الرئيسية » مقالات » نوري المالكي .. بين الاستبداد ونصرة الطائفية

نوري المالكي .. بين الاستبداد ونصرة الطائفية

لحق بالفعل عسفا كبيرا بمكانة الطائفة الديني والعشيرة الاجتماعي بفعل الامعان في توظيف هذه العوامل الاهلية في الاضطرابات الامنية،ودور بعض التنظيمات الدينية والطائفية والعشائرية ورموزها المتنفذة في تكريس السطوة الشمولية والفردية والدكتاتورية واذلال الشعب.وتحولت الطوطمية الى اجلال لأقطاب الطائفية السياسية والولاءات الاصطفائية وتقديس لها،وتحول التابو الى كل ما يتعلق بالتحريم،والمحرمات الى توكيد لعدم جواز المساس بشخصية الشيخ – الاغا – الملا – السيد – آية الله …واملاكهم واقوالهم.وبعد ان مارست الولاءات الاصطفائية ديمقراطيتها فطريا عبر الدواوين والروضات والحوزات والجوامع والمساجد والحسينيات لتداول كل ما يهمها ويخص افرادها وحل مشكلاتها … الا انها بقت وشائج عصبوية ذات نفس استبدادي مطلق لتوارث المناصب وقمع الحريات وقتل الديمقراطية المدنية البرلمانية في المهد.
وليس غريبا اليوم ان نعثر على لافتات تحمل صورة نوري المالكي وكتب الى جواره “حي على خير العمل .. المالكي هو الامل .. اللهم وال من والاه .. وانصر من نصره”،في محاولة لإقرانها بالامام علي(ع)…وبمعنى أخرى،تتمثل نصرة المذهب هنا ببقاء المالكي في رئاسة الوزراء لأنه الرجل الأوحد الذي يصلح لهذا المنصب،وتوجيه أي نقد للمالكي يلحق الضرر بالمذهب،وكل كلام فيه نقد للحكومة يصب في مصلحة اعداء المالكي،وهذا مضر للمذهب!ولا يحتفظ المالكي لنفسه حق توجيه الانتقادات للجميع والى الجميع فحسب،بل وحق الارهاب الفكري توأم الارهاب المادي،محاولاً اللجوء الى بعث خلافات الماضي،كي يتجاوز عقد الحاضر المساهم هو في ربطها،مثلما جاء على لسانه في الذكرى الـ32 لاعدام محمد باقر الصَّدر(1980)!ونسى المالكي وصحبه الذين رفعوا راية الصدر وصورته حتى جعلوه خصماً للآخرين،انهم ما زالوا ملتزمين بحملة صدام حسين الايمانية،وهي ليست اكثر هزيمة للعقل مما جاء بعدها من حملات.
حرب الحملات الايمانية الجديدة والنصوص المندلعة على الجدران واليافطات المعلقة والتغيير الطائفي لأسماء المدارس والمستشفيات والمنتزهات والقرى والمدن،اشد ضراوة من حرب العوارض الكونكريتية،والأخطر حرب النفوس التي يزداد اوارها اضطراما يوما بعد آخر.التحريض الطائفي لم يأت من اميين او قطاعات الشعب الواسعة من الفقراء المحرومين من نعمة الثقافة،بل يأتي من نوري المالكي نفسه،وصحبه من اولئك الذين يدعون العلم والمعرفة وامتلاك الحقيقة من مستغلي الدين والطائفة لأغراضهم الشخصية،ولكن سلوكهم التخريبي يثبت انهم جهلة ومغرضون،يغلفون جهلهم بغشاء خفيف من ثقافتهم الدينية السطحية.
التحريض الطائفي هو ديمقراطية الجلابيب الفضفاضة والدشاديش المقصوصة والعمائم المزركشة والمحابس الفضية اللماعة وطول اللحى المقزز وكوفيات الرؤوس البيضاء والحمراء والسوداء!الشفافية تضع المعلومات البيانية في خدمة الشعب،وهي شرط الدمقرطة الاجتماعية لا الدمقرطة اللصوصية واعادة انتاج الطائفية وشرعنة الفساد والرشوة وديمقراطية حجب الحقائق واحياء الصدامية بالعباءة والعمامة الدينية!
مجلس النواب تسوده مظاهر التوتر السياسي،ولم يوفق حتى اليوم لا في تثبيت دوره الرقابي كأعلى مجلس تشريعي في البلاد فحسب بل جرى على اجتراح النكسات تلو الاخرى،وهو بحاجة الى الصحوة السياسية لتفعيل دوره واعادة الهيبة للمجلس المرتهن اليوم لكرادلته،ولا يتوقع منه اداء وانجازا اسرع واكبر،وسيبقى يأكل مايفت له زعماء كتله،ومسألة تمثيله للناخبين وممارسة صلاحياته موضع مساءلة وشك مادام مكبلا،ومالم يسعى الى فك رهنه.انعقد او انفض المجلس،الامر سيان،فالانظار والاسماع ترنو وتصغي الى اهل الحل والربط،الى توافق الزعماء الذين اختزلوا سلطة الشعب باربع او ثماني كتل،فاجتماعاتهم هي الاهم والاجدى من اجتماعات نواب الشعب.ومثلما كرس عجز مجلس النواب عن الايفاء بواجباته النيابية البرلمانية الاساسية لجوء الناس الى الولاءات العصبوية المتخلفة غير الاصولية بسبب عدم حصول الشعب على حقوقه(استراتيجيات النجاة قصيرة المدى تحل محل اجندات اعادة البناء بعيدة المدى)،فأن المزج بين هذه الولاءات دون الوطنية وبين احدث النظريات في سيادة الدولة لهو تقليعة قذرة ودرس جديد في ديمقراطية الطائفية السياسية والأسلام السياسي تسود بلادنا اليوم ليجر قطع الخدمات الاساسية تعمدا والتهجير القسري والارهاب اجراءا عقابيا واسلوبا في فهم واجبات الدولة وتوجيهها للأغراض الهدامة.ويعد اضفاء هالة من القدسية الوهمية على نوري المالكي تكميم للأفواه والاستبداد بقيادة الطائفة دون أحقية!كما يعد تطاولا على مقام المرجعية التقليدية المصونة لدى الشيعة.وهناك شواهد وادلة على عدم رضى المرجعية عما تنتهجه الحكومة من سوء في الاداء وتكريس للفساد والبطالة وسياسة لخلق الأزمات المتكررة بين الخصوم السياسيين بعد ان بات التوجه نحو خدمة المواطن و تقديم الخدمات الرئيسية وتكريس الأمن الاجتماعي والسياسي والاقتصادي للشعب العراقي في خبر كان!
ستَبقى طويلاً هذه الأزمات
إذا لم تُقصَر غمرَها الصدُمات
إذا لم ينَلُها مُصلحونَ بواسلٌ
جريئونَ فيما يَدُعون كُفاة
سيبقى طويلاً يحملُ الشعبُ مكرهاً
مساوىء من قد أبقَتِ الفترات
قيوداً من الإرهاق في الشرق أحكمت
لتسخير أهليه، لها حَلَقات
ألم ترَ أن الشعب جُلَّ حقوقِه
هي اليومَ للأفراد مُمتلكات؟
في كل مقابلة او مواجهة او حوار ومحاورة،يرفع نوري المالكي اصبعه مهددا ولاعنا الطائفية والطائفيين ويتعهد بالعمل على القضاء عليها،متغابيا هو وحزبه والاحزاب المؤتلفة مع حزبه انهم هم الذين اسسوا وبدأوا وتمسكوا ولا زالوا متمسكين بالطائفية،وهم الذين اسسوا الاحزاب الطائفية،لا يدخلها غير المؤمن بشباك عباس وبقرب ظهور المهدي المنتظر،المؤمن والملتزم باللطم على الحسين وعبادة قبور اولياء المعصومين،ولابسي المحابس الفضية المزينة بعين زرقاء دفعا للبلاء!
ان حزب الدعوة والاحزاب الشقيقة ليست نوادي اجتماعية او جمعيات خيرية،انها احزاب سياسية طائفية،تعبر عن مصالح الاسلام السياسي،فكيف تكافح الاحزاب الطائفية طائفيتها السياسية؟!لف ودوران ومراوحة في نفس المكان!هل يقود التخندق الطائفي وفرض الثوابت الدينية والطائفية الى طريق الديمقراطية والوحدة الوطنية الذي يتغنى بها المالكي؟من هذا الباب،وليس من الشباك ولا عبر الاسلاك!تغلغل ارهاب القاعدة عدو الشعب الاول مع البعث الصدامي ليكملوا جريمتهم الى جانب فرق الموت وقتلة الجريمة المنظمة!
يقوم التأسيس الوشائجي الاصطفائي على اسس تصون افراده بطرق قانونية وغير قانونية لتعيد انتاج العلاقات شبه الاقطاعية وشبه الرأسمالية مع بقاء مقومات تعرقل قوة مساومة ومناورة الكادحين لأنتزاع حقوقهم المشروعة،منها:
• التفاوت الشنيع بين الثروات المتراكمة العريضة للشيوخ والاغوات وكبار رجال الدين والائمة وآيات الله وكبار المقاولين والتجار وضباط الجيش،وبين فقر الفلاحين وعامة الكادحين وذوي الدخل المحدود المدقع.
• ارتفاع ارصدة رجال الدين الاكثر تطرفا مع مرور الزمن ونهوض اكثر العناصر الدينية المسلحة تشددا والتي تتبنى الخطاب الطائفي الموتور في لعب شد الحبل والتنافس حول الاصول المالية المحلية ذات العلاقة بالعقارات والنفط .
• ازدواجية النخب السياسية الفاعلة بين الادانة الروتينية للطائفية السياسية كون ذلك خط احمر والخطب الانشائية الفضفاضة الغامضة(القوة الانشائية في التعبير والنصية في التفسير) وبين انتزاع اكبر المغانم من التفاعلات والمعادلات الجارية على الارض.
• الاقرار المبطن للاحتلال الاميركي وحكومات ما بعد التاسع من نيسان بالولاءات دون الوطنية عبر الدستور الدائم وسلسلة من القوانين الوضعية.
• العقلية التبريرية السائدة وشيوع مظاهر البراغماتية والميكافيلية.
• الجهود غير الدستورية التي تبذلها الطائفية السياسية بنخبها المتنفذة وحكومة بغداد للحيلولة دون نهوض المجتمع المدني،وبالتدخلات غير المشروعة في شؤونه،وبالأبقاء على قرارات ومراسيم مجلس قيادة الثورة سئ الصيت!
• الجهود غير الدستورية التي تبذلها الطائفية السياسية لأستيعاب واحتواء العمال والفلاحين،والعمل على عزلهم وقتل كل ما يمكن ان يبعث امكانيات الانطلاق من عقال الاقطاع والعمامة الطائفية!
• محاولات الخصخصة والارتماء في احضان الشركات الرأسمالية الكبرى،والعودة بالعراق القهقرى واهمال قوانين الاصلاح الزراعي وتشريعات الحقوق النقابية العمالية.
• الوضع الأمني الرجراج!
الطائفية السياسية المذهبية(Political Sectarian)في الحياة الاجتماعية والسياسية،أو (Denominationalism)في العلوم الاجتماعية المعاصرة،ليست مجرد فكرة عارضة في العراق،بل ظاهرة تاريخية مدمّرة عملت على خلق التناقضات المفجعة في كل مفاصل الحياة،واقصى انواع التحيزات بالعلن والخفاء المستتر،وخلق محددات باسم المقّدس دوما بحيث تغدو لا تعتني الا بصنمية الاشياء الثابتة والمقدسة وفرضها على الآخرين!.لقد نجحت الثيوقراطية الايرانية في تسخير الحروب وحملات القمع في كل من لبنان والعراق لصالحها وفي اقامة “طوق طائفي لتفجير الأزمات” يهدد دوما العالم العربي ببنيته القديمة(عنف دموي في العراق،اسلحة حزب الله،تصدير الثورة من ايران،رعاية الحركات الطائفية في العالم العربي).وتستحضر ايران الآيديولوجيا الطائفية لتعزيز تأثيرها ونفوذها في الدول الاقليمية،لكن الهدف كان دوما وابدا هو الجغرافيا السياسية وليس العقيدة الطائفية بحد ذاتها.
تشكل الطائفية السياسية رافعة لعدم الاستقرار في العراق والمنطقة لأنها تستغل المشاعر الدينية مقدمة اياها كصحوة تستعيد الصراع الطائفي على مدى التاريخ في اطار الحنين الى ماضٍ اسطوري معادٌ تشكيله،ومتعلقة بالحقوق السياسية والمظالم وتوزيع الموارد ومشاكل”الهوية”..واسهمت مجمل الوشائج الاصطفائية،ومنها الطائفية السياسية،في استفحال الفساد ومظاهر الارتشاء والوساطة الى جانب تأثير البيروقراطية الادارية عبر الروتين العقيم والسلوك المتعالي للموظفين وتعقيد الاجراءات.ويقينا فأن الجهل والامية والاضطرابات الامنية كانت التربة الخصبة لترعرع تقاليد الوشائج الاصطفائية في ذاكرة الناس وعقولهم،لتعود الانتماءات الاولية بالظهور في اسواق الولاء السياسي الرئيسية ولتحل محل اي احساس بالانتماء الوطني او المصلحة الوطنية.
والطائفية لا يمكنها ان تكون البديل المقدّس التي لا يجادل احد فيه ابدا،لأنها من اسوأ ما خلّفه التاريخ السياسي الاسلامي على امتداد عصور خلت وبدء انقساماته وامتلائه بالمزدوجات والتناقضات وانفصال السياسي بكل شروره عن الحضاري بكل رقيّه وابداعاته.ولا تقدم الطائفية السياسية اي مشروع حضاري تقدمي معاصر،بل انها تعتمد في تغلغلها على الماضي او من يمثّل الماضي في هذا العصر لتستند الى ما يقوله ويأمر او ينهي عنه..هكذا،تعتمد القوى الدينية على الأثر التاريخي المخزون في ذاكرة الطبقات المهشمة لتخاطبها وتجعلها تتوجه كما تريد هي،لا لانتشال ابناء هذه الطبقات بل استغلالهم في تحقيق مآربها ومصالحها.هذا ليس بمعزل عن الطائفية السياسية التي تعمل على تسسيس عفوية الجماهير بأي ثمن!غارقة في أوهام اساليب الجبر والقسر والتعسف مما يخلق التربة الخصبة لانتعاش الاصوليات الدينية والسلفية وجماعات التكفير والعنصرية!اعادة انتاج الطائفية السياسية كشف للمستور ووباء خطير يسمم الحياة السياسية ويتناقض مع الديمقراطية،ليقزم معنى الحياة السياسية ومدلولاتها ويحجم مبدأ المواطنة والمساواة بين المواطنين ويضر ببناء الوحدة الوطنية..الاحزاب الدينية والطائفية لا تستوي والديمقراطية الحقة!
الفقر عنوان كبير من عناوين الازمة في العراق،رغم سعة الحديث عن الاعمار ونصرة الجائعين ورفع الحيف عن المعوزين وذوي الشهداء والسجناء السياسيين،وتعبيد الطرقات وتشييد البنايات وتخصيصات شبكة الحماية الاجتماعية.الحكومة العراقية في بغداد لم ولن تحترم الامانة،والسياسة التي تمارسها ضيقة الأفق وقصيرة النظر وضد مصالح الغالبية العظمى من ابناء الشعب العراقي وعواقبها وخيمة للغاية،سواء ادركت ذلك ام لم تدركه!ولا تعالج الازمات السياسية والاقتصادية بعصا سحرية وبالتأمل وحده،او التعكز على قاعدة”لا تفكر لها مدبر”!
المحاصصة الطائفية والقومية والسياسية قزمت الاداء الحكومي واسقطت بلادنا في مهاوي رذيلة الفساد منذ عام 2003،والوزراء وما دون،الذين جاءوا عن طريق المحاصصات دون الكفاءة والتخصص والنزاهة،يتصرفون وكأنهم مصونون غير مسؤولين،كالملوك في الملكيات الدستورية،والاقطاعيين وكبار الملاك!تسندهم احزابهم وتحميهم ميليشياتهم،والويل لمن يجرأ على مسائلتهم،بينما الاحزاب الاخرى راضية مرضية وتتنافس مع الآخرين بارتكاب الرذائل!وكل شئ يهون مادام المال العام يملأ جيوبهم ويرفد خزائن الاحزاب والقوى التي جاءت لتولي السلطة بحجة تضحياتها الجسام لاسقاط نظام صدام حسين!فضيحة الفضائح!نعم،فتش عن المحاصصة وراء كل فعل للارهاب الابيض!
بالمحاصصة والمال السياسي والدعم الاميركي والاقليمي واعلام الدولة،تتشبث القوى السياسية المتنفذة بالسلطات القائمة،غير آبهة للسخط الواسع المنتشر بين الناس بسبب الأزمات المتفاقمة وضعف الأمن وتراجع الخدمات واتساع مديات الفقر والبطالة.وهي لا تستهدف خلط الاوراق واضعاف صوت المدافعين عن قضايا الناس وحاجاتهم وهمومهم والتستر على اخطاء الحكام وطريقة ادارتهم للبلاد فحسب،بل تمهد الطريق للانقلاب على الديمقراطية الناشئة وخنقها ونحرها ووأدها لانها مصدر قلق جدي لها قد تسحب البساط من تحتها متى نضجت الظروف السياسية والاجتمااقتصادية المؤاتية!وباستغلال المناصب الحكومية يجري القبول بتسطيح المواطن وتضليله وتحويله الى انسان نفعي وجسرا يمر عليه اصحاب الاهداف الانانية،مزوري ومفسدي الاخلاق والقوانين.
الوضع في بغداد بات تريللي،ما دام السيد نوري المالكي رئيسا للحكومة العراقية وقائدا للقوات المسلحة وكل الاجهزة الأمنية والمخابراتية في البلاد على الاطلاق،وما دامت الطاقة تنعدم بفضل السياسة الرشيدة لنائبه السيد الشهرستاني البطل،وما دام المسؤولين الفاسدين يهربون الى الخارج وبذرائع مشروعة!وتسببت الفردية التي يتسم بها حكم نوري المالكي ومظاهر استشراء الفساد المالي والاداري والانقسامات الحادة داخل الحكومة وضعف شخصية وزير التعليم العالي(وهو من حزب نوري المالكي)الانعكاسات الضارة على العملية التربوية التعليمية وتردي مستوى المؤسسات التعليمية والنقص الحاد في البنى التحتية وعدم قدرة الوزارات المعنية على رسم سياسة تعليمية علمية واضحة،واغلب القرارات اعتباطية غير مدروسة!
نوري المالكي والقوى السياسية المتنفذة تدعو الى اقامة نظام اجتماعي وسياسي ديمقراطي عادل،ولكن لا احد منها،باستطاعته ان يخبرنا،كيف يمكن اقامة مثل هذا النظام،لان المصيبة لا احد منها،يعلم كيف ذلك!بالتدين ونشر الخرافات والبدع والتهريج واشاعة النواح وزرع القنوط في سلسلة العطل الدينية والشعائر الرديفة المتواصلة طيلة ايام السنة يمكن لها الولوج باقصر الطرق الى قلوب الرّعاع!بالفساد واللصوصية والرشاوي وانتهاك الحقوق والاعلام التضليلي يجري استغلال واستحمار الرعاع،ويسمن تجار البازار ورجال الدين،وتلجأ النخب السياسية المتنفذة الى استغلال تسييس الدين ومشاعر الانتماء الطائفي والقومي وعوز الناس ومآسيهم،لاستغلال الرعاع المستعدين للانقياد جراء التضليل والرشوة والترغيب.
لا يعرف قاموس نوري المالكي كلمة الديمقراطية ويسعى الى تغييبها من المجتمع والحياة السياسية لأنه يتنفس اصلا في الوسائط التراتبية،متى سنحت له الفرصة في التحكم والسطوة يجري تقديس ديمقراطية النهب واللصوصية.والديمقراطية التوافقية او ديمقراطية حجب الحقائق،هي اختراع بائس وفاشل يكبل ليس الحكومة وحدها عن اتخاذ القرارات،بل يكبل العراق ويجعل منه أسيرا لأحزاب اتفقت على ان لا تتفق ابدا،وافرزت لنا الفساد المركب واللصوصية والطائفية التوافقية!وبناء دولة القانون لا يتحقق الا من خلال سلطات وطنية ديمقراطية تعتمد على الشعب والكفاءات العلمية القادرة على بناء دولة القانون والعدالة واعادة بناء المؤسسات التي هدمت علي ايادي الذين اتت بهم عربة المحاصصة الطائفية،وليس من خلال الطائفية السياسية التي يكون ولاءها اولا واخيرا للمذهب او العشيرة وليس للوطن.
وليس خافيا على احد،ان الديمقراطيات العصرية تحرم على المسؤول الاستمرار في منصبه اذا فشل في كشف جريمة عادية،والعقوبة اعظم اذا فشل في كشف جريمة اغتيال مواطن ومسؤول في الدولة ولا يحق له الترشيح للانتخابات،لكن ديمقراطية المشعوذين تحجب الحقائق على الشعب والمسؤول فوق القانون وحق المواطنة مفقود والبقاء للأقوى،انها شريعة الغاب.ربما لا يريدون ازعاج العدالة بالحقائق،شرطة تحقق مع صاحب الفخامة او دولة الرئيس او صاحب المعالي والسعادة او حجة الاسلام والمسلمين وخاصة اذا كان من سلالة المعصومين،وما يتبع ذلك..ممثلو الشعب وكبار موظفي الدولة والشيخ والاغا والمقاول الكبير والتاجر والمرابي والاقطاعي،انه كفر وحرام.
ضحايا الغدر والاغتيال اليومية بكواتم الصوت لخيرة ابناء الشعب العراقي..هل تتصدى لها الشرطة الوطنية وقوات الحرس الوطني وتتابع خيوط جرائم مرتكبيها حقا؟وماهو مصير لجان التحقيق المشكلة اثر مجازر جسر الائمة،ومعتقلات تعذيب الجادرية،واختطاف موظفي دائرة البعثات في وزارة التعليم العراقية والعاملين في اللجنة الاولمبية و..و..؟من يغتال الصحفيين والفنانين والمثقفين والمهندسين وعمال ساحة الطيران وابناء الشعب الطيبين البسطاء؟من اغتال الخوئي؟العصابات السياسية تتبادل قصف المقرات السياسية بالهاونات والراجمات لتنزع ورقة التوت التي حاولت ان تغطي بها عوراتها الفاسدة قبل ان يحين موعد المتاجرة بفواجع الكاظمية والائمة وشارع المتنبي ومدينة الثورة الباسلة والاربعاء والاحد الداميين!تفجير صالونات الحلاقة النسائية والكنائس تحتل مواقعها في ديمقراطية حجب الحقائق والى حين!
وما يزيد الامر تعقيدا شيوع منهجية طمس الحقائق والسعي الى تطويعها وفقا للمصالح الطائفية والفئوية الضيقة في ظل الفوضى وغياب دولة القانون والدور الرقابي الفاعل للبرلمان،وفي اطار صراع المصالح،والاجراءات الحكومية الترقيعية،ومنهجية شراء السكوت المتبادل!هكذا تتحول ديمقراطية حجب الحقائق الى ادعاءات باطلة تتلاشى عند اول التحديات،علما ان حكومة ليس فيها من يعترف بتقصيره يكون مصيرها واحد من اثنين!اما الدكتاتورية او الفشل!ولازالت ذاكرة العنف الطائفي ملتصقة بجدران احياء بغداد والشوارع!
المعرفة والثقافة تهذبنا وتجعل منا بشرا يستحقون معنى الحياة،والجهل والطائفية والوشائج الاصطفائية تكبل ذواتنا داخل انانيتها وبدائيتها وحيوانيتها الأولى.ولا غرابة ان المجتمعات التي تسود فيها قيمة العقل والثقافة هي مجتمعات اقل فسادا واقل عنفا.متى تنتصر الحياة اللانهائية على النصوص المنتهية والجامدة؟متى تنتهي سيرة العشاق والضحايا في آن؟ان العقلية المؤسساتية العصرية عقلانية الطابع تحكم العقل في التفكير والسلوك وتنبذ الفردية في اتخاذ القرارات ورسم السياسات وتقوم على صرحها العلمانية،اي التفكير الاجتماعي القائم على فصل الدين عن الدولة،والحماية الحقة لحرية الدين والعقيدة والفكر والابداع،وبالتالي المجتمع المدني!
ان تجريد العراقيين من الاطر الاصطفائية المتعصبة مهمة دقيقة وشاقة فهذه النزعات ذات مضار .. وينبغي التأكيد على مضارها بتدرج وصبر طويل.ومادامت الديانات السماوية نفسها لم تتمكن من انجاز مهمة دحر الطائفية والعشائرية فلابد من تشخيص هذه الولاءات الضارة مجددا ووضع اسس طويلة الامد لرفع المتورطين بها الى درجة الانتماء الوطني.فالدين لله والوطن للجميع!وذلك بحد ذاته نضال مرير لأن الذي يكتسب المناعة لعدة قرون ليس من الهين الغاؤه في بضع سنوات!ومن هنا تتأتى النظرة الموضوعية!نعم،الطائفية السياسية مقوض تاريخي لأي بناء دستوري ديمقراطي منشود،ولا يمكن لأي انسان عاقل ان يطرح على مجتمع متعدد القوميات والأديان والمذاهب والاتجاهات الفكرية السياسية مثل العراق اقامة نظام سياسي طائفي او قومي،ومن يمارس ذلك فهو مصاب بلوثة عقلية لا محالة،بغض النظر عن من يكون هذا،مع كل الاحترام للمذهب الذي يؤمن به!
القضاء على الطائفية السياسية لا يمكن الا بفصل الدين عن الدولة،ومنع ان يكون الدين والمذهب محركا سياسيا للأحزاب،ان لا تتضمنه برامجها ولا انظمتها الداخلية،ان لا يؤطر شعاراتها ولا تزين صور الأولياء والرموز الدينية دعاياتها.حرية الأديان مضمونة فقط في الدول الديمقراطية العلمانية،وليس في الدول الدينية.القضاء على الطائفية السياسية يمكن فقط عندما يبتعد الاعلام المرئي والمسموع عن بث البرامج الدينية الطائفية،ويتعامل مع الارهاب ليس برؤية طائفية بل برؤية قانونية ليعتبره اجراما وليس واجبا دينيا او جهادا منصوص عليه بالكتب السماوية.
ما يحتاجه العراق هو وحدة الصف وبناء النظام الديمقراطي العلماني والولاء للوطن ونبذ الطائفية ونشر ثقافة روح التسامح وقبول الآخر المختلف،والعمل وفق شعار الدين لله والوطن للجميع – الدين لله والدولة للجميع!الشعب العراقي في وادي والحكام في وادي آخر،والصراع يتفاقم بين القوى السياسية التي تؤمن بالديمقراطية والبناء الديمقراطي للدولة المدنية وبين القوى التي تريد تحويل السلطات الى مغانم ومراكز نفوذ وشبكات فساد مالي تكون حاضنة للارهاب والفاسدين والعودة الى لغة السلاح والدخان والانقلابات السياسية والعسكرية!.
التيار الديمقراطي والقوى السياسية لحركة شعبنا الوطنية ليست مجرد جمع جبري هندسي اداري ائتلافي توافقي تعشيقي بل بالاساس قائمة على مناهضة الطائفية السياسية ومؤسسات الولاءات دون الوطنية المغروسة في سايكولوجية المواطن،ومقارعة الاقطاع الطائفي السياسي داخل الوزارات والمؤسسات ذات العلاقة والمحاصصة وفق الولاءات الاصطفائية ونهب خزائن الدولة وهبات اعادة الاعمار لتمويل الأرهاب وملء الجيوب!

بغداد
2 ايار 2012