الرئيسية » شؤون كوردستانية » نحو المؤتمر الأول للتجمع العربي لنصرة القضية الكردية في أربيل

نحو المؤتمر الأول للتجمع العربي لنصرة القضية الكردية في أربيل

على امتداد نضال الشعب الكردي في العراق وخلال العقود المنصرمة وقفت قوى التيار الديمقراطي التقدمية العربية في العراق إلى جانب حقوق الشعب الكردي العادلة والمشروعة. وقد تجلى ذلك في برامج تلك القوى السياسية الديمقراطية وفي ممارساتها النضالية المشتركة. كما برز ذلك في المعارك النضالية الكثيرة في العهد الملكي وما بعده. واتخذت القوى التقدمية العربية مواقف إيجابية من هذا النضال ومن عدالة طرح حق تقرير المصير للشعب الكردي. ولكن لم يكن موقف كل العرب في العراق والدول العربية مؤيداً لنضال الشعب الكردي, بل كانت مواقف القوميين العرب اليمينيين والإخوان المسلمين بشكل خاص ضد ممارسة هذا الحق المشروع واعتبروا القوى الكُردية جماعات انفصالية و”جيب عميل!”, على غرار أكاذيب الدكتاتور الفاشي المقبور صدام حسين.
كانت كردستان العراق, وعلى امتداد العقود المنصرمة, مكاناً آمناً للمناضلين العرب من شيوعيين وديمقراطيين تقدميين ومستقلين للخلاص من ملاحقة وقمع واضطهاد الحكومات العراقية المتعاقبة في العهود المنصرمة. وكانت فترة حكم البعث الأولى في العام 1963 وفترة حكم البعث الثانية 1968-2003 من أبشع المراحل التي تعرض فيها الشعب العراقي بكل قومياته إلى الحروب والبطش والمجازر والحصار والقتل الجماعي والمقابر الجماعية. وكانت حصة الشعب الكردي كبيرة حقاً من فاشية وعنصرية واستبداد وقمع الدكتاتورية الدموية في العراق خلال الحقبة الجديدة من حزب البعث التي استمرت طوال 35 عاماً تقريباً. وكانت الرغبة الغاشمة والجامحة التي سيطرت على ذهن وتفكير الدكتاتور تتلخص في ممارسة كل السياسات التي من شأنها تصفية قضية وحركة ونضال الشعب الكردي. فتجلت في مؤامرة اغتيال الملا مصطفى البارزاني الفاشلة, وفي مؤامرة التوقيع على اتفاقية الجزائر بين الشاه وصدام حسين في العام 1975 لتصفية الحركة الأنصارية وقوات الپيشمرگة في كردستان العراق, ثم برزت بشكل صارخ في عمليات مجازر الأنفال وحلبچة التي تعتبر بحق من الجرائم الكبرى ضد الإنسانية وجرائم الإبادة الجماعية التي استشهد فيها أكثر من 182 ألف إنسان من مختلف الأعمار بمن فيهم الرضع والنساء, إضافة إلى الهجرة المليونية في ربيع عام 1991 وفي أعقاب انتفاضة الشعب العراقي كله ضد الدكتاتورية الغاشمة باتجاه الحدود التركية والإيرانية. وهنا يفترض أن نتذكر ما حل بالكُرد الفيلية من جرائم بشعة اعتبرت جرائم ضد الإنسانية, بما في ذلك التهجير القسري والنهب والقتل وزج الشباب في مقدمة المعارك العسكرية في الحرب العراقية الإيرانية. وإذا كان عرب الوسط والجنوب وبغداد قد عانوا الأمرين على أيدي النظام بذريعة التبعية لإيران من تهجير وقتل منذ العام 1980, وكذلك في أعقاب انتفاضة 1991, فأن النظام لم يكن رحيماً بأي حال بأبناء وبنات الموصل وغرب بغداد ممن لم يقبل بسياسات النظام وعدوانه.
لقد أثمر نضال الشعب الكردي في إقليم كردستان العراق والموقف الدولي المساند للشعب الكردي في منع النظام العراقي من توجيه طيرانه العسكري وقواته المسلحة ضد الشعب الكردي وقوات البيشمرگة-الأنصار الشجعان في اعقاب انتفاضة الربيع عن نتائج باهرة حين تخلصت بعض مناطق الإقليم من نظام الحكم الفاشي والاستبدادي الصدّامي في النصف الثاني من 1991, وحين أقدم الشعب الكردي على إقامة فيدراليته ضمن الجمهورية العراقية في العام 1992.
ثم جاء النصر الجديد للشعب العراقي عموماً والشعب الكردي خصوصاً بسقوط الطاغية ونظامه الفاشي في العام 2003 وعبر الحرب الخارجية, حيث أمكن تكريس مبدأ الفيدرالية الكردستانية في الدستور العراقي في العام 2005.
في كانون الأول/ديسمبر 2004 تنادى عدد من المثقفين العراقيين والعرب بمبادرة من الأخ القاضي زهير كاظم عبود بتشكيل “التجمع العربي لنصرة القضية الكردية” حيث صدر البيان التأسيسي الأول الذي ورد فيه ما يلي: “عانى الشعب الكردي معاناة إنسانية قاسية نتيجة السياسة الشوفينية التي تتبعها السلطات القمعية في البلدان التي التهمت أجزاء من كردستان في أراضيها فجزأت أوصالها وشتت وحدتها وكلمتها وعمدت إلى إنكار حقوق الكُرد في الحياة، وكانت العلاقة الإنسانية بين الشعبين الكردي والعربي وشيجة الترابط وقوية التماسك على الدوام، وساهم العرب من أصحاب الضمائر الحية في نصرة الشعب الكردي والدفاع عن حقوقه المشروعة.”, ثم يواصل تلبيان فيؤكد: “.. قاوم الأكراد جميع السلطات التي حاولت أن تنكر عليهم حقهم في الحياة السياسية وشراكتهم الحقيقية في العمل السياسي، وكان يقف بالضد من هذه الحقوق السلطات الجائرة على الدوام حيث تتكاتف القوة الغاشمة، في حين تقف بالضد من هذا الموقف الجماهير العربية مساندة لقضية الكُرد وحقوقهم”. ثم يضع البيان مهمات التجمع بقوله: “ويسعى التجمع للمساهمة في التخلص من نتائج الفكر الشوفيني الشائع بين العرب والذي نشرته السلطات والثقافة البغيضة والهدامة لغرض بث الفرقة والاستهانة بالشعوب وغمط حقوقها الإنسانية، ويسعى التجمع العربي لمناصرة القضية الكردية من خلال الإسهام الفعال في عرض الحقائق المغيبة التي فجعت بها الأمة الكردية وتحملتها بصبر وثبات كبيرين.
كما يسعى التجمع إلى إدانة و تجنب أساليب الحرب والقتال التي تسعى إليها الأفكار والسلطات الشوفينية والمتعصبة والمتطرفة قومياً وشجب أساليب الحروب والقتال، وتأمين حياة مدنية وآمنة ضمن مجتمع مدني وديمقراطي وموحد يليق بالإنسان. أن الاعتراف بحق الآخر أضحت قاعدة أساسية للحياة الإنسانية في هذا العصر، وبدون هذا الإقرار سيكون للحقوق تعابير تختلف عن حقيقتها، لذا فأن التجمع يسعى إلى مساهمة الأعضاء المنتسبين إليه بالمساهمة الثقافية والسياسية الفاعلة من أجل أبراز هذه الحقوق .
يسعى التجمع لتجنيد الطاقات العربية للمساهمة في نصرة قضية الشعب الكردي واستنهاض همم المثقفين العرب في هذا المجال، ونؤكد أن التجمع ليس حزباً ولا تجمعاً سياسياً أو تابعاً لأي طرف، ويسعى إلى التنسيق مع تطلعات ومواقف الشعب الكردي بما يحقق توثيق الروابط الإنسانية بين المثقفين العرب والكرد.”
وقع هذا البيان المئات من المناضلات والمناضلين العرب من العراق والدول العربية, كما تم تأييد البيان من جمهرة كبيرة من العراقيات والعراقيين وغيرهم من العرب ومن قوميات أخرى كالكلدان والتركمان وغيرهم.
وخلال السنوات المنصرمة قام التجمع بإصدار البيانات وحضور ندوات وتقديم محاضرات أو مارس أعضاء الأمانة وأعضاء في التجمع كتابة المقالات والدراسات حول القضايا الكردية ونضال شعوب هذه الأمة, إذ لم يكن هم التجمع العربي كُرد العراق فحسب, بل كان وما يزال يشمل كافة بنات وأبناء الأمة الكردية في الشرق الأوسط وكذلك الكُرد الفيلية باعتبارهم جزءاً عضوياً من الأمة الكردية ومن الشعب العراقي .
وخلال السنوات المنصرمة لم يتسن للتجمع أن يعقد مؤتمره التأسيسي وبقيت علاقات أعضاء الأمانة العامة عبر المراسلات الإلكترونية واللقاءات الفردية. ولهذا لم يتسن للتجمع أن يشارك في انتخاب أمانته العامة التي يفترض أن تأخذ على عاتقها إدامة وتطوير المهمات والعمل, إذ كان أعضاء الأمانة العامة حتى الآن منسبين فيها بموافقة الأعضاء والمؤيدين.
في شتاء هذا العام 2012 فاتحت الأمانة العامة رئيس إقليم كردستان, السيد مسعود البارزاني, عن مدى إمكانية استضافة رئاسة الإقليم للمؤتمر التأسيسي الأول للتجمع في أربيل. فتمت الموافقة من قبل السيد رئيس الإقليم مشكوراً. وتقرر أن يعقد المؤتمر في 4-5/5/2012 في أربيل عاصمة إقليم كردستان.
وجهت الأمانة العام دعوات إلى حوالى 90 شخصية عربية من النساء والرجال من العراق والدول العربية ومن الدول الأوروبية والولايات المتحدة وكندا وأستراليا للمشاركة في هذا المؤتمر. وسيدعى لجلسة الافتتاح الكثير من الشخصيات السياسية الكردية والتركمانية والكلدانية إضافة على العربية في العراق.
يواجه التجمع في الفترة القادمة مجموعة من المهمات المباشرة التي يسعى إلى بلورتها في برنامجه الجديد في هذا المؤتمر, إضافة إلى مناقشة تقرير الأمانة العامة وأربعة مداخلات يقدمها أعضاء في الأمانة العامة وفي التجمع. وفي المقدمة من هذه الموضوعات تمس أهمية وضرورة الإسراع بمعالجة المشكلات القائمة بين حكومة الإقليم والحكومة الاتحادية على وفق الدستور من خلال وضع مجموعة القوانين المنظمة للعلاقة بين الحكومتين في أربيل وبغداد في مختلف المجالات ومعالجة ما يطلق عليه بالمناطق المتنازع عليها على وفق الرؤية التي حددتها المادة 140 من دستور عام 2005 وإزالة كل العواقب التي تسبب بها نظام الفاشية المقبور, إذ بدون ذلك يمكن أن تنشأ مشكلات تعقد العلاقة بين الحكومتين خاصة وأن العراق لا يمتلك تجربة وتقاليد في الحكم الفيدرالي, وغالباً ما ينحى المسؤولون صوب المركزية في الحكم على مختلف المستويات (الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم والمحافظات). كما يفترض تأكيد أهمية وضرورة أن يتم ذلك على أسس من التفاوض السلمي والديمقراطي وبعيداً عن الصراع العسكري الذي عرفه العراق طيلة العقود المنصرمة وعبر سياسات الحكومات المركزية غير الديمقراطية والاستبدادية والشوفينية في آن.
ويواجه التجمع مهمة تصعيد الدفاع السلمي والديمقراطي عن حقوق الشعب الكردي في أقاليمه الأخرى, تركيا وإيران وسوريا, حيث ما يزال الشعب الكردي في هذه الأقاليم يناضل من أجل حقوقه المشروعة والعادلة ويعاني من مشكلات كثيرة. نشير هنا إلى بعض المشكلات التي يعاني منها الكُرد في الأقاليم الأخرى:
بسبب انعدام ممارسة حقوق الإنسان وحقوق القوميات نشأت منذ سنوات كثيرة نضالات مسلحة لضمان الوصول إلى تلك الحقوق المغتصبة. وهنا تبرز مهمتنا, أي العمل لإقناع حكومات وشعوب تلك البلدان بأهمية التخلي عن القوة والسلاح في مواجهة مطالب الشعب الكردي والدخول في مفاوضات مع القوى السياسية الفاعلة فيها لمعالجة المشكلات القائمة. وإن تجربة العراق الحية تقدم نموذجاً مناسباً في هذا الصدد, إذ إن الفيدرالية القائمة تشكل جزءاً من الأهداف الأساسية للشعوب الكردية في جميع أقاليمها وهي الطريق الذي يمكن أن يدفع باتجاه وحدة الأمة الكردية.
إن العصر الجديد يرفض تجاوز حكومات تلك الدول لمطالب شعوبها أو القوميات القاطنة في هذه الدول وعلى أرضها, إذ يتعارض ذلك مع مبادئ الأمم المتحدة وحق تقرير المصير للشعوب إضافة إلى معارضة ذلك لمبادئ ولائحة حقوق الإنسان. إن الحقوق القومية والثقافية والإدارية لأي شعب من الشعوب هي ثوابت لا يجوز المساس بها وعلى حكومات جميع الدول احترامها.
لقد خاض الشعب الكردي منذ أوائل القرن العشرين وفي أعقاب الحرب العالمية الأولى نضالات كثيرة ومريرة في سبيل حقوقه المشروعة وقدم التضحيات الكثيرة, كما تحملت الدولة العراقية بسبب سياسات حكوماتها المتعاقبة التي كانت تعتمد القتال والحرب بدلاً من الاستجابة للمطالب المشروعة خسائر فادحة وحملت العرب وغير المجندين خسائر كثيرة في البشر. وبعد مرور ما يقرب من 70 عاماً على تشكيل الدولة العراقية (1921) استطاع الشعب الكردي إقامة فيدراليته الكردستانية في إطار الدولة العراقية. وكان بالإمكان تجنب الكثير من الدماء والدموع والأموال لو كانت الحكومات العراقية المتعاقبة قد استجابت لمنطق العقل والحكمة ووافقت على مطالب الشعب الكردي العادلة حينذاك.
إنها تذكرني بتلك الحكاية القديمة التي تدعو إلى تحكيم العقل في مواجهة الحالات التي يجبر فيها المرء على اختيار أحد الاحتمالات, إنها قصة الرجل الذي حكمت عليه المحكمة بأحد الأحكام الآتية, وعليه أن يختار أحدها: مئة خازوق أو مئة جلدة أو مئة دينار, فاختار الجلد حباً في المال وخوفاً من الخازوق, وعجز عن تحمل عشر جلدات, ثم قبل بالخازوق حباً في المال, فعجز عن تحمل خازوقاً واحداً وأجبر على دفع المائة ليرة ذهب بعد أن ذاق العقوبتين. وهكذا ستكون الحالة مع الحكومات التي ترفض الاستجابة لصوت العقل, فمن لا يرضى بالجِزة من صوف الخروف سيدفع الخروف وجزته في آن واحد.
لقد عبر التجمع العربي لنصرة القضية الكردية عن خمس مسائل جوهرية هي:
1. موقف الدفاع والتضامن مع الشعب الكردي في سعيه صوب الحصول على حقوقه المشروعة والعادلة وخاصة حقه في تقرير المصير.
2. ويعمل من أجل تحقيق التضامن النضالي بين الشعب الكردي وتلك الشعوب التي يتعايش معها في الدول الأربع الموزعة عليها شعب وارض كردستان.
3. استقلاليته التامة عن الأحزاب والقوى والجماعات السياسية والحكومات والدول المختلفة, ويرفض أي تدخل في شؤون التجمع من أي طرف كان.
4. استقلالية قرار التجمع بشأن قضايا الشعب الكردي في كل أجزاء كردستان.
5. يمارس النقد ويشجب التجاوز على حقوق الشعب الكردية حيثما يقع وأياً كان المتجاوز.

نيسان 2012 كاظم حبيب