الرئيسية » مقالات » قراءة في اتفاق الاطار

قراءة في اتفاق الاطار

ادناه، ملخص المحاضرة التي القاها نـــــزار حيدر، مدير مركز الاعلام العراقي في واشنطن، في ملتقى اهل البيت الثقافي في محافظة كربلاء المقدسة، مساء يوم الجمعة (13 نيسان 2012) الفائت، وبحضور نخبة من الشخصيات الفكرية والثقافية والاكاديمية والسياسية.

في البدء، يلزم التنويه الى الحقائق التالية فيما يخص اتفاق الاطار الاستراتيجي الموقع بين بغداد وواشنطن:

الحقيقة الاولى: هي ان هذا الاتفاق استراتيجي بكل معنى الكلمة، فهو ليس اتفاقية امنية كما يسعى البعض لتمرير هذه التسمية عليه من اجل افراغه من محتواه الحقيقي والتقليل من قيمته واهميته بالنسبة للعراق تحديدا، فبنوده تنص على تعاون مشترك وشراكة استراتيجية بين البلدين.

انه اتفاق شامل يغطي مختلف الجوانب، يمكن العراق من حماية نفسه وتجربته الديمقراطية الفتية، وكذلك يمكنه من بناء مستقبله في آن.

ان العراق، وكما نعرف، تحيطه انظمة ديكتاتورية وشمولية، عسكرية او وراثية لا فرق، خاصة نظام القبيلة الحاكم في دول الخليج، وهي انظمة مسكونة بالخوف من اية تجربة ديمقراطية في المنطقة، ولذلك فهي سعت الى تدمير العملية السياسية الجديدة في العراق منذ انطلاقتها في التاسع من نيسان عام 2003 ولحد الان، وان اتفاق الاطار بمثابة الحماية الدولية لتجربة العراقيين في الديمقراطية من وحش النظام السياسي العربي الفاسد.

الحقيقة الثانية: ان من مصلحة العراق تفعيل العمل بنصوص الاتفاق باسرع ما يمكن، فهو الذي سيكون العامل المساعد الاول والاهم بالنسبة له لاعادة بناء نفسه وعلى مختلف الاصعدة.

لقد هيأ الاتفاق للعراق الارضية المطلوبة للتوأمة مع دولة عظمى ومتطورة في هذا العالم، واقصد بها الولايات المتحدة الاميركية، فضلا عن مكانتها السياسية في المجتمع الدولي.

يجب ان يستفيد العراق من هذه الفرصة، كما استفادت من فرص مماثلة دول اخرى في هذا العالم، منها المانيا واليابان وكوريا، والعديد من دول العالم الثالث.

ان توأمة دولة عالم ثالثية مع دولة في العالم الحر، يعود بالدرجة الاولى، بلا شك، الى الدولة الاولى، لانها هي التي تحتاج الى ما عند الثانية وليس العكس، من علوم وتكنلوجيا وصحة وتعليم وغير ذلك.

انه سيمكن العراق من ان يتواءم مع الولايات المتحدة طبقا لنظرية الاواني المستطرقة المعروفة، شريطة ان يعرف العراقيون كيف يوظفون هذا الاتفاق لصالحهم.

الحقيقة الثالثة: ان العمل على تنفيذ هذا الاتفاق هي مهمة كل العراقيين، من كل حسب موقعه ودوره وقدرته، فمهمة تنفيذه والاستفادة من بنوده لا يخص مؤسسة بذاتها من مؤسسات الدولة العراقية، الحكومة مثلا، وانما تخص كل العراقيين، فمهمة تنفيذه مسؤولية جمعية وتضامنية.

ان الولايات المتحدة الاميركية دولة كبيرة تحكمها وتديرها المؤسسات، فالبيت الابيض، مثلا، ليس كل شئ فيها، كما ان المؤسسات الرسمية هي الاخرى ليست كل شئ فيها، ولذلك فان امام العراقيين، كمؤسسات حكومية وشبه حكومية واهلية، فرصة الاستفادة من نصوص الاتفاق بما يخدم عملية النهوض والتنمية، كل من موقعه وفي اطار مهامه ومسؤولياته ودوره.

يلزم العراقيين المبادرة الى التخطيط للاستفادة من الاتفاق، كل حسب حاجته.

الحقيقة الرابعة: ولان العراق هو المستفيد الاول من تنفيذ بنود هذا الاتفاق، ولذلك فان عليه ان يهيئ كافة الظروف والمستلزمات التي تساعده على تنفيذه، والتي تقف على راسها الاستقرار السياسي والذي ينتج بالضرورة استقرارا امنيا.

ان اية ازمة سياسية تعصف بالبلد تضر بمصالح العراق، لانها تعرقل عملية تنفيذ الاتفاق بشكل من الاشكال، ولذلك ينبغي على كل الفرقاء السياسيين الانتباه الى المصالح العليا للبلاد من اجل تجنب الازمات السياسية المتكررة، فاستراتيجية الازمة التي يتبعها البعض للبقاء في السلطة لا تنفعه دائما، كما انها لا تخدم البلد ابدا.

ان الاستقرار السياسي هو الارضية المناسبة لبناء شراكة حقيقية واستراتيجية مع المجتمع الدولي،اما سياسة اثارة الازمات فلا تساهم في تحقيق ذلك ابدا، وعلينا ان نتذكر بان محيط العراق المعادي له يتمنى لو يبقى العراق قلقا سياسيا، فلماذا نساعده على تحقيق امنيته هذه؟.

الحقيقة الخامسة: ان العالم مصالح متبادلة وعلينا، كعراقيين، ان نبحث عن مصالحنا في هذا العالم، من اجل ان ننهض ببلدنا ونؤمن مستقبل ابنائنا، الامر الذي يتطلب ان نقدم مصالحنا على مصالح الاخرين، بعد ان نضع الشعارات البراقة التي لم تغن او تسمن من جوع جانبا.

لقد دخل العراق مع اشراقة شمس اليوم الاول من العام الميلادي الحالي مرحلة جديدة، فبعد ان تم انسحاب كامل القوات الاجنبية منه ولم يعد المواطن العراقي يشاهد اية مظاهر ومن اي نوع لمرحلة الاحتلال والغزو الاجنبي الذي سببته سياسات النظام الشمولي البائد، سقطت كل اوراق التوت التي ظلت جماعات العنف والارهاب تتستر بها تحت لافتات المقاومة والجهاد ضد المحتل وما اشبه، وهذا يعني ان كل من يستخدم السلاح اليوم انما يعمل على تقويض العملية السياسية حصرا ويسعى لافشال التجربة الديمقراطية، فهو ليس مقاوما وليس مجاهدا، وانما ارهابيا يسعى لقتل الحياة وتدمير كل ما يتعلق بحياة العراقيين ومستقبلهم.

يجب ان نضع السلاح جانبا بعد ان انتفت حاجته، وسقط المبرر، كما يجب علينا جميعا ان نضع كل ما فرقنا فترة الاحتلال والغزو جانبا، لنستحضر ما هو مفيد في عملية البناء والنهوض الحضاري.

ان علينا ان نسعى بكل جد ومثابرة من اجل توظيف بنود اتفاق الاطار بما يساعدنا على اعادة بناء البلد والنهوض به، من خلال العمل على حل المشاكل التي يعاني منها المواطن العراقي، خاصة على صعيد الخدمات، واخص بالذكر الكهرباء، فهي عصب الحياة وبها نعيد الحياة الى الكثير من النواحي الحيوية في البلاد كالزراعة والصناعة والطب والتعليم والبيئة وغير ذلك.

ان استمرار الازمات السياسية تعصف بالبلد وبالعملية السياسية لا يساعد على تشجيع الاستثمار الاجنبي ابدا، وكلنا نعرف فان الاستثمار حاجة ضرورية وحيوية للنهوض بالبلد، واذا تذكرنا المقولة التي تصف راس المال بانه جبان، هذا يعني انه سوف لن يتوطن في العراق اذا لم يستقر سياسيا، فالبلاد القلقة سياسيا وغير المستقرة، لا يمكن ان تفكر بالاستثمار ابدا، وهو حال العراق اليوم، فكم من اتفاقيات وقعتها الحكومة العراقية مع جهات دولية عديدة، الا اننا لم نر شيئا ملموسا من راس المال الاجنبي الا النزر اليسير، وكل ذلك بسبب الازمات السياسية التي تعصف بالبلد بين الحين والاخر.

كما ان الفساد المالي والاداري المستشري في كل مفاصل ومؤسسات الدولة هو الاخر يعرقل عملية الاستفادة من اتفاق الاطار الاستراتيجي، لان الاستثمار كذلك والتعاون مع المؤسسات الدولية والعالمية، وعلى راسها الاميركية، لا يمكن ان يتحقق الا اذا شعر المستثمر بان راس ماله مصون وانه سيستفيد منه ارباحا من نوع ما، اما اذا شعر المستثمر بان راس ماله مهددا بالروتين والفساد المالي والاداري وبالابتزاز فانه بالتاكيد سوف لن يفكر بالمجئ الى العراق، لان المخاطر المحتملة فوق اللازم وفوق المتوقع وفوق الطبيعي.