الرئيسية » مقالات » تحية إلى عمال العراق, إلى منتجي ثروة البلاد

تحية إلى عمال العراق, إلى منتجي ثروة البلاد

عرف العراق شغيلة اليد والفكر منذ القدم, وفي كافة العهود, وسواء أكانوا عراقيين أم عبيداً أجبروا على أن يكونوا كذلك بعد أن جلبوا من أفريقيا وفرض عليهم العمل في اشغال شتى. فالناس الذي جلبوا من افريقيا, وخاصة من شرق وشمال افريقيا ومن السودان إلى العراق, حُوِلوا إلى عبيد جرى استعبادهم واستغلالهم في أعمال شتى في مدن مثل الأُبُلُّة, “الأبلة: بضم الهمزة والباء واللام المشددة، مدينة بالعراق بينها وبين البصرة أربعة فراسخ ونهرها الذي في شمالها، وجانبها الآخر على غربي دجلة، وهي صغيرة المقدار حسنة الديار واسعة العمارة متصلة البساتين عامرة بالناس المياسير وهم في خصب من العيش ورفاه (الموسوعة الحرة), وواسط والبصرة وبغداد وغيرها من المدن العراقية”. جرى استغلال هؤلاء السكان الجدد من قبل المُستوردين لهم الذين باعوهم لأغنياء العراق والإقطاعيين, اضافة إلى كادحي الريف من الأنباط, أبشع استغلال في المجالات التالية:
• في كسح السباخ المتجمع في الأراضي في مناطق جنوب العراق بشكل خاص لجعل الأرض قابلة للزراعة ومن أجل جمع الملح وبيعه من قبل مستغليهم.
• في حراثة وزراعة الأرض وفي بساتين النخيل.
• في فتح الترع والأنهار وكريها وإقامة السدود على الأنهار.
• في البناء وإقامة أسوار البساتين والمدن وفي نقل البضائع.
• في كبس التمور وإنتاج الدبس وحلج الأقطان وفي أعمال يدوية أخرى عديدة.
في الخدمة في قصور الحكام وفي البيوت.
• كما إن الكثير من النساء استخدمن في بيوت الدعارة.
ونتيجة لهذا الاستغلال والظلم الذي تعرض له هؤلاء الناس, ظهرت حركات فكرية وسياسية مناهضة للنظم اسياسية والاجتماعية التي مارست ذلك وسمحت لممارسته من قبل الفئات المالكة للأرض والأغنياء والحكم. ومن بين تلك الحركات كانت قوى ثورة الزنج بقيادة علي بن محمد, وحركة القرامطة الشهيرة التي برزت في الكوفة وما جاورها وانتشرت وأقامت دولة لها في البحرين دامت عقوداً طويلة كتبت على مدخل المدينة “لا طعام لمن لا يعمل” في دفاعها عن الشغيلة والمنتجين وضد الظلم والاضطهاد والاستغلال البشع. ولم يسكت نضال الشغيلة والكادحين على امتداد الفترات التالية وأن كان بأساليب وأدوات مختلفة بما فيها ثورة البابكية, نسبة إلى بابك الخرمي, ومضمون فكر هذه الثورة التقدمي قياساً لزمانه.
كان هذا في فترة الحكم العباسي وما بعده في العراق. إضافة إلى بروز عمال في صناعات حرفية أخرى كثيرة عرفت في مختلف أنحاء العراق, وهم الذين شكلوا في حينها الكثير من التنظيمات الحرفية لجماعات العمل المعروفة في العراق. وهم الذين شكلوا نواة الطبقة العاملة العراقية الحديثة.
بدأ تشكل الطبقة العاملة العراقية الحديثة مع نهاية الحكم العثماني وبداية السيطرة البريطانية على العراق في خمسة مجالات أساسية هي: عمل النقل التجاري, وعمال البناء وإنتاج الطابوق والأسمنت فيما بعد, وعمال التنقيب عن البترول واستخراجه, وعمال السكك الحديد والموانئ, وعمال الغزل والنسيج والسجاير. وإذ ارتبط البعض من هؤلاء العمال بالرأسمال الوطني وأرباب العمل العراقيين, فأن البعض الآخر قد ارتبط بالرأسمال الأجنبي, كما كان الحال مع عمال النفط والسكك الحديد والمؤانئ.
وتصلب عود العمال ونما وعيهم إحساسهم بوحدة مصالحهم مع أول معركة خاضوها ضد شركة نفط كركوك حين اضرب العمال في العام 1946 مطالبين بتحسين شروط العمل وتحسين الأجور والنقل …الخ, فجوبهت بنيران الشرطة العراقية وحراس الشركة الأجنبية, بالرغم من ابتعاد الحركة عن العنف أو استفزاز الدولة بتحريض مباشر من الشركة الأجنبية وموافقة الحكومة العراقية على ضرب المضربين المتجمعين في بستان كاورباغي حيث سقط العديد من الشهداء والجرحى, وهم من أوائل شهداء الطبقة العاملة العراقية. ثم برزت بصورة جلية في إضراب السكك الحديد والسجاير وغيرها.
ثم نمت الطبقة العاملة في الخمسينات والستينات والسبعينات لتشكل طبقة اجتماعية لها خصائصها المميزة وفئاتها العديدة ونقاباتها والقوى السياسية التي تلتزم قضاياها وتدافع عنها كما برز واضحاً في الميثاق الوطني وسياسات ومواقف الحزب الشيوعي العراقي وقوى يسارية وديمقراطية أخرى على امتداد العقود المنصرمة.
وفي مختلف العهود تعرضت الطبقة العاملة إلى الاستغلال والاضطهاد التي تجلت في ضآلة الأجور وطول ساعات العمل, إضافة إلى سوء شروط وظروف العمل والاضطهاد ونقص الخدمات وحرمان الطبقة العاملة الحديثة التكوين من استخدام سلاح الإضراب والتجمع والنشر والتظاهر والتنظيم دفاعاً عن مصالحها. ولعبت النقابات في فترات مختلفة دوراً إيجابياً منذ تأسيس أول جمعية لأصحاب الصنايع التي قادها النقابي البارز محمد صالح القزاز, ورغم المنع المستمر وتزييف إراداتها في الكثير من الأحيان من جانب حكام البلاد.
في فترة عبد الكريم قاسم وفي السنتين الأولى والثانية حقق العمال الكثير من النجاحات في إقرار قانون العمل والعمال وفي تحسين ظروف عملهم وفي تقليص البطالة عبر التصنيع …الخ. ولكن لم تدم هذه الفترة طويلاً, إذ جاء انقلاب البعث وعانى العمال ضمن معاناة الشعب القاسية من القوى التي تحالفت لإسقاط الجمهورية الأولى ومارست الحكم حينذاك.
وفي فترة البعث الثانية نمت الطبقة العاملة عددياً وتحسنت في الفترة الأولى ظروف عمل العمال وتحسنت أجورهم ولكن فقدوا استقلالية نقاباتهم, إذ أخضعت بالقوة والقرارات الملزمة والمجحفة لإرادة حزب البعث والحاكم بأمره المستبد صدام حسين. وقاد ذلك إلى عواقب وخيمة على الطبقة العاملة والمجتمع من خلال تفاقم الاستبداد ومحاربة كافة القوى السياسية غير البعثية وبعض البعثيين ايضاً.
ومع بدء الحروب والسياسيات العدوانية ضد الشعب, فقد العمال الكثير من تلك المكاسب وتقلص عددهم وانهارت الكثير من المصانع أو دمرت عبر الحروب وتحول الكثير من العمال ومن فئات أخرى إلى فئة مهمشة وواسعة العدد. ورغم كل المصاعب كان العمال يسعون إلى الاحتفال بعيد الأول من أيار بصيغ شتى معبرين عن كونه يوم النضال من أجل وحدة الطبقة العاملة وأهدافها النبيلة ومصالحها المشتركة. وأجبر الكثير من الحكام على القبول بهذا العيد, رغم محاولاتهم تشويه معانيه وأهدافه.
واليوم لا يختلف وضع العمال عن الفترات السابقة. فالبطالة واسعة جداً والفئات الفقيرة والمهمشة كبيرة تماماً وتعيش على هامش الاقتصاد الوطني والأجور واطئة وشروط العمل قاسية والخدمات مفقودة إلى أبعد الحدود.
إن هذا الواقع يجعل من هذا اليوم يوماً للنضال من أجل استعادة الطبقة العاملة لمكانتها في المجتمع ومن أجل التنمية الاقتصادية وإقامة المشاريع الصناعية وتحديث الزراعة على اسس جديدة وتأمين تطور الحياة الاقتصادية وتحسين الأجور وظروف العمل والتمتع بالحرية والحياة الديمقراطية وحرية واستقلالية النقابات العمالية بعيداً عن تدخل السلطة وأجهزتها الحزبية والأمنية.
ولكن وما أن تقدم الحزب الشيوعي بطلب إجازة الاحتفال بهذا العيد حتى منع من ذلك وليس بكتاب رسمي بل عبر الهاتف؟ ماذا يعني ذلك؟ إنه استهتار واستخفاف كبيرين بالدستور وحقوق المواطنة وحق التظاهر يجب أن يدان هذا المنع ويرفع فوراً. إنه الطريق المعوج الذي يسلكه الحاكم بأمره إزاء الحركة العمالية والحزب الشيوعي العراقي والقوى الوطنية الديمقراطية والتقدمية, إنه السلوك الذي يسعى من خلاله ترويض القوى التقدمية وفرض سياساته كأمر واقع لا مرد له. إنها السياسة الجبانة التي تخشى الشعب وخاصة العمال والقوى المدافعة عن العمال.
جاء في التصريح الصادر عن الإعلام المركزي للحزب الشيوعي العراقي ما يلي: “في اعقد الظروف الامنية واحلكها، ظل الشيوعيون ينظمون فعالياتهم في مواقع غدت معروفة للجميع ـ وعلى وجه التحديد في ساحتي التحرير والفردوس، متحدين فلول الارهاب والقتلة. وكانت القوات الامنية تساهم سنة بعد سنة في حماية المتظاهرين، وترافقهم في مسيراتهم، وتعبر عن الارتياح لحسن تنظيمها وللالتزام الحضاري من جانب المشاركين فيها، ولروح التعاون التي تمتاز بها فعاليات الشيوعيين وجماهيرهم. وفي هذا العام ، وكما في المرات السابقة ، قدم الحزب الشيوعي العراقي طلبا رسميا الى الجهات الحكومية الرسمية، للحصول على ترخيص بتنظيم تجمع جماهيري ومسيرة من ساحة الفردوس الى ساحة التحرير. الا ان الرد كان هذه المرة مفاجئا تماما. فبعد مرور ثمانية ايام كاملة من تقديم الطلب، جاء تلفونيا ..بالرفض! وكانت الحجة التي سيقت تلفونيا كذلك، ان هناك تعليمات بعدم اجازة التظاهرات في ساحة التحرير، اما ساحة الفردوس ففيها اعمال ترميم وصيانة. وطبيعي ان هذه التبريرات لا تصمد امام المحاججة، لا سيما وان مظاهرة مرخصة خرجت في ساحة التحرير ذاتها في نفس اليوم الذي تم فيه ابلاغنا قرار رفض الطلب” ثم يشير التصريح إلى “أن هذا الموقف يثير استغرابنا الشديد،..”. إن هذا الموقف يجب أن لا يثير الاستغراب فحسب, بل والاحتجاج والإصرار على التظاهر لأن الحاكم بأمره يريد ترويض المجتمع بسياساته الرجعية والفردية, بسياساته التي تريد مصادرة الحريات العامة التي كفلها الدستور بأساليب مارستها السلطة الإيرانية قبل ذاك في إيران! ولكن هيهات أن تنجح مثل هذه السياسات القهرية في العراق إلا في ظل دكتاتورية مشابهة لدكتاتورية صدام حسين ولكنها لا تدوم طويلاً بل تسقط لا محالة طال الزمن أم قصر.
إن وحدة العمال ووحدة نقاباتهم الحرة والمستقلة وتضامنهم مع بقية فئات المجتمع تعتبر أهم الضمانات الفعلية لتحقيق أهداف الطبقة العاملة الآنية والحد من الاستغلال الشديد وغياب أو نقص الخدمات العامة وتحسين الأجور أو منع تظاهرات العمال في يوم عيدهم الكبير أو تجبر الحكام وعنتهم إزاء الشعب وحرياته.
بهذه المناسبة الحبيبة على نفوس العمال وكافة المناضلين من أجل حياة أفضل وحرية وكرامة وعمل الإنسان أحيي الطبقة العاملة العراقية ونقاباتها والمناضلين في سبيل تحقيق مصالحها وأرجو لهم جميعاً وللشعب العراقي أوضاعاً أفضل ونجاحاً في مكافحة الفساد المستشري, الذي يسرق قوت الشعب ونتاج عرق جبينهم, ومحاربة الإرهاب الدموي الذي يطال دوماً الكادحين من بنات وأبناء الشعب العراقي ومناهضة الحكم الفردي والاستبداد والتطاول على الحريات الديمقراطية والحياة الدستورية والاحتفال بهذا العيد الكبير بالرغم من رفض الجهات المسؤولة منح إجازة الاحتفال والتظاهر الشعبي والعمالي بعيد العمال العالمي في ساحتي التحرير والفردوس.

29/4/2012 كاظم حبيب