الرئيسية » شؤون كوردستانية » صور من ماضي العراق القريب..

صور من ماضي العراق القريب..

(ميديا دخيل سلو) زنبقه وردية من بعشيقه ولدت في مراني- كاره و وأدت* في الأنفال!.. يحلم كل من كان يقترن بحبيبته بعد الزواج بالذرية والأطفال. هكذا كانت العادة في الستينات والسبعينات من القرن الماضي ولكن أحياناً لا يستجيب الواقع لذلك، وهذه بداية قصه ميديا دخيل (ابنة أم فارس وأبو فارس). أبو فارس من سكان بعشيقه من مواليد الأربعينيات لا اعلم السنة عل وجه التحديد.. كان متطوعاً في الجيش العراقي حتى العام 1976 لحين صدور قرار بإخراج أو سموها طرد أو الإحالة على التقاعد لكل من لم يكن منتمياً لحزب صدام، وشمل القرار أبو فارس فأحيل إلى التقاعد. لا اعلم في أي سنه بالضبط تزوج لكن من المؤكد انه قبل العام 1968 وبقي بدون أطفال .. قدر لي أن أتذكر لحظات توديعه قبل خروجه من العراق عام1977 لأنه كان في زيارة والدي وعائلتنا في اليوم الأخير لمغادرته العراق قسرا وتلك حكاية أخرى مختصرها أن صدام أصدر قراراً أخر بحق أولئك العسكريين اللذين أحيلوا على التقاعد بسبب عدم انتمائهم لحزب البعث يتضمن الإعدام لكل من يثبت عليه الانتماء لغير حزب البعث، بما فيها الأحزاب المؤتلفة بالمهزلة الوطنية عفواً اقصد (الجبهة الوطنية) آنذاك. الكثيرين يتذكرون مجموعة الضباط والعسكريين اللذين اعدموا حينها في عام1978 والتي كانت بداية خراب ودمار العراق. اضطرّ أبو فارس لمغادره العراق عام1977 ودعَ أهله وحبيبته أم فارس كانت الليلة الأخيرة لأبي فارس في بيتنا في موصل الجديدة ولحظات تلك الليلة مازالت عالقة في ذهني. ومعنوياته عالية جداً. سافر أبو فارس دون رغبته بالتأكيد، تنقل في دول عديدة، هناك حاول معالجة حالته الصحية. وبناءا على ما حدثنا به أبو عمشه الصديق المقرب لأبي فارس في إحدى جلسات السمر العائلية في سفوح كاره الخالد، وحول هذا الموضوع تحديداً باختصار.. أن الأطباء اخبروه انه لن يتمكن من الإنجاب إلا في حالة مكوث زوجته معه لفترة طويلة متواصلة دون انقطاع. السبب من الناحية العلمية لم نعرفه بالطبع لكن الواقع قبل ذلك وبعده أكد صحة استنتاجات الأطباء حينها، فأبو فارس كان متطوعاً في الجيش برتبه رئيس عرفاء حتى العام 1976 ونعلم أن المتطوعين آنذاك لا يمكثون في منازلهم سوى أسبوعاً لكل شهر بسبب الالتزام العسكري. أو هكذا كان قانون الجيش حينها. مضت السنون والتقيت به مجدداً بعد أعوام عديدة على ذلك التوديع كان هو.. هو.. لم يتغير منه سوى خصلات شعر جانبيه قد تلونت بالأبيض. وكان هناك عسكرياً أيضاً لكن من صنف آخر يختلف تماماً، كان نصيراً وكادراً حزبياً تسلل من الخارج إلى كردستان ليصبح بيشمركة مقدام يجوب جبال وشعاب منطقة بهدينان حاملا معه حلم الخلاص من الدكتاتورية وعراق يخلو من القتل والقمع والتهجير لا يستباح فيه دم. كنا نتجول في مفرزة كبيرة يقودها توفيق اعددنا لعمل عسكري كبير حينها. وصلنا إلى قرية بينارينكي.. هناك سمعنا خبر مؤكد أن السلطة قد جمعت عوائل البيشمركة وأجبرتهم عبر اتروش على المغادرة والتوجه إلى المناطق المحررة التي كانت واقعة تحت سيطرة البيشمركة، وعلمنا بوجه التحديد أسماء معظم العوائل وما كان من قياده المفرزة إلا وطلبت منا نحن ذوي العوائل التوجه لاستقبالهم.. توجهنا نحوهم.. كانت أم فارس واحدة من أولئك المبعدين الجدد. في الحال قسمت ووزعت العوائل على القرى القريبة من المقر الرئيسي للبيشمركة في مراني.. سكنت أم فارس في قرية صوصيا مع زوجها كان ذلك في نهاية أيلول وبداية تشرين الأول من العام1985.. صوصيا قرية رائعة الموقع تقع على أول سلسلة من سلاسل جبل كاره الشاهق الارتفاع تبدو من بعيد وهي جاثمة على أعلى الصدر من السفح الجبلي كأنها تعانق السماء وهي أعلى من كل القرى المحيطة بها مما جعلها هدفاً يومياً تقريباً لتدريب الطيارين، بعد فشل هجومهم الضخم مطلع عام987، الذي كتب عنه القائد الراحل الخالد توما توماس (أبو جوزيف) بالتفصيل.. استمر القصف المدفعي والطيران دون انقطاع مما شل حركة سكانها الأبرياء واضطروا لمغادرتها ربيع 1987، بعد أن أوقع الطيران جرحى عديدين فيهم من بينهم الفلاح عباس حجي صالح الذي لم يخلو مكان في جسده من شظية وهو من سكان القرية الأصليين وغيب لاحقاً في عمليات الأنفال. بدأت العوائل بالنزوح من صوصيا.. انتقل معها أبو فارس وأم فارس إلى الوادي الأول من سفح كاره وشيد منزله من جديد هناك كالآخرين في وادي مراني بالقرب من موقع مقر الأنصار الذي يوفر الحماية والأمان للمتواجدين فيه بصورة أفضل من صوصيا واستمرار قصفها بالطيران لإرعاب وقتل سكانها الوديعين. كان منزل أبو فارس على الطريق المودي إلى مراني حيث مقر البيشمركة والطريق منها إلى آفوكي تجبر سالكها بالمرور من هناك.. كانت أم فارس تجلس أمام الدار الصغيرة.. اعتدتُ أراها عند ذهابي وعودتي من المقر فرحة مبتسمة ، كانت شديدة التفاؤل وطيبة للغاية. اسمها الحقيقي( تفاحه) كانت فعلا اسم عل مسمى تبدو وردية الوجه رغم اجتيازها سن الشباب. ذات يوم اختفت أم فارس، لم نعد نلقاها كالمعتاد.. يا الهي أين هي؟ لم نجد جواباً مقنعاً وكعادتنا ولأسباب أمنيه لم نكن نلح بالسؤال في هكذا أمور لا تستدعي معرفتنا. بعد فتره أسابيع عادت أم فارس وهي تحمل بين ذراعيها هديه العمر لأبي فارس كانت معها (ميديا) رضيعتها البكر بعد زواج لأكثر من20 عاماً. كان ذلك مبرر اختفائها حيث علمنا لاحقاً أنها أرسلت بشكل سري لدهوك وقدمت لها مساعدات طبية كنا نفتقدها في مراني.. للحقيقة أقول أن الكثيرين لم يلاحظوا أو ينتبهوا إلى أن أم فارس قد غدت حبلى فبطنها كانت طبيعية ولم يسبب لها الحمل انتفاخا كباقي النساء. بكل تأكيد لا احد يستطيع أن يوصف فرحة أم فارس وأبو فارس.. فقط أولئك اللذين مروا بمثل هكذا تجربة ومعاناة.. لقد ولدت ميديا وولد معها أبويها من جديد. رغم الجوع والخوف والموت والقتل وملاحقة قوات النظام المدججة بكافة صنوف الأسلحة، ولدت ميديا. عمت الفرحة مراني.. باتت ميديا معروفة للجميع.. أكاد اجزم انه لم يبقى فرداً في مراني دون أن يقبل وجنتي ميديا، التي كانت بدورها أشبه بوردة دمشقية يفوح عطرها دوماً. في ذلك العام أيضاً تدفقت ينابيع المياه من الأرض في مراني بشكل كثيف.. قال عنها الفقيد مام احمد سواري.. أنه لم يرى في حياته كلها مثل هذا التدفق لينابيع المياه في مراني لقد عمت الفرحة الجميع.. بدأت أم فارس تداعب ميديا خارج الغرفة بعد انحسار الشتاء وحلول الربيع، تعودت أن ترضع ميديا أمام باب منزلها. كانت تجلس وتمددُ ميديا في حضنها جاعلة من جسدها سريراً لها، وتبدأ بفرك فروت رأسها من منتصف الرأس حتى الجبين إلى أن ترتوي من الحليب وتغفو.. ذلك المنظر بين ميديا وأمها لا يغيب عن بالي ومخيلتي أبداً. بدأت عينا ميديا النرجسية تتضح.. أخذت تدغدغ بأصبعها شفتيها تنغنغ وتبتسم للجميع، كان وجهها مدوراً يحتضن خديها الوردين شديدة الشبه بأمها. بدأ الهدوء يعم وعمل البيشمركة ينحصر استطاعت السلطة من تهجير وتفجير كل القرى المحيطة بالمناطق المحررة وإخلائها من السكان، صدر قانون الأرض المحروقة الذي يبيح لقوات النظام حرق وقتل كل الكائنات التي تجوب الأراضي التي يتواجد فيها البيشمركة ولم تسلم الأشجار والمزروعات من إجراءات الحرق والتدمير. كأن هدوءً يسبق العاصفة… انقضى الربيع بسرعة، توقفت الحرب مع إيران في آب عام1988، ومع نهاية تموز وبداية آب من ذلك العام المشئوم أرسلت السلطة كل قطعانها غربانها وجيوشها وجحوشها المرتزقة المتعطشة لدماء الأهالي، معززة بكل أسلحتها بما فيها المحرمة دولياً، إلى كوردستان لتدميرها.. وبسبب عدم تكافئ ميزان القوى انهارت المقاومة.. انتهى كل شيء وحسم الموقف من الناحية العسكرية لصالح النظام الدكتاتوري، اقتيد عشرات الآلاف من الأبرياء إلى مصير مجهول في أقذر عملية عسكرية شهدها تاريخ العراق، عرفت بالأنفال. ذهبت ميديا ضحية تلك العمليات العسكرية.. نفلت برفقة والدتها لم تكن قد بلغت عامها الأول، ولحقها إلى ذات المصير والدها.. في موقع ويوم آخر من أيام الأنفال التي مضى عليها 23 عاماً بالتمام والكمال.. لو أتيح لميديا أن تحْيَى لكانت الآن تبحث عن عمل لها وهي تزهو بشاهدة تخرجها من الجامعة… وبالتأكيد كان سيكون بصحبتها أشقاء وشقيقات. زرت بحزاني وبعشيقه بعد غياب دام 22 عاماً. كانت ومازالت الصورة القديمة للبلدتين مرسومة في مخيلتي.. لا أستطيع استيعاب الجديد الذي طرأ عليهما رغم زياراتي المتكررة.. كنت احلم عندما ادخل بلدتي من جهة تيسخراب أن لا أرى الصورة القديمة لمدخل بعشيقه بل نصباً لميديا وهي تتوسدُ ذراعي أمها وهي تشمخ بملابسها الزاهية الألوان ترضعها بطمأنينة وحنان.. واقفة تنظر نحو الشمس، تعانق خصلات شعرها شعاع البزوغ الذهبية مع اشراقة كل صباح جديد من قمة جبل مقلوب، لتوحي بتجدد الكون وضرورة مواصلة الحياة واستمرار العطاء.. عطاء يناقض الذي حدث لي ولأمي وأخوتي ومن كان معنا في وادي مراني الجميل… بعد أعوام على المجزرة حلمت بميديا ذاتها قد كبرت.. تناديني عمو كفاح اعرف أنك ما زلت تفكر فينا.. عرفنا انك أعدتَ دورة الحياة من جديد لتحيي من غيبوا عبر أسماء أطفالك شامل وونسة ولينا وآلينا وهكذا فعل فؤاد وتوفيق وأبو سربست ونائل ومخلص وعلي ولمياء والآخرون، عدت إليك ومعي ابنة عمك عاصفة اعرف انك وأباها أبو عمشة لم ترونها فقد ولدت في السجن.. الكثيرون.. الكثيرون.. يستحقون أن نحلم لهم بنصب تذكاري.. الكثيرون…. فمن يوفي؟…..

كفاح جمعه كنجي أكتوبر 2010
ــــــــــــــــــــــــ
*
وأدت بكسر الألف من الوأد أي دفن الطفل وهو حي!!!