الرئيسية » شؤون كوردستانية » الدكتاتور نوري المالكي

الدكتاتور نوري المالكي

لا يختلف اثنان على أن التوتر والخلاف مع بغداد ليس في صالح كردستان. خاصة في هذه الظروف الخطرة التي تمر بها الآن منطقة الشرق الأوسط. كما لا يختلف اثنان على أن المشكلة الكردية اليوم في العراق، دخلت حيز الحل للمرة الأولى، وهناك ميزانية كبيرة تصب في كردستان، رغم كون تلك الميزانية من عائدات كردستان نفسها. كما أننا بفضل الوئام والأمان اللذين خلقناهما، بدأنا ببناء إقليمنا والتحرك صوب مرحلة أكثر تقدما. كما أنها المرة الأولى في التاريخ، يكون فيها الكرد جزء من السلطة المركزية في العراق.
هذا كله صحيح، لكن هناك الأوضاع في بغداد، التي تتسبب لنا كل يوم في القلق والانزعاج. سلطة نوري المالكي لم تخط خلال دورتي حكم، خطوة واحدة باتجاه الديمقراطية، بل على العكس، من الواضح أن هذا الرجل ماض باتجاه الدكتاتورية. نحن العراقيون نعرف كيف يصنع الدكتاتور، التسلح والاستحواذ على العائدات وإغفال حقوق الآخرين والعجرفة والانفراد بالسلطة، كلها إشارات تدل على ظهور الدكتاتورية من جديد. وبخلاف هذا، هناك إغفال للسعي من أجل توفير الحاجات الحياتية الأساسية كالماء والكهرباء وغيرهما، في فترة انعقاد مؤتمر القمة العربية ببغداد تبين أن السلطة، لو شاءت لتمكنت منذ زمن من فرض الأمن والأمان ولحالت دون إراقة كل تلك الدماء العراقية. ليس الدكتاتور بحاجة إلى قرون ولا إلى أجنحة لنعرفه بها وننكره عندما لا نجدها عنده. ها هو المالكي يتحول إلى دكتاتور في وضح النهار. فإن استولى على عائدات كردستان اليوم، فإنه سيزحف عليها غدا بجيشه.

ليس من مصلحة أي من مكونات العراق، ظهور دكتاتور جديد في العراق. حتى إخواننا الشيعة، الذين يشكلون ثلثي السكان ككل ورئيس الوزراء نوري المالكي ينتمي إليهم، لا يريدون حصول ذلك. في الأمس القريب سقط الدكتاتور صدام حسين، ولم يجن السنة العرب في العراق من وراء صدام غير الويلات، عندما كان الدكتاتور في السلطة وبعد أن فقدت السلطة منه. فالمناطق السنية العربية من العراق اليوم، وفي أيامه، تعتبر من أكثر المناطق تخلفا. لذا أؤكد أن ظهور الدكتاتورية من جديد في العراق لا يصب في مصلحة أحد.

من حق الكرد السعي لتطوير الديمقراطية التي ظهرت في العراق بعد سقوط نظام صدام الدكتاتوري. بل إن هذا واجب على الكرد، لأن الحركة السياسية الكردية على طول القرن العشرين كانت نبراس الحركة الديمقراطية في العراق. والرئيس مسعود بارزاني الذي أفنى عمره في تلك الحركة السياسية الكردية، يتحمل أكثر من غيره من القادة مسؤولية مواجهة انبعاث الدكتاتورية في العراق. فهو إضافة إلى كونه الرئيس المنتخب لشعب كردستان ويتحدث ويتصرف نيابة عنا. فإن الرئيس مسعود بارزاني موضع ثقة العراقيين ويعتبر أحد رموز النضال الوطني. ودفاع الرئيس عن طارق الهاشمي ليس دفاعا عن متهمين، كما يراه البعض، فالقضية أكبر من قضية متهم. الرئيس مسؤول أمام قانون ودستور أقسم على الحفاظ عليهما، وهذا القانون والدستور جاءا لبناء مجتمع ودولة ديمقراطيين. يحاول رجال نوري المالكي والإعلام المقرب إليه، أن يقلبوا القضايا رأسا على عقب في أعين العراقيين. ومن المؤسف أن الإعلام الكردي أيضا، ينزلق أحيانا عن جهل وقصر نظر نحو تلك الهاوية. لن يدافع أحد عن طارق الهاشمي إن كان مذنبا، ولاشك أنه إن كان مذنبا فسينال جزاءه يوما ما. لم يفلت صدام من العقاب، وأين الهاشمي من صدام؟ لكن المشكلة بين أربيل وبغداد أكبر ويجب النظر إليها كما هي. انبعاث الدكتاتور يعيدنا إلى نقطة البداية.

من هنا أنا مع موقف الرئيس بارزاني، يجب أن يحسم المسألة الآن مع نوري المالكي ويسد عليه الطريق قبل أن يصبح دكتاتورا لا يمكن السيطرة عليه. الميزانية الكبيرة التي تأتي من بغداد، عبارة عن عائدات كردستان وليست مكرمة من بغداد ليفكر أحدهم في قطعها، وإن كانت مكرمة فستنقطع يوما. بغداد لا توافق على قانون نفط وغاز كردستان، ولا تقبل بكون البيشمركة القوة المدافعة عن كردستان، كما لا تقبل أن يكون لكردستان موارد مستقلة، وترفض عودة المناطق المقتطعة التي احتلها صدام عدوانا إلى كردستان، وهذه الحقوق واردة جميعها في دستور العراق. إن رئيس الوزراء العراقي يتصرف وكأن الآخرين يستجدون عند باب دار والده.

إنه، يبتاع أسلحة وأعتدة كثيرة، فلم يشترها وماذا يبني بها؟ لا شك أنه لا يستهدف بها غير العراقيين. ويجب أن لا ننسى أن منطقة الشرق الأوسط تمضي الآن صوب صراع كبير. الصراع بين إيران وتركيا في عهد الضعف العربي، صراع محتلين من أجل السيطرة على أرض المنطقة ومياهها، الصراع يجري تحت شعار مكرر تاريخيا “الصراع بين الشيعة والسنة”، الذي يعود تاريخه إلى 500 سنة من الآن.

صحيح أن الكرد ليسوا، ولن يكونوا أبدا جزءا من صراع مذهبي. فللكرد قضية قومية واجتماعية. الكرد يكافحون في سبيل الوصول إلى حقوقهم القومية وإزالة الظلم الاجتماعي، لكن هناك حقيقة قائمة وهي أن المنطقة تقترب كل يوم من الصراع الذي ذكرنا من قبل. فحتى إن لم تتصرف أنت كسني، فإنهم يتعاملون معك على أساس كونك سنيا. هذا مستقبل خطر على كل شعب العراق الذي طحنه الظلم من أربيل إلى البصرة، لذا يجب أن يقف الجميع من أربيل إلى البصرة وراء الرئيس بارزاني، ويحولوا دون عودة الدكتاتورية إلى السلطة. فالجميع من أربيل إلى البصرة، بحاجة إلى حياة عصرية ليعيشوا كما يعيش البشر في ظل الأمان والرفاهية على أرض وطنهم بكرامة، لا أن يعودوا إلى الشعارات القومية ضيقة الأفق والعصبية المذهبية.

* مدير عام وكالة كردستان للأنباء (آكانيوز)