الرئيسية » مقالات » قاسم والمالكي.. مقارنة لا محل لها من الإعراب؟!!

قاسم والمالكي.. مقارنة لا محل لها من الإعراب؟!!

كتب الدكتور عبد الخالق حسين، مقالة نشرت في “الجديدة” قبل عدة أيام، تحت عنوان “قاسم والمالكي بين زمنين، التشابه والاختلاف” حسب علمي، هذه ليست المرة الأولى التي تقابل مقالات الدكتور عبد الخالق حسين الأخيرة باستغراب وانتقاد القراء…
بداية أنا اتفق مع الدكتور في الصفات التي أطلقها على الزعيم عبد الكريم قاسم، “بكونه مثالاً للإخلاص الوطني ونزاهة اليد وعفة اللسان وحبه للفقراء، وبالمنجزات التي قام بها في فترة وجيزة وهي الأربع سنوات من حكمه”، ولكن هل تنطبق هذه الصفات على رئيس وزرائنا، المالكي؟، كيف لرئيس حزب إسلامي ديني طائفي أن يكون وطنياً؟!
هل الوطنية بإعلان بغداد عاصمة للتشيع، والتأكيد على أنها ستبقى كذلك؟، لقد تعلمنا في العراق معان كثيرة في الوطنية؛ فالكل وطني والكل نزيه، والشعب هو من يدفع الثمن. لقد خلطت الأوراق في عراقنا وشوهت الصور، ليذهب كل واحد في تفسير المشهد بما يتطابق ونهجه في الحياة، وليرى الواقع من مفهومه الخاص، وليس من باب الوطنية، التي لها تعريف واحد ومحدد، تتفق عليه كل الشعوب.
قال الدكتور عبد الخالق: “ما يجري من تآمر من مختلف الجهات وبالأخص الدول الخليجية، ودعمهم الكبير لكتل سياسية رضيت أن تكون مطية لهم، على حساب مصلحة الشعب”..
اتفق مجددا مع الكاتب، ولكن لماذا يغفل أغلب كتابنا ومثقفينا ذكر الدور الذي تلعبه إيران في العراق ودعمها لكتل وشخصيات سياسية عراقية؟ لماذا هذه المحاولات لتبرئة إيران من كل ما يجري على الساحة العراقية من تدخلات واضحة وسافرة، وبعلم كامل وبموافقة مباركة من حكومتنا وعلى رأسها رئيس وزرائنا؟ ما هي الأهداف الأساسية من وراء زيارة المالكي الأخيرة لإيران؟ (وهذا موضوع يطول شرحه). ما هو الموقف من سوريا وهي بوابة من بوابات الإرهاب التي كان وما زال العراقيون يعانون منها ـ حتى أن رئيس وزرائنا حاول شكوتها للأمم المتحدة لدورها ذاك؟ سيدي الكاتب، المالكي كان أحد المتضررين من نظام البعث فهل لنا أن نعرف سبب دفاعه المستميت عن نظام بشار الأسد؟
يقول الدكتور حسين: “أن الزعيم كان منحازاً للفقراء مخلصا للعراق، نزيهاً عفيف اللسان، وكذلك السيد نوري المالكي”، في هذا الموضع، لن أتطرق إلى أبعد من مدينة الفقراء (مدينة الثورة) والتي بناها الزعيم، فماذا قدم المالكي لهذه المدينة غير تغيير اسمها ليتفق وسياسته، دون أن يجهد نفسه ليعيد لها اسمها الأول الذي شوهه النظام السابق بمنح منجز الفقراء هذا لاسم صدام. إن المبالغ التي تصرف على حمايات المسؤولين وأعضاء البرلمان، فقط، كفيلة ببناء عشرة مدنٍ للفقراء. متمنية أن لا يعزى ذلك للوضع الأمني لأن المستفيدين من الحمايات هم السياسيون وعوائلهم.
ومن نقاط التشابه التي ذكرها الكاتب قوله: “إن أعداء عبد الكريم قاسم كانوا يتهمونه بالانحراف” وقد فصل الأمر مشكورا بقوله: “البعثيون والقوميون يقصدون بانحراف قاسم معارضته للوحدة الوطنية، والانحراف كان بالنسبة للشيوعيين هو رفض قاسم إعلان الشيوعية، أما القوميين الأكراد فاتهامهم له كان بسبب رفضه للانفصال، والمرجعيات الدينية والدول الغربية اتهمته بالتخطيط لإعلان نظام شيوعي”.
لقد اختلف أعداء الزعيم بشان انتماءاته، وأنا اتفق مع الكاتب في هذه النقطة، لكن، عدم اتفاقهم هو بحد ذاته اعتراف كامل بوطنية هذا الرجل. وقد خان الكاتب التعبير بتشبيه اتهامات أعداء عبد الكريم قاسم باتهامات أعداء المالكي اليوم، فهم جميعا ورغم الخلافات التي بينهم، متفقين على كون المالكي شيعي صفوي (كما تفضلت) واتفاق الأعداء هنا يثير تساؤلات عدة يجب أخذها بعين الاعتبار، فالاتهامات لها أسباب خفية (وهو ما تعودنا عليه في السنوات الماضية من سياسيينا) والأسباب الظاهرة والتي لا تخفى عن العيان كمسالة دعم إيران للمالكي وإجبارها الصدر لتغيير موقفه الرافض لتولي المالكي رئاسة الوزراء، ولعل صورة رئيس وزراءنا بحضرة أحمدي نجاد كفيلة بتفسير الكثير.
“حكومة المحاصصة الطائفية” تعبير نسبه الكاتب لمعادي الشيعة في العراق، إن المحاصصة الطائفية تنخر الجسد العراقي وهي حاضرة في جميع التصريحات، والسيد المالكي وفي أكثر من مناسبة وخاصة أيام النزاعات لتشكيل الحكومة اعترف علنا بتقسيم الوزارات والمناصب طائفياً، وبالتالي فهذه العبارة لا يمكن أن تطلق إلا على الحكومة العراقية فهي مطابقة لواقع مرير لا يمكن لأحد نكرانه، فمن الظلم تشبيه شخصية من الشخصيات السياسية العراقية الحالية كثر الجدل حولها، بشخص الزعيم عبد الكريم قاسم الذي رفض المحاصصة ونبذها. كما أن التطرق لمسالة مهمة وهي “أن الزعيم قاسم جاء إلى الحكم عن طريق انقلاب عسكري (بينما المالكي) استلم رئاسة الحكومة عن طريق الانتخابات”،
الفرق هنا أن عبد الكريم الذي جاء بانقلاب عسكري كان بإمكانه الانفراد بالسلطة ولكنه فضل مشاركة جميع الأطياف على عكس المالكي الذي وصل للسلطة عن طريق صناديق الاقتراع ليحاول الآن جاهدا إبعاد منافسيه والانفراد بالسلطة. ومهزلة الكتلة الأكبر معروفة أيضاً للكاتب، (فهو يعيش في بلد الديمقراطية الأول). فمن يرفض المحاصصة لا يعمل بها ومن يرفض الاحتلال لا يشارك في العملية السياسية. هذا ما يقوم به الوطنيون الحقيقيون. والقول بأن حزب المالكي (الدعوة) رفض التدخل الأمريكي في إسقاط حكم البعث، لكن بعد إسقاطه صار أمام الأمر الواقع، إن رفض حزب الدعوة للتدخل الأمريكي في العراق والتخلص من نظام البعث المقبور كان حسب مبدأ “التقية” التي ينتهجها كثير من ساسة عراق اليوم. فليس خافيا عن العراقيين وخاصة من يعيشون في لندن، أن الأشيقر، رئيس حزب الدعوة في ذلك الوقت قبل انشقاقه كان يقف عند باب مؤتمر لندن ويجري الاتصالات مع المعدين للتدخل العسكري منتظرا دخول قوات التحالف للعراق ليستلم حزبه، حزب الدعوة السلطة ويصبح الاشيقر، الجعفري، ومن ثم المالكي رئيساً للوزراء، ومن يستطيع أن يأخذها؟ وهذا المبدأ ليس بعيدا عن إيمان المالكي بالديمقراطية وبصناديق الاقتراع التي رفض نتائجها وفضل التمسك بكرسيه ورفض تسليم السلطة آنذاك للقائمة الفائزة مما أبقى البلد مدة تزيد عن العام بغير حكومة ودفع الشعب خلالها الكثير من الأرواح لتصفية حسابات بين أطراف كان همها الوحيد بعيدا كل البعد عن مصلحة البلد، ولم يكن يدفعها سوى مصالح شخصية وفئوية.
إن كان المالكي بما قدمه للبلد وللعراقيين جدير بأن يكون كما أطلق عليه “رجل المرحلة”، فأنا أسأل والكاتب يعيش في بريطانيا وقريب من واقعها، أليس قليلاً إطلاق لقب سيدة المرحلة على السيدة تاتشر بعد كل ما قدمته لبلدها!؟ فأي مرحلة هذه التي المالكي رجلها؟.
لست مضطرة هنا أن أدافع عن القوى الوطنية، الليبرالية، العلمانية واليسارية واتهام الكاتب الصريح لها بمحاولات تعطيل المسيرة الديمقراطية في البلاد، وهو شيء غير مفهوم إطلاقاً. أليس الكاتب محسوبا على القوي اللبرالية، أو كما يدعي نفسه؟ فربط انتقاد القوى الوطنية العراقية بكل تصنيفاتها بهذه التهم يتفق مع الحملة التي تشنها مؤخراً قوى الإسلام السياسي وعلى رأسها المالكي وتصريحاته الأخيرة بتكفير جميع هذه القوى. سأترك هذا الموضوع رغبة مني لتقييم القارئ لهذه النقطة بالذات.
إن الكثير من العراقيين في مختلف التنظيمات ينشدون بناء عراق جديد، ولا يتفقون مع سياسة المالكي الداخلية والخارجية ولربما يعتبرون أن فترة حكم المالكي هي أصعب فترة مرت بالعراق، ولا أعتقد أن الدكتور عبد الخالق يشك بوطنية هؤلاء، خصوصاً أن من بينهم من ساهم بشكل ما في المساعدة بتغير النظام الصدامي، ومنهم أصدقائه من خلال كتاباتهم في هذا الجانب.
إن عدم الإطاحة بالمالكي لا تعزى إلى “فشل خصومه السياسيين” كما ذكر الكاتب، ولكن الأجندات الخارجية والدول التي تدافع عن مصالحها الواضحة في العراق وراء الكثير مما يحدث على الساحة العراقية، وكذلك المنازعات المستمرة للوصول للسلطة، والتحالفات التي كانت تطفو على السطح بين الحين والآخر، حالت دون اتفاق هذه الأطراف لبناء عراق جديد بدون هيمنة أحزاب الإسلام السياسي ومن ضمنهم المالكي وحزبه. وليس خفيا عن الكاتب سياسة (فرق تسد) التي لعبت دوراً مهماً في تشتيت القوى الوطنية العراقية.
العراق يحتاج إلى أقلام كتاب جادون لفضح كل من يحاول النيل منهم وإهدار حقوقهم وفرض أيدلوجيات بعيدة عن التنوع الفكري والديني والسياسي الذي يعيشونه. إنهم يحتاجون إلى قلم عبد الخالق حسين “القديم” لفضح الفساد المستشري في البلد، وتعرية من يقف خلفهم، (وليس ببعيدة قضية السوداني عن “حزب الدعوة” وغيرها الكثير)، بدل إطلاق تشبيهات بعيدة كل البعد عن الواقع، تأخذنا بعيدا عن قضية مهمة اسمها عراق ما بعد صدام.

April 24, 2012 
أوراس الكيلاني