الرئيسية » مقالات » المالكي وحزب الدعوة الاسلامية والمكارثية

المالكي وحزب الدعوة الاسلامية والمكارثية

في العام 1950 واثناء الحرب الباردة التي بدأت اواسط اربعينيات القرن الماضي، القى السناتور الامريكي جوزيف مكارثي في ذكرى ميلاد الرئيس الامريكي ابراهام لينكولن خطابا امام الكونغرس الامريكي جاء في قسم منه، ان هناك العشرات من الشيوعيين والمتعاطفين معهم من عملاء السوفييت في اروقة وزارة الخارجية الامريكية. وكانت العديد من الاسماء التي جاء على ذكرها في خطابه هم من النقابيين واليساريين والليبراليين، ولم يكتفي مكارثي بالاسماء الامريكية فقط بل تجاوزها الى قوائم باسماء المئات من الفنانين والعلماء والادباء والكتّاب الاوربيين لمنعهم ومؤلفاتهم من دخول الولايات المتحدة الامريكية. وعلى الرغم من فشل مكارثي في اثبات تهمه وانزواءه سياسيا وموته لاحقا، الا ان المكارثية كسياسة بقيت في عقلية اصحاب القرار الامريكي لخوفهم من الشيوعية خصوصا بعد نجاح السوفييت وبمساعدة زوجين جاسوسين امريكيين اعدما لاحقا من صناعة القنبلة الذرية. وكان اكثر الرؤساء الامريكان المصابين بلوثة المكارثية هم نيكسون صاحب فضيحة ووترغيت وريغان الذي كان يتجسس على زملائه الممثلين لصالح اجهزة المخابرات عندما كان يترأس نقابة فنّاني هوليود.

وبعد تزايد النفوذ الامريكي في العالم خصوصا بعد انحسار النفوذ البريطاني اثر الحرب العالمية الثانية، وانطلاق حركات التحرر الوطني في ارجاء العالم المختلفة بدعم سوفيتي وللحد من انتشار الشيوعية. لم تجد الولايات المتحدة الا طريقين اولهما المكارثية، اي الارهاب الفكري الموجه ضد المثقفين وبالتالي ضد الاحزاب الشيوعية واليسارية والعمالية، وثانيهما جاءت به من مطبخ بريطانيا العجوز وهو تأسيس احزاب دينية تتخذ الدين كوسيلة لمحاربة الافكار الشيوعية وتطلعات الشعوب للتحرر من نير الاستعمار حينها خصوصا في دول العالم الاسلامي ومنها الدول العربية. وعلى الرغم من عدم تأسيس حزب اسلامي في ايران بعد رفض الشاه تأسيس هذا الحزب فان المؤسسة الدينية الشيعية في قم وبشخص آية الله الكاشاني، قادت باوامر من السافاك والسفارات الغربية النشاطات المضادة التي نجحت في اسقاط حكومة مصدق التي اممت النفط و اعاد بعدها الشاه الى ايران. الا انه وافق بعد نجاح ثورة 14 تموز بتقديم الدعم لتأسيس حزب اسلامي شيعي ” حزب الدعوة الاسلامية” في العراق، للمساهمة مع المؤسسة الدينية وبقايا الاقطاع والرجعية العربية والحركة الكردية وبقايا حلف السنتو وشركات النفط المتضررة حينها من قانون النفط الذي تبنته الثورة في اسقاط حكومة 14 تموز، على ان لا يتدخل هذا الحزب بالشأن الايراني ليتم فعلا تأسيس الحزب اواخر عام 1959 وفقا لشهادة العديد من قادة الحزب.

وقد ساهمت المؤسسة الدينية والعديد من رجالات الحزب الجديد آنذاك “الدعوة الاسلامية” الى جانب القوميين العرب والكرد والبعثيين وبقايا الاقطاع والدول الاقليمية والدوائر الغربية وشركات النفط في اغتيال ثورة 14 تموز، عبر انقلاب دموي ادخل العراق وليومنا هذا في نفق مرعب ومظلم وليدفع بسببه العراق والعراقيين ثمنا باهظا ستظل آثاره شاخصة لفترة ليست بالقصيرة “في حالة عدم تفتت العراق”.

وافرز ذلك الانقلاب المشؤوم سلطة دكتاتورية فاشية تبنت منذ دقائقها الاولى المكارثية (كالعهد الملكي) كنهج وسياسة، اذ طبّق البعثيون ابجديات المكارثية حرفا حرفا وهم يطاردون ويعتقلون ويعذبون ويقتلون ويشردون خيرة بنات وابناء العراق بمشاركة حلفائهم داخل البلد وبدعم اقليمي وغربي، ولينقلبوا على شركائهم في زواج المتعة ذاك حتى قبل ان تبرد الايادي التي صفقت بحرارة لاغتيال ثورة 14 تموز ورجالاته.

ولان الديكتاتورية عادة ما تنتج رجل مرحلة ليكون الربان الوحيد لقيادة البلد، فانها تفرز دوما سياسيين يعادون اي نهج ديموقراطي حقيقي حتى وان كان وصولهم للسلطة عن طريقها. ويبدأون حالما يشعرون ليس بقوتهم بالضرورة بل بضعف وتشرذم اعدائهم بتقليص هامش الحريات الديموقراطية التي يكفلها الدستور، عن طريق اشعال الحرائق هنا وهناك دون ان يستفادوا من دروس التاريخ الكثيرة حول خطورة هذه الحرائق التي ستلتهمهم لاحقا، ولم يذكر لنا التاريخ ان دكتاتورا كان بمنأى عن هذه الحرائق ونتائجها.

ان حزب الدعوة الاسلامية وزعيمه نوري المالكي لا يشذّون اليوم باستعراضهم للقوة وتجاوزهم على الحريات التي كفلها الدستور واستهتارهم بالوطن وحريته وكرامته، بسكوتهم عن دعاة الوحدة بين “الشقيقين” العراقي والايراني في دولة ايران الكبرى، عن اي حزب شمولي كحزب البعث ورجل مرحلتهم المجرم صدام حسين. فالمالكي لا يتصرف اليوم كرئيس وزراء لدولة دستورية بل كرئيس لدولة يقودها حزب طائفي، حدد اعداءه بالكرد وسنة العراق والعلمانيين والحداثويين والماركسيين “اي الشيوعيين” كمرحلة اولى ورفاقه في البيت الشيعي كمرحلة ثانية. وبمعنى آخر فان غالبية الشعب العراقي اليوم و جميعهم غدا هم اعداء المالكي وحزبه وبطانتهما، وبالتالي فللمالكي (كما المجرم صدام حسين) كل الحق في ان يشعر بالقلق ممن هم حوله خوفا من اغتياله او الانقلاب عليه، هذا الخوف يدفع المالكي الى عدم الثقة بالاخرين وعدم الثقة هذا يعبّد الطريق امامه لان يكون ديكتاتورا ويتجاوز على الدستور حينما يشاء، فاليوم لا يشاء الله في العراق قدر ما يشاء المالكي!

ان المكارثية انتهت خصوصا بعد انتهاء الحرب الباردة بانهيار الاتحاد السوفيتي وحلفاءه في اوربا والامريكيتين عدا الولايات المتحدة وبعض الانظمة غير الديموقراطية كايران والسعودية ومشايخ الخليج، وكان من المفروض ان تنتهي في العراق لو اخذنا بالنموذج الاوربي للديموقراطية وليس النموذج الامريكي الذي لازالت المكارثية تعشعش في عقول صناع قرارها. والمالكي وتأثرا بالراعي الامريكي ولخلفيته السياسية الدينية وولاءه لولي الفقيه الايراني شرع منذ فترة بسياسة مكارثية تجاه الحزب الشيوعي العراقي لسببين، اولهما ان الشيوعيين والديموقراطيين هم الذين ينافسون المالكي اليوم وغدا في مناطق نفوذه الجغرافية وليس الكرد و”السنة” وثانيهما العلاقات التاريخية بين الحزب الشيوعي والكرد الذين يناصبهم المالكي اليوم العداء (على الرغم من ترك الكرد لحلفاء الامس!!!). وبدأ المالكي منذ ان طوقت مدرعاته مقري اللجنة المركزية للحزب وصحيفته المركزية طريق الشعب العام الماضي، سياسته المكارثية في التضييق على الحزب للحد من نشاطه وتحركه في الشارع السياسي الذي لا يستطيع المالكي استغفاله “الشارع” دوما. وليتوج بعد سلسلة من المضايقات والاعتداءات سياسته هذه يوم الأول من آيار باجراء غير دستوري في منع مسيرة الحزب للاحتفال بعيد العمال العالمي، وهذا ما اكده النائب عن كتلة الاحرار في البرلمان عن التحالف الشيعي رافع عبد الجبار الذي قال ان (منع تظاهرة الحزب الشيوعي المزمع قيامها في 1/5/2012 في ساحة الفردوس للاحتفال بعيد العمال العالمي، وكذلك للتعبير عن رأيهم بهذه المناسبة هو اجراء حكومي يتناقض مع الدستور).

ان محاربة الارهاب التي يتعكز عليها المالكي ولم ينجح بها لليوم لا يجب ان تكون على حساب مصادرة الحريات والتجاوز على بنود الدستور، وان الحزب الشيوعي العراقي ليس بمنظمة ارهابية كي تحلق فوق مسيرته العمالية طائرات المالكي العمودية لارهابها. كما وان خطابه في الشركة العامة للسيارات بمناسبة عيد العمال العالمي يعتبر تخبطا سياسيا من زعيم فشل في تلبية ابسط احتياجات “شعبه”، اذ طالب بشكل ضمني الحزب الشيوعي العراقي ب (عدم المتاجرة باسم العمال ورفع اللافتات وعمل المظاهرات انما الاهتمام الحقيقي بهم في مستوى المعيشة والدخل والسكن)، ناسيا ان الحزب ذكر في طلبه المقدم لوزارة الداخلية التي يقودها المالكي نفسه بالوكالة انه بصدد القيام بمسيرة وليس بتظاهرة. ان المسؤول عن رفع مستوى العمال وعامة الشعب وتحسين مداخيلهم وتوفير السكن اللائق لهم ليس الحزب الشيوعي العراقي الذي لا يملك ممثلين في البرلمان العراقي اليوم، بل رئيس الوزراء “المالكي” وحزبه “الدعوة الاسلامية” وقائمته الانتخابية “دولة القانون” وتحالفه ” الائتلاف الشيعي” وحكومته “حكومة المحاصصة الطائفية القومية” التي لا وجود لوزراء شيوعيين فيها. وهل استغلال المراسم الحسينية والمتاجرة بدم الحسين “ع” من قبل المالكي واحزاب الاسلام السياسي الشيعية لاغراض انتخابية “حلال است”؟ كما وشدد في مكان آخر من خطابه على (معرفة احتياجات الشريحة العمالية العاملة في هذه المؤسسة “الشركة العامة للسيارات” لنتمكن من خلالها معرفة احتياجات العمال في البلد)، يا للهول ايعقل من انكم وبعد مرور ما يقارب ال6 سنوات من حكمكم للبلد لا تعرفون احتياجات هذه الشريحة العمالية!؟ وان كانوا عمالا مثلما ذكرت فلماذا لا تعمل على الغاء قرار ما كان يسمى ب”مجلس قيادة الثورة المنحل” المرقم 150 لعام 1987 والذي حوّل فيه العمال العراقيين الى موظفين وبذلك فقد العمال العراقيون اماكنهم في النقابات والتجمعات النقابية العربية والعالمية.

السيد المالكي ان احياء المكارثية بعد ان فشلت في اغلب بلدان العالم ليست حلا لمشاكل العراق، انما يكمن الحل باصدار قانوني الاحزاب والانتخابات وتعديل الدستور وعدم التجاوز على بنوده والالتزام بالحريات وعدم التجاوز او الالتفاف عليها. حارب الفساد ايها السيد رئيس الوزراء وابعد القضاة عن دهاليز السياسة ، ساهم في نزع فتيل الطائفية لان بها يسير العراق الى بر الامان، حارب الفقر ووفر فرص عمل “لمواطنيك”، ضع الشخص المناسب في المكان المناسب لتبدأ باعمار البلد، شعبنا بحاجة الى امن وخدمات فامنحهم الامن والخدمات. وان نفذت هذه المطالب وغيرها التي هي مطالب شعبنا، فلا مانع بعدها ان تمارس مكارثيتك بالشكل الذي تحلم به.

” يا عزيزي بروتس، الذنب ليس ذنب حظنا، الذنب ذنبنا” القائد الروماني كاسيوس

الدنمارك
2/5/2012