الرئيسية » مقالات » المالكي … إلى أين؟

المالكي … إلى أين؟

منذ أكثر من نصف قرن (1954) صدر كتاب وعاظ السلاطين لعالم الاجتماع العراقي الكبير الأستاذ الدكتور علي الوردي, وكان واحداً من ابرز وأهم الكتب التي صدرت في تلك الفترة في العراق والذي حظي حينذاك وحتى الآن باهتمام كبير من جانب علماء علم الاجتماع والقارئات والقراء في آن. واليوم يحس من يقرأ هذا الكتاب وكأن الكاتب يتحدث عن هذه الفترة التي يعيش تحت وطأتها الشعب العراقي. فهو يقول بوضوح تام:
“لقد حكم الطغاة هذا البلد أجيالاً متعاقبة. فاعتاد سكانه بدافع المحافظة على الحياة أن يحترموا الظالم ويحتقروا المظلوم وأخذ مفكرونا يصوغون مثلهم العليا صياغة تلائم هذه العادة الاجتماعية اللئيمة. إن شر الذنوب هو أن يكون الإنسان في هذا البلد ضعيفاً فقيراً”. (د. علي الوردي. وعاظ السلاطين, المقدمة, ص 14).
هذه الفقرة القصيرة والمهمة تؤكد واقع وجود خمس ظواهر سلبية في العراق, والمؤسف حقاً إنها ما تزال موجودة وفاعلة ويعيشها المجتمع يومياً:
1. فظاهرة الحاكم الظالم أو الطاغية كانت وما تزال القاعدة المستمرة والفاعلة في العراق, وهو الخيط الذي شد ويشد الماضي بالحاضر ويشكل صورة الحاضر بالكثير من تفاصيله.
2. وظاهرة الأكثرية الساكتة على الظلم والخشية من الظالم بسبب قسوته واستخدامه اساليب تروع الناس.
3. ثم ظاهرة وعاظ السلاطين الذين يدعون ممارسة الفكر المستقل عن السلطة ولكنهم هم يساهمون في تكوين المستبد بأمره ويسعون إلى تحسين صورته وتكريس هذه الظاهرة العدوانية في المجتمع وضد المجتمع.
4. إن هذه الظاهرة السلبية هي جزء من واقع اجتماعي ما يزال يسود العراق, سواء من حيث طبيعة علاقات الإنتاج السائدة فيه أم من حيث هيمنة الفكر السلفي والعواقب الناشئة عنهما في الحكم والمجتمع.
5. وإن الفقراء, وهم يشكلون نسبة عالية من سكان البلاد, يعانون من ويلات هؤلاء الحكام ووعاظهم, في حين يتمتع الأغنياء ونهابة المال العام بصيغ الفساد المنتشرة والوعاظ بمكانة محترمة في الحكم وخارجه.
إن واقع المسيرة العراقية الراهنة تشير إلى سير البلاد على هذا الطريق الموروث بعد أن أصبحت يافطة قائمة الحاكم بأمره “دولة القانون” صفراء فاقعة اللون لصالح مشروع الحكم الطائفي في البلاد, إذ لم يكن تصريح رئيس الوزراء بأنه أولاً وثانياً وثالثا شيعي الهوية وعراقي بالتسلسل الثالث أو الرابع, سوى تأكيدا لهذه المسيرة المليئة بالمخاطر للشعب العراقي ومستقبل البلاد.
وأخيراً حسم رئيس الوزراء, كما يبدو, أمره باتجاهين:
أ‌. تشديد الصراع على الصعيد المحلي وشن حملة ظالمة ضد القوى الديمقراطية والعلمانية وإعادة إنتاج الفكر الرجعي المناهض للمدنية والعلمانية والديمقراطية, إضافة إلى تشديد الصراع مع القوى المتحالفة معه والتي يشعر أنها منافسة له في قيادة الحكمً.
ب‌. تشديد الصراع على مستوى الإقليم من خلال شن حملة شعواء ضد تركيا من جهة, والقبول باحتضان إيران التبعي للحكم الطائفي وله (المالكي) في العراق من جهة ثانية.
إن المشكلتين ستثيران للعراق مصاعب جمة يعاني من عواقبهما الشعب العراقي بكل قومياته وأتباع أديانه ومذاهبه واتجاهاته الفكرية والسياسية. إن هذه السياسية ستصب الزيت على النيران المشتعلة في العراق, ستزيد من الصراع وتحوله تدريجاً إلى نزاع ساخن, وستنشط الإرهاب الدموي وتزيد من حركة وفعل القوى الفاسدة الناهبة لموارد العراق بطرق شتى.
لقد كان العربون الذي قدمه المالكي لإيران قبل زيارته لها لتأمين احتضانه وتحسين علاقاته بالقوى الصدرية قد تبلور بعدة مواقف نشير إليها كرؤوس أقلام:
** تفجير الصراع مع القائمة العراقية عبر الموقف من طارق الهاشمي وخلط الأوراق السياسية بالقانونية وتعقيد القدرة على عقد المؤتمر الوطني المطلوب.
** تشديد الصراع مع التحالف الكردستاني الذي قوبل برد فعل مماثل مما زاد من صعوبة عقد المؤتمر الوطني وحل المشكلات بأسلوب تفاوضي ديمقراطي هادئ ورصين.
** اعتداء قوات عمليات بغداد على مقر طريق الشعب واعتقال حراسه واستفزازهم ومصادرة بعض أسلحة الحراس.
** الخطاب العدواني الذي ألقاه المالكي في الذكرى السنوية لإعدام محمد باقر الصدر والذي هاجم فيه الماركسية والعلمانية بأمل إثارة أحقاد وضغائن الماضي والاستعداء ضد القوى الديمقراطية والعلمانية. إنه الثمن الذي يجسد بؤس الثمن المدفوع لإيران للاقتراب منها والسقوط في احضانها.
إن رئيس الوزراء العراقي يلج درباً خطراً, درباً لا يقوده إلى الشموخ والعزة والكرامة, درباً سلكه العديد من الحكام من قبل وسقطوا في الحفرة التي حفروها لغيرهم.
25/4/2012 كاظم حبيب