوش طوائف لا علاقة لهم بالاسلام الا من حيث استفزاز الآخرين حتى ان كانوا من ابناء الطائفة الواحدة!ومعاناة السلك التدريسي والتعليمي من مهازل انصاف المتعلمين والمثقفين والعناصر التي تمارس دورا مخابراتيا وتجسسيا.
ان اهم سبب في الاخفاق الاكاديمي للحكومة العراقية الحالية هو تهافت رموزها وسطحيتهم وضعف شخصياتهم وتكريسهم لعقلية وثقافة الطائفة والعشيرة والقطيع والفساد في ادارة الجامعات وفي بناء الدولة والحركات السياسية،في الوقت الذي يحتاج العراقيون فيه الى ازالة هذه الثقافة،والى بناء دولة عراقية وليس دولة عصابات تتناقض مع بناء الدولة الحديثة التي ينشدها العراقيون.
وساهم ابتعاد التعليم،وخاصة التعليم العالي والبحث العلمي عن حاجات البلاد وامكاناتها وآفاق تطورها،رغم تراكم التحديات لتقديم تعليم ذي كفاءة عالية لمواجهة العولمة(نتيجة الثورة المعرفية والتكنولوجية)من حيث مضمون التعليم وطرائقه ووسائله،في تكريس الفساد الاكاديمي!ولازال علي الاديب لا يصغي لآراء ذوي الاختصاص لانقاذ هذا القطاع الذي لا يحتاج الى فتوى،بل الى قيادات سياسية وادارية وجامعية تفهم قيمة الاصلاح وضرورته وتدرك الحاجة الى مراجعة نظام التعليم العالي بكل تركيبته المكونة من مؤسسات وبرامج واهداف ومناهج،ومن منظور الجودة الشاملة والاستجابة لاحتياجات السوق المحلية والدولية في عراق منفتح على الداخل والخارج،وكذلك الحفاظ على ما تبقى للجامعة العراقية من دور في التنوير والتثقيف ضد الافكار الظلامية والتعصب الطائفي والسياسي والعرقي!
والاكاديمي محمد رفعت احمد طاقة من مواليد الموصل 1948،وسليل عائلة موصلية معروفة،منها وزير الخارجية العراقية الاسبق الراحل شاذل طاقة،وعالم الاحياء المجهرية الراحل د. خالد طاقة.حصل على شهادة دكتوراه علوم اقتصادية من المدرسة العليا للاقتصاد- المانيا – 1980، وسبق له ان تسلم مهام رئيس قسم الاقتصاد- كلية الادارة والاقتصاد- الجامعة المستنصرية لمرتين.ويتولى منصب عميد كلية بغداد للعلوم الاقتصادية الجامعة منذ 1996 ولحد اليوم!كما اشرف على مناقشة العديد من رسائل الدكتوراه والماجستير،وشارك في العديد من المؤتمرات داخل وخارج العراق،ونشر اكثر من (50) بحثاً علميا وستة كتب في المجال الاقتصادي.وهو عضو الهيئة الادارية لجمعية الاقتصاديين العراقيين وضو اللجنة الاستشارية في اتحاد الاقتصاديين العرب منذ عام 1980!
اعتقال الدكتور محمد طاقة داخل الحرم الجامعي عمل مستهجن من الرأي العام العراقي والعالمي.والحكومات والقوى السياسية والمنظمات الحقوقية والاكاديمية العالمية والعربية والوطنية مطالبة بالتضامن مع الاكاديمي المعتقل والضغط من اجل الافراج الفوري عنه!

بغداد
3/5/2012