الرئيسية » مقالات » السلطة الطائفية خطر على كيان الدولة

السلطة الطائفية خطر على كيان الدولة

هناك سؤال اشكالي اثار الكثير من اللغط منذ انهيار نظام البعث الدموي وليومنا هذا حول شكل الحكومة في العراق، ان كانت تمثل كل العراقيين ام انها حكومة محاصصة طائفية – قومية جاءت الى السلطة وفق توافقات سياسية كان مرسومة لها حتى قبل انهيار النظام الدموي السابق؟ اي عندما كانت القوى المهيمنة على السلطة اليوم في صفوف معارضة ذلك النظام الذي حرم شعبنا لعقود من حياة كريمة، تلك السلطة التي مارست سياسة طائفية وعنصرية ضد مكونين عراقيين كبيرين كشيعة العراق وخصوصا بعد سحقها الهمجي للانتفاضة الآذارية، ودك المدن والمراقد الشيعية المقدسة بالصواريخ والاسلحة الثقيلة ليذهب ضحيتها عشرات الالاف من الابرياء ولتتناول صحافتهم واعلامهم العرب الشيعة باسوأ الاوصاف التي لم تتوانى عن استخدام العديد من الكلمات غير الاخلاقية تلك التي هي جزء من ثقافة البعث الساقط، ولتتهمهم بانهم ليسوا عربا وما الى ذلك من اتهامات لا تقول بها الا عقول مريضة كعقول البعثيين. وكذلك الكرد الذين مارس البعث ضدهم اسوأ عمليات الابادة الجماعية خلال عمليات الانفال سيئة الصيت والسمعة التي ذهب ضحيتها ما يقارب ال 180000 أنسان بريء وتدمير ما يقارب 5000 قرية واستخدام الاسلحة الكيمياوية في قصفهم لمدينة حلبجة الشهيدة ليقتل فيها خلال دقائق ما يربو على ال 5000 مدني اعزل، في اول جريمة من نوعها يستخدم فيها نظام اسلحة كيميائية ضد جزء من ابناء “شعبه”، اضافة الى تهجيره لالاف الاسر الكردية الفيلية وتغييب الالاف من شبابهم ناهيك عن الفضاعات الكبيرة التي ارتكبها ضد المكونات الدينية والقومية الاخرى.

وكان المفروض من قوى المعارضة ان تتعلم الكثير من الاخطاء التي وقع فيها نظام القتلة قبل سقوطهم، واهم تلك الاخطاء هي ممارسة ذلك النظام الساقط للسياسة الطائفية والعنصرية والتي ساهمت بتطبيقاتها في اجهزة الدولة وخصوصا في الحلقات الضيقة العليا المهيمنة على جميع القرارات المصيرية، تلك القرارات التي كانت سببا في في جميع الجرائم التي ارتكبت بحق شعبنا ووطننا. تلك الجرائم دفعت المجتمع الدولي الى فرض حماية للمدنيين من شرور السلطة المنهارة واجرامها ولتنحسر سطوة الحكومة المركزية عن اجواء ومساحات واسعة من التراب الوطني ، ولتكون في نهاية المطاف ولرعونة ومغامرات الطائفيين البعثيين وعنصريتهم سببا في احتلال البلد. ولكن الذي حدث للاسف الشديد وبعد سقوط نظام البعث الاجرامي هي عودة قوى المعارضة من تلك التي تهيمن على المشهد السياسي اليوم الى البلد مُحَمّلة بنفس الارث المقيت للبعث اي الطائفية، ولتستخدمها كسياسة ثابتة على رغم معاناتها وشعبنا لعقود طويلة من شرورها. ولتجعلها (الطائفية) منهجا للحكم في بلد متعدد القوميات والاديان والمذاهب دون ان تعي اخطارها المستقبلية وما قد تسببه من مشاكل كبيرة وخطيرة، اخطرها سيكون تقسيم البلد او اضعافه لسنوات طويلة قادمة بعد تحويله الى كانتونات متحاربة ليدفع ثمنها في النهاية المواطن العراقي. وما الحرب الطائفية التي اندلعت شراراتها اثر تفجير المرقدين الشيعيين في سامراء الا ثمرة اولية لنزاع طائفي قد يندلع في اي وقت، اذا لم تسارع القوى السياسية ذات الشأن لتفاديه عبر حزمة من التشريعات الدستورية لتقطع فيه الطريق عن المغامرين وصبيان السياسة في ركوب موجتها. والتي من الممكن ان تتطور الى حرب داخلية قومية في ظل ما اشبه الفراغ السياسي في البلد اليوم وغياب الحكمة عند السواد الاعظم من المتصدين للشأن السياسي، والتي ستؤدي الى تشظي البلد خصوصا وانها ستجر اليها مكونات قومية ودينية ومذهبية اخرى قد تكون غير مساهمة بفعالية في الصراع الطائفي –القومي لليوم، الا انها ستصطف حسب مصالحها وموقعها الجغرافي الى جانب هذه القوة او تلك حال اندلاع هذا الصراع. هذا الصراع الذي تغذيه اليوم قوى اقليمية بدأت تعزف علنا اليوم لحن الطائفية النشاز، بالتحدث عن حمايتها لهذه الطائفة او تلك ولتتدخل بشكل سافر في شؤون البلد عبر تصريحات وقحة، لاتُفَسَر الا من انها اذكاء لنار الخلاف بين طبقة السياسيين الطائفيين الذين يعتبرونها في هذه اللحظة بالذات كهدية من السماء لتقوية وضعهم السياسي الذي يثير الكثير من الاسئلة على مستوى الشارع، بعد فشلهم خلال السنوات التسع الماضية في بناء دولة والبدأ باعمار البلد الذي ورث من عهد البعث الفاشي خرابا على مختلف الصعد.

ان “الدولة” العراقية اليوم تستمد “قوتها” وديمومتها ووجودها من هذا الصراع الطائفي الذي نشهده اليوم والذي تديره احزابا طائفية بامتياز. هذه الاحزاب التي لاتتحمل الديموقراطية التي تتنافس فيها احزابا سياسية ذات برامج وطنية كنهج للحكم ولا الفدرالية الحقيقية كنموذج لان فيه مقتلها، ولذا نراها تعمل وفق سياسة اللعب على عامل الوقت لترسيخ سياساتها الطائفية ولزرع اليأس عند المواطن وارعابه، من المخاطر التي سوف تتعرض له طائفته عند غلبة طائفة اخرى، او في حالة ان تملي “الطائفة” شروطها لأغلبية عددية كانت ام لدعم طائفي غير محدود من دول اقليمية عندما تكون أقلية عددية. ان هذه القوى الطائفية تعمل اليوم على ان تمسك بأزمّة السلطة لتسوّق من خلال ركام الخراب الذي عمّ الوطن شعارات “مركزية الدولة” وقوة المركز، اقول شعارات لان قوة المركز في النظام الفدرالي كما العراق اليوم اذا كان وفق آليات دستورية هو قوة للدولة على كامل تراب وطنها، وهذا لايثير في هذه الحالة شعورا بالقلق من قبل اقليم او اقاليم تبنت الفدرالية والتعددية كنموذج للحكم. ولكن المشكلة الاساسية التي يقفز عليها متحاصصوا السلطة في بغداد من الباحثين عن قوة المركز، هي ان هذه القوة كي تكون موجودة فانها بحاجة الى شرط اساسي وهو الغاء الطائفية. فلا وجود لسلطة مركزية او مركز قوي في ظل نظام فدرالي بوجود نظام توافق سياسي او ما يسمى بالشراكة الوطنية اليوم في بغداد، وبمعنى آخر فان وجود مركز قوي بحاجة الى نبذ الطائفية والعمل على ان تكون هناك اغلبية سياسية على اساس برنامج مدني لهذه الاغلبية وليس اعادة انتاج نفس المفاهيم الطائفية بلغة اخرى.

ان الطائفية في العراق اليوم لاتشكل خطرا على السلطة اطلاقا لانها بكل بساطة تمتلك السلطة وبكلمة ادق هي السلطة نفسها، ولكن خطرها الحقيقي يكمن في تهديد وجود الدولة وبقائها من عدمه. ومن خلال مراقبة القوى الاجتماعية للطوائف ومساحة تحركها وتداخلها نستطيع القول ان الطائفية في العراق لايمكن الاشارة اليها كقضية دينية تحركها احزاب سياسية، قدر ما هي قضية سياسية تحركها احزاب دينية على الضد من مصالح قوى اجتماعية متباينة في ولائتها الطائفية او المذهبية. وهذه القوى الاجتماعية تستطيع ان تتعايش مع بعضها بعيدا عن الشد الطائفي عندما تمثلها احزاب سياسية علمانية تؤمن بالديموقراطية لبناء مجتمع خال من الاضطهاد، وليس احزابا دينية تؤمن وتبشر بمعاداتها للتنوع الفكري والعقائدي في البلد، من التي فشلت لليوم حتى في توفير ما تحتاجه ابناء طوائفها ناهيك عن شعبنا باجمعه على الرغم من قيادتها للسلطة.

يأتي على الناس زمان لا يُقرّب فيه الا الماحلُ ولا يُظَرّف فيه الا الفاجر ولا يُضَعّف فيه الا المُنِصف (الامام علي “ع”).

زكي رضا
الدنمارك
27/4/2012