الرئيسية » مقالات » لمصلحة من هذا الهجوم على الحزب الشيوعي؟ (1)

لمصلحة من هذا الهجوم على الحزب الشيوعي؟ (1)

بقراءة متأنية وصبورة وحيادية مع قليل من الانصاف لتاريخ الحزب الشيوعي العراقي ونحن نعيش اجواء احتفالاته اليوم، منذ اعلان تأسيسه في آذار من العام 1934 حتى كتابة هذه السطور. فانه بامكاننا ان نشير الى تعرض الحزب دوما للهجمات الشرسة ليس من قبل مختلف الحكومات العراقية الملكية منها والجمهورية والديموقراطية منها وغير الديموقراطية، بل ومن اقلام بعضها معاد للحزب آيديولوجيا والاخر مأجورا يعيش مرتزقا على قلمه. والبعض الاخر سقط في لجة الطائفية التي أعمته عن مساوئها، وهو الذي يجب عليه ان يعرف قبل غيره نهاية مطافها السياسي والثمن الباهض الذي سيدفعه شعبنا جرّاء نتائج تطبيقاتها التي لم تنجح في اي مكان من العالم، بل على العكس كانت نتائجها كارثية اعاقت تقدم مجتمعات البلدان التي اتخذتها وسيلة للحكم ومزقت نسيجها الاجتماعي، بعد ان فقدت عشرات الالاف من ابنائها وقودا في محرقتها الغبية . والملاحظ في هذه الهجمات توقيتها، فكلما نجح الحزب في معركة من معاركه الكبيرة والعديدة التي خاضها خلال تاريخه الطويل او مشاركته العلنية في فعاليات جماهيرية تؤرق الحكام المذعورين دوما من شعوبهم. نرى ان تلك السلطات تكثف من هجماتها على الحزب ورفاقه وانصاره حيث وصل الامر بالاجهزة الامنية، ان تكثف من نشاطها اثناء احتفالات الشيوعيين بعيد ميلاد حزبهم حتى داخل السجون والمعتقلات، التي كانت مدرسة وطنية خرّجت الالاف من المناضلين الذين ساهموا في معارك شعبهم الوطنية، من الذين يحاول البعض من الكتّاب اليوم النيل من تاريخهم المجيد والمشرف اسوة بالحكومات والسلطات في العهود المختلفة. ويؤسفنا ان نرى اليوم كاتبا “ليبراليا وعلمانيا”!!” يستل قلمه الذي جف مداد وطنيته على ما يبدو لصالح طائفته، لمهاجمة الحزب الشيوعي العراقي في نفس اليوم الذي اصدرت فيه احدى المحاكم العراقية قراراً ينص على (ان المنتمي الى الحزب الشيوعي العراقي، ممن اعتقل من قبل أجهزة النظام المباد، يستحق صفة سجين سياسي استنادا الى المادة5 و 10 من قانون السجناء السياسيين رقم 4 لسنة 2006) وذلك (لأن الانتماء إلى الحزب الشيوعي ـ وهو أعرق حزب معارض في العراق نظرًا إلى ما يحمل من أفكار تجاه حاجة الشعب – فيكون مجرد الانتماء إلى صفوفه صورة من صور المعارضة، فضلاً عن كون ذلك الانتماء لم يوفر مكاسب مادية أو وعودًا آخروية، وإنما كان يعلم من ينتمي إليه أن ذلك الحزب لم يكن حزب سلطة، وإنما حزب معارض). ليؤكد من ان اعداء الحزب يلتقون دوما ولو بعد حين حتى وان تواروا خلف مفاهيم الوطنية والعلمانية والليبرالية والحداثوية، ولكن فاته على ما يبدو ايضا تتبع مصير كل من ناصب الحزب الشيوعي العداء ومصيرهم، هؤلاء الذين كانوا يعرفونه (المصير) قبل ان ينزلقوا الى مستنقع الطائفية الخطر. فهل كتابة مقالة تتناول الحزب الشيوعي ابّان ثورة 14 تموز بارهاصاتها المختلفة دون موضوعية تذكر، واتخاذ احداث الامس ومقارنتها غير الموفقة مع ما يجري في العراق اليوم لاتخاذها كرأس حربة لمهاجمة الحزب الشيوعي مجرد صدفة؟ ام ان هناك من يدفع البعض من الكتاب في هذا التوقيت بالذات للتعبير عما يريدون، نتيجة فقرهم الى كتّاب وساسة قادرين على المواجهة الفكرية مع الحزب لتفشي الامية الفكرية والثقافية عندهم؟ وهنا اود ان اكرر ما قلناه سابقا في مقالة بعنوان “اتمنى ان لا تكون للمالكي كوبونات نفطية”، متمنيا ان يثبت المستقبل خطأ استنتاجي هذا الذي لا اتمناه لاي كاتب، ولكن الذي يدفعني الى التأكد من صحة استنتاجي هو تمركز المال عند سلطة اليوم كما البعث المنحل، والالاف من “المثقفين والكتاب والمؤسسات والسياسيين” الذين اشتراهم المجرم صدام حسين لتبييض وجهه ووجه نظامه الكالح، الذي رحل الى حيث يجب ان يرحل دون ان يدافع شعبنا عنه كما كان يتوقع.

وقبل قراءة ما جاء في مقالة الكاتب ” الليبرالي العلماني” بعنوان (قاسم والمالكي بين زمنين، التشابه والاختلاف)، ارى من الضروري لفت نظر الكاتب الى امور مهمة جدا قد تكون فاتته في التطرق اليها عند تناوله الحزب الشيوعي في مقالته وهي:

1- ان الحزب الشيوعي العراقي لا يمثل كل اليسار العراقي بل ويعترف بوجود منظمات شيوعية اخرى كالقيادة المركزية مثلا، كما وان اليسار والشيوعية تعتبران طيفا واسعا لا يجوز حصرهما بالحزب الشيوعي وتحميل الحزب ما يكتب اعضائها. وعلى الكاتب معرفة مسألة غاية في الاهمية، هي ان العديد من الكتاب الشيوعيين يكتبون احيانا بما يتقاطع مع موقف الحزب من بعض القضايا، فلم يصر الكاتب على مهاجمة الحزب وتحميله وزر لا ذنب له فيه؟

2- كتّاب صحيفة المدى (الذين يؤرقون الكاتب والحكومة) هم غيرهم كتاب صحيفة طريق الشعب، وعليه فان محاولة تحميل الحزب ما يُكتب في المدى يُعتبر امرا غريبا من كاتب يصر على عدم ولائه لجهة سياسية متنفذة، تعمل جاهدة على محاربة الصحفيين وعرقلة عملهم على خلاف ما جاء به الدستور. وما تدخل الحكومة مؤخرا في انتخابات نقابة الصحفيين وما نتج عنها الا دليلا واضحا على هذا التدخل غير الدستوري.

3- على الكاتب وبدلا من توجيه اتهاماته الى الحزب باعتماده على كتابات الكتّاب في الصحف والمواقع الالكترونية المختلفة، التوجه الى صحافة الحزب وما يصدر عنه من وثائق وبيانات مركز اتصالاته “ماتع”. وعوضا عن توجيه الاتهامات لسياسة الحزب بشكل عشوائي فانني انصح الكاتب بالعودة الى التقرير السياسي للحزب، ووثائقه التي عرضها للنقاش الجماهيري وهو على ابواب انعقاد مؤتمره التاسع، كي يتعرف عن كثب على موقف الحزب من مجمل العملية السياسية وتداعياتها.

4- لقد دخل الحزب الشيوعي العراقي العملية السياسية على الرغم من موقفه المعروف من الحرب والاحتلال، كما موقف حزب الدعوة الحاكم اليوم. وكان فاعلا ولليوم في تطوير العملية الديموقراطية في البلد ولم تكن له كما الان معارضة مطلقة لمختلف حكومات ما بعد الاحتلال، بل كان جزءا منها ويتحمل وزر اخطائها بقدر مساهمته في تلك الحكومات. ولكن العملية الديموقراطية لا تعني اطلاقا دعم الايجابيات فقط، بل ولكي تكتمل هذه العملية بشكلها الصحيح الذي نطمح اليه جميعا، فانها بحاجة الى عين من خارج الحكومة لتشخص السلبيات كي تعمل الحكومة على ايجاد الحلول الكفيلة بتجاوزها. وعدم قيام الحكومة بتجاوز السلبيات هذه يدفع (في كل الانظمة الديموقراطية في العالم) الاحزاب السياسية للاستفادة من الدستور في تنظيم مظاهرات واعتصامات واضرابات قانونية، لتحريك الجماهير كي تضغط على الحكومة لايجاد الحلول الكفيلة في تعديل مسارها وادائها لتجاوز تلك الاخفاقات. والحزب الشيوعي الذي هو اليوم في مرمى سهام الكاتب وحكومته يقوم بهذا الدور، كما وان عدم وجود معارضة سياسية في اي بلد ديموقراطي ينسف فكرة الديموقراطية من اساسها، ليكبّلها بحكومة توافقات تحولت في حالة العراق الى حكومة محاصصة طائفية كما حكومة المالكي اليوم واللواتي سبقتها. والوقوف ضد موقف الحزب هذا يعني واحد من اثنين لا غير، اولهما هو عدم وجود سلبيات عند الحكومة العراقية وهذا ما لا يتفق معه الكاتب على ما اظن، وثانيهما عدم قانونية التظاهر والاعتصام والاضراب! وهذا ما اعتقد ان الكاتب يتفق معنا فيه بالرأي على انه مخالفة صريحة لبنود الدستور العراقي.

5- ان من يحاول دفع الحزب الى “التصعيد” – ان كان هناك تصعيد – ضد الحكومة التي يختصرها الكاتب والعراق باكمله بالمالكي هو الكاتب نفسه، فللمالكي مصلحة كبيرة في كثرة عدد اصدقائه وليس اعداءه الذي وسّع الكاتب مساحتهم ليشملوا كل سنة العراق عربا وكردا والعلمانيين من الشيعة!! بعد ان اعتبر بشكل غير مباشر ان سنة العراق هم القائمة العراقية!! كما وان مجرد الاشارة للحزب الشيوعي ووجوده في معسكر معاد للمالكي يضم البعثيين تدل على سطحية وقصور في متابعة الشأن السياسي العراقي، فبالامس فقط خرج علينا مجرم بعثي متمرس كعزت الدوري ليهاجم الحزب ويتهمه بالخيانة لانه وافق ان يكون جزء من العملية السياسية. واذا اخذنا رأي الكاتب في نظرته للاصطفافات السياسية وآليات عملها، سيكون لنا الحق في ان نضمّه ومن يدافع عنهم في خانة عزت الدوري الذي هاجم الحزب، اذ من غير المنطقي ان يُعتبر الحزب الشيوعي “حليفا” للبعث لاسقاط المالكي (حسب رأي الكاتب) وفي نفس الوقت حليفا للمالكي ومعاديا للبعث (حسب رأي الدوري).

6- لقد تعرض التنوع الفكري والعقائدي الى هجوم غير مبرر من قبل المالكي اثناء خطاب له القاه في الذكرى 32 لاستشهاد السيد محمد باقر الصدر وشقيقته، امام اعضاء حزبه في مدينة النجف الاشرف عندما هاجم التنوع الفكري الذي يؤكد عليه الدستور. اذ اعتبر ان محاربة الالحاد والماركسية والعلمانية والحداثوية هي من مهمات حزبه الذي يقود العراق الان، وما يثير العجب هو عدم وجود اي رد فعل من قبل الكاتب “العلماني الليبرالي” المؤمن بالحداثوية لحديث المالكي هذا، وهل للكاتب تفسيرا آخرا لمحاربة العلمانية غير محاولة بناء الدولة الدينية الثيوقراطية؟

ودعونا الان ان نعود الى مقالة الكاتب “الليبرالي العلماني” ونبحث عن اوجه الشبه بين الزعيم عبد الكريم قاسم والمالكي او اوجه الشبه بين المرحلتين كما يؤكد. ولكي يكون المدخل الى الحوار مدخلا سليما مستندا على احداث ووقائع، علينا ان نعود الى عهد الثورة القصير والمنجزات التي حققتها على الرغم من قصر فترة حكم الزعيم قاسم التي لم تتجاوز (اربع سنوات ونصف) كما ذكر الكاتب، مقارنة مع ما حققه النظام الملكي خلال 38 عاما. لنتناول بعدها دور الحزب الشيوعي وموقعه من الاحداث في المرحلتين، عسى ان نصل الى حل لغز “عداء” الشيوعيين لقاسم ومحاولتهم ليكون كاسترو العراق!! “هذا” اللغز الذي لا يستطيع الكاتب اثباته تاريخيا ولا يوجد ما يشير اليه في الذاكرة السياسية العراقية. الا اذا كان الكاتب في صدد حشر هذا الاتهام بشكل غيبي في الذاكرة الجمعية، كما تحشر اليوم الكثير من الالغاز والترهات عنوة لتكون مادة تاريخية مستقبلا، ناسيا ان احداث ثورة تموز لازالت طرية في اذهان الالاف ممن عاصروها وشاركوا في صنع احداثها سلبا وايجابا.

يقول حنا بطاطو (والواقع ان 14 تموز “يوليو” اتى معه باكثر من مجرد تغيير في الحكم. فهو لم يدمر الملكية أو يضعف كل الموقع الغربي في المشرق العربي بطريقة جذرية وحسب، بل ان مستقبل طبقات باسرها ومصيرها تأثر بعمق. ولقد دمرت الى حد كبير السلطة الاجتماعية لاكبر المشايخ ملاكي الارض ولكبار ملاكي المدن، وتعزز نوعيا موقع العمال المدينيين والشرائح الوسطى والوسطى الدنيا في المجتمع. وتغير كذلك نمط حياة الفلاحين نتيجة لانتقال الملكية من ناحية ولالغاء انظمة النزاعات القبلية وادخال الريف في صلب القانون الوطني من ناحية اخرى)*
ولم نرى مدخلا لتعداد منجزات عهد قاسم لمقارنتها لاحقا بمنجزات المالكي تلك التي يعتقد الكاتب وجودها بين الاثنين، الا مقالة للكاتب نفسه تحت عنوان (منجزات ثورة 14 تموز 1958). وسوف اورد ما جاء به من منجزات حسب تسلسلها في المقالة نفسها، وليس استنادا الى تاريخ انجازها والتي غطّت فترة حكم الزعيم قاسم منذ 14 تموز 1958 حتى انقلاب 8 شباط الاسود 1963 . وتوخيا للدقة في المقارنة بين العهدين سأقوم بمناقشة كل قضية من وجهتي نظر واحدة لكل عهد، على الرغم من ايماني باستحالة المقارنة بين منجزات العهدين استنادا الى ما جاء به الكاتب نفسه من منجزات لثورة تموز.

1- يقول الكاتب في فقرة المنجزات السياسية لثورة تموز وفي النقطة السادسة ما يلي (صدور قانون الجمعيات عام 1961 ، والذي بموجبه أجيزت ما يقارب من 700 جمعية، واجازة الاحزاب السياسية المؤمنة بالديموقراطية)، ولو قارنا سنّ هذا القانون بعد مضي اقل من سنتين على قيام الثورة مع قانون الاحزاب في عهد الاسلاميين وحلفائهم، تلك التي لازالت تنتقل من دورة برلمانية الى اخرى دون ان يتكلل اصدارها بالنجاح، لاستنتجنا انه من الظلم بالمرة مقارنة الموقف من هذه القضية الحساسة والمهمة بين العهدين. بل وصل الامر بحكومة المالكي الى مهاجمة نواد اجتماعية ومقار ثقافية واعلامية، علما ان طلب الحزب الشيوعي العراقي لاجازته بشكل علني اثناء عهد الزعيم قاسم جوبه بالرفض لصالح حزب شيوعي كارتوني بزعامة داود الصائغ المدعوم حينها من قبل الحكومة اثناء.

2- وفي النقطة السابعة من نفس الفقرة يقول الكاتب ان حكومة تموز (الغت الابعاد الطائفية من ممارسات الدولة الرسمية، ووضعت الاسس لالغاء التمييز الطائفي في العراق، تلك السياسة التي مورست خلال الحكم العثماني واستمر عليها العهد الملكي). وهنا نرى ان الطائفية في عهد ما بعد الاحتلال ومنها فترة المالكي الاطول عمرا بينها مكرسّة على مختلف الصعد وخصوصا على المستوى الرسمي، وابسط مثال على ذلك هو رفض المالكي اعطاء منصب وزير الدفاع الى القائمة العراقية وفق اتفاقات بين اطراف المحاصصة، ليقول ان هذا المنصب ليس من نصيب القائمة العراقية بل من نصيب المكون السني، فهل حديث زعيم دولة بهذا الشكل العلني عن توزيع المناصب بين السنة والشيعة طائفية ام لا، وهل هي شكل من اشكال المحاصصة؟ و هنا نريد سؤال الكاتب عن اوجه الشبه في هذه النقطة بين الزمنين وهل طلب قاسم معرفة طائفة المسؤول قبل تعيينه؟ لقد عيّن قاسم د. عبد الجبار عبد الله وهو مندائي رئيسا لجامعة بغداد ايام مجدها الذهبي، وعندما قالوا له انه ليس بمسلم اجاب انه بحاجة الى استاذ وليس الى امام جامع، فهل يفعل المالكي هذا وهو الذي لم يستطع الحفاظ حتى على قبور اجداد د.عبد الجبار عبد الله ، وهم من اقدم الاقوام التي عاشت في ارض العراق، تلك القبور التي عاث بها المسلمون المتطرفون دون حتى ان تعتذر الحكومة لعدم استطاعتها حمايتها من عبث العابثين.

اما في فقرة المنجزات الاجتماعية فان الكاتب يعدد منجزات ثورة تموز ب:

1- (الغاء العلاقات الاقطاعية، والغاء قانون حكم العشائر الذي كان يخول شيوخ الاقطاع بحسم القضايا الجزائية في مناطقهم، وهو قانون سنّه الانكليز لارشاء شيوخ العشائر لكسب ولائهم. كان سكان الارياف يشكلون حوالي 60% من الشعب. وبذلك فكانت سلطة القضاء محصورة على المدن فقط دون سكان الارياف الامر الذي كان له مردود سلبي على تطوير الريف حضاريا). وحول هذه النقطة اود الاشارة الى ان الفرق الوحيد بين حكومتي المالكي وقاسم، هو تبدل شيوخ الاقطاع الذين حاربهم قاسم من اجل الفلاحين البسطاء ومصالحهم، الى رجال دين وشيوخ عشائر من اولئك الذين يستضيفهم المالكي ليستقبلوه بالهوسات العشائرية (لا تنطيها). وهل يعرف الكاتب ان قانون العشائر الذي يخول شيوخ الاقطاع بحسم القضايا الجزائية في مناطقهم والذي الغاه قاسم، طوره المالكي لصالح شيوخ العشائر الذين يعتمد عليهم في حملاته الانتخابية، كما وان للفصل العشائري اليوم السطوة الاعلى ليس في الريف فقط ، بل وفي المدينة التي بدأت تفقد سمات علاقاتها المدينية لضعف تطبيق القانون وغياب دور الدولة لصالح علاقات عشائرية. اما ما اورده الكاتب حول تطوير الريف فانني ادعوه الى القيام بسفرة لمدة 96 ساعة فقط ليس الى المنطقة الخضراء هذه المرة، بل الى اي ريف ينتخبه بنفسه ليكتشف وعن قرب. بؤس العلاقات الاجتماعية وبؤس الارض وبؤس المياه وبؤس الواقع الزراعي المتخلف واهمها هو بؤس الانسان، اي الفلاح العراقي الذي اصبح اليوم بين حجر رحى شيوخ العشائر وقوانينهم المتخلفة وسطوة رجال الدين وتثقيفهم بالجهل من جهة، وبين عدم ايلاء الحكومة المركزية الاهتمام بالواقع الزراعي لينحدر الى مستويات لم يشهدها التاريخ الزراعي العراقي خلال اي عهد من عهوده. وليشرح لنا بعدها عن اسباب عدم قدرة الحكومة على توفير الامن الغذائي لمواطنيها لحدود معقولة كما كان عهد تموز 1958 والعهد الملكي والعهود الاخرى حتى بداية الحرب الصدامية الخمينية، على الرغم من المداخيل الخيالية التي تحصل عليها حكومة المالكي نتيجة الطفرات غير المسبوقة لاسعار النفط. وهل يعرف الكاتب ان القانون المدني في العراق اصبح في المرتبة الثانية بعد قانون العشائر ( الفصل العشائري) الذي اخذ على عاتقه حل المشاكل بين المواطنين. وهنا نعيد نفس السؤال الممل على الكاتب، حول وجود نقاط اشتراك بين العهدين من عدمها؟

2- في النقطة الثالثة من هذه الفقرة يقول الكاتب (قامت الثورة بتشريع قانون الاحوال الشخصية، الذي بموجبها أعاد الاعتبار للمرأة العراقية التي كانت مسحوقة في جميع الازمنة ما قبل الثورة. واقر القانون مساواتها بالرجل في الميراث، وشهادتها في المحاكم تعادل شهادة الرجل، كذلك مسألة تعدد الزوجات في صالح المرأة. وبذلك اعادت الثورة للمرأة اعتبارها كانسانة “هكذا” لها كرامتها وشعورها بآدميتها، وفسح المجال امامها لتلعب دورها الكامل في بناء الاسرة والمجتمع ومساواتها باخيها الرجل في الحقوق والواجبات). واعتقد هنا ان مناقشة هذه النقطة مع الكاتب تحتاج الى وقفة نظرا لحساسية الموضوع تجاه نقطة خلافية كبيرة جدا بين العلمانيين والليبراليين ومنهم الكاتب نفسه (حسب ادعاءه)، وبين من يدافع عنهم من الاسلاميين ومنهم المالكي حول المرأة، التي تعتبرها وزيرة المرأة في كابينة المالكي انسان من الدرجة الثانية لقوّامة الرجل عليها شرعا.

بداية علينا ان نتفق حول مرجعية المالكي ان كانت دينية ام لا لكي لا يجرنا الكاتب الى متاهات نحن في غنى عنها، خصوصا واننا نرى ان ما يجري في الشارع اليوم هو على النقيض مما جاء به الكاتب. ولكي اختصر الطريق على القاريء والكاتب في نفس الوقت اقول، ان المالكي هو اليوم على رأس حزب ديني طائفي (جميع الاحزاب الدينية طائفية النزعة والتوجه في كل ارجاء العالم الاسلامي)، ساهم “الحزب” ضمن تكتل شيعي كبير في مجلس الحكم. واثناء رئاسة السيد عبد العزيز الحكيم لرئاسة المجلس باعتباره زعيما للتحالف الشيعي حينها، اقترح الغاء قانون الاحوال الشخصية الذي ينصف المرأة العراقية كما اكد الكاتب في مقالته مما اثار العديد من الاصوات ضده، وبعد فشله في تمرير القانون قام والكتلة الاسلامية في المجلس المكونة حينها من 5 أشخاص بمغادرة قاعة الاجتماع متوجهين الى الحاكم المدني الامريكي بول بريمر لحل الخلاف! ومن المعروف ان الغاء هذا القانون يعمق الخلافات المذهبية بين المذهبين الشيعي والسني، ويفسح المجال واسعا لاضطهاد المرأة عن طريق تطبيق قوانين الشريعة عليها.

ولاننا اتفقنا على اسلامية المالكي ومحاربته للعلمانية والحداثوية ( لان محاربة الماركسية والالحاد هو من صميم مبادئه) مثلما قال في مؤتمر النجف في 9/4/2012 ، فما علينا ان نبحث الان الا عن امكانية المالكي في المضي والحفاظ على القوانين التي سنّتها ثورة تموز وزعيمها قاسم، وهل باستطاعته تمرير قانون يجيز مساواتها باخيها الرجل في الميراث! او مساواة شهادتها في المحاكم مع اخيها الرجل!او الحد من تعدد الزوجات! تلك التي قيّمها كاتب المقال على انها من المنجزات الاجتماعية الكبيرة لعهد ثورة تموز. وهل يعرف كاتب المقال ان هناك بعض مجالس المحافظات لا تدخل اليه العضو المنتخب الا بوجود محرم! ابهذه العقلية التي يتصرف فيها اسلاميو اليوم يريد منا الكاتب ان نذهب الى ما يريد، حول اوجه الشبه بين عهد قاسم وعهد المالكي؟