الرئيسية » مقالات » الاول من ايار ما أشبه الليلة بالبارحة

الاول من ايار ما أشبه الليلة بالبارحة

كان الاول من ايار عام 1973في بغداد ساخنا بامتياز ليس بسبب ارتفاع درجات الحرارة فقط ، بل لان الوضع السياسي كان ملتهبا ايضا. في ذلك اليوم هتفنا نحن الطلبة في ملعب الشعب للجبهة الوطنية التي كنا نؤمل ان تكون بداية الديمقراطية التوافقية في العراق، وهي التي سوف تخرجه من مسلسل الانقلابات العسكرية، ومن حكم الحزب الواحد وتسلطه وحربه ضد القوى الديمقراطية .
قوبل هتافنا بالضرب والركلات من قبل جلاوزة النظام وزبانيته، ورغم انه كان بداية الغيث للقمع الواسع القادم، اذ لم نكن نعرف ان احتفالنا بالاول من ايارعلناً ولاول مرة ، يعني اننا دسنا على ذيل الثعبان القابع في جحره المظلم، وكان رد فعله الاول انه طلب رأسنا، وجمدت منظمات المجتمع المدني الديمقراطية ومنها التنظيمات العمالية الديمقراطية، بحجة الحفاظ على المنجزات ، وقبلنا بالنقابات الصفراء كممثل وحيد للحركة العمالية النقابية، وامعانا في اذلال شعبنا لم يكتف النظام المقبور في ذلك، فحتى هذه النقابات حلها واقتصر التنظيم النقابي على القطاع الخاص ، بعد قراره تحويل عمال القطاع العام الى موظفين في محاولة لامتصاص النقمة العمالية، من خلال اعطائهم امتيازات الموظفين على ضآلتها، بالاضافة الى خلق وهم، بانها انهت الصراع الطبقي بين المستغل والمستغل.
ولم تمر سنوات حتى حطمت حادلات النظام رؤوس النقابات الصفراء في مجزرة 1979 التي افتعلها الطاغية ضد رفاقه، معلنا في ذلك بداية الحملة الواسعة للقمع والحرب ضد الشعب، الذي جر الى خراب اكبر!
ومعروف ان نتيجة تأمين الحياة السياسية انها انتهت بمخططيها في الجحور. وكان المشهد الاخير للدكتاتور معروفا للقاصي والداني.
ويحاول البعض اليوم تكرار المشهد (الصدامي) في ابتلاع منظمات المجتمع المدني ومنها التنظيمات النقابية، وابعاد الوجوه المعروفة بتاريخها النضالي من خلال الاغتيال (الشهيد النقابي هادي صالح مثلا) او الاقصاء اوالتهديد . دون ان يعرف ان هذا الطريق سيقوده الى الدكتاتورية وجلب الكوارث، وإنه يكرس سياسة العنف المدني الذي يكون مقتلا للديمقراطية ودولة القانون والمواطنة ، والقوى الديمقراطية استوعبت الدرس ، لذلك فهي لا تفرط بتنظيمات المجتمع المدني، وهي غير راغبة في دكتاتورية يسارية كانت أو يمينية.
كما ان الاول من ايار هو شعلة الشغيلة العراقية كافة من اجل التحرر وارساء الديمقراطية وبناء أمة عراقية جديدة باطيافها القومية والمذهبية المختلفة، تُحترم فيها آدمية الانسان في السكن والرعاية الصحية والضمان والحرية وتزدهر فيها الثقافة الوطنية التقدمية ومبدعيها ، لا مكان فيها للفساد ونهب المال العام، وهو مطلب لن يتحقق في ظل تكريس سياسة الولاءات الطائفية وتكريس سياسة المحاصصة والنهب.
ربما يتكرر مشهد الضرب والاعتقال في احتفال الاول من ايار القادم على طريقة التعامل مع تظاهرات ساحة التحرير، وقد…وقد .. ولكن (دون كيشوت) الجديد القادم من دفاتر الماضي لن يحارب طواحين الهواء، بل سيحارب نفسه، كما تقول مرآة الواقع. ونهاية الرجل الحديدي الصدىء على حد تعبير الشاعر عبد الكريم كاصد.

طريق الشعب العدد 172 الأثنين 30 نيسان 2012 الصفحة 8