الرئيسية » مقالات » عالم آخر: أمام البوابة الكردية

عالم آخر: أمام البوابة الكردية

كلما دخل العراقيون اقليم كردستان اشتغلت المقارنات المؤلمة بين حالنا وحال الاكراد. اما يوم الاربعاء فقد اخترنا ان يكون طريقنا نحو اربيل عبر الطريق الذي يخترق مدينة تكريت مسقط رأس دكتاتورنا السابق صدام حسين وذلك للتخلص من الزحام القاتل والخطير على “طريق الموت” الذي يربط ديالى بكركوك وتتأخر الحكومة سنوات طويلة في اصلاح حاله.

والمقارنات مع وضع كردستان المزدهر بتسارع لا يخفى، بدت اكثر ايلاما، ولا سيما حين تحدق في اطراف تكريت او حال بلدة العوجة التي ولد فيها سيد الدمار وفيها دفن، وترى كل البؤس الذي يشبه بؤس معظم انحاء العراق المهملة والتي لم تشهد عمرانا يذكر منذ وقت طويل، الأصدقاء يسألون ونحن في الطريق لزيارة معرض الكتاب الذي تنظمه مؤسسة المدى: عرب العراق يقصدون كردستان للسياحة والتسوق وحتى التجارة، فمتى نحقق ازدهارا يجعل الكرد يقصدون بغداد او باقي المدن العربية للسياحة او التسوق وفي ظروف طبيعية وتسهيلات متاحة؟

التساؤل ينطوي على شعور بوجود تسابق بين كردستان وباقي اجزاء العراق، حيث استطاع الكرد استثمار استقرارهم النسبي وصلاتهم مع الشرق والغرب وسبقونا في مجالات عدة. الاجنبي يدخل بلا فيزا الى اربيل، بينما ينام خبراء النفط في مطارات بغداد والبصرة انتظارا لتصحيح فيزا او البحث عن وسيط يسهل دخولهم الى “جحيمنا”. الغربي يتجول آمنا في كردستان ويستثمر ويقدم الخبرة، بينما يأتي الى مدننا محاطا بشركات الامن وألف سبب للابتزاز كما يقول رئيس حكومتنا نوري المالكي خلال حديث له قبل شهور تناول فيه صعوبة اصلاح قطاع الطاقة العراقي.

التقدم الذي شهدته كردستان راكم خبراتها. واتذكر ان محافظ البصرة السابق شلتاغ عبود اصابه اليأس من تأهيل فندق الشيراتون المطل على شط العرب بعد ان تناوب عليه 3 مقاولين بلا جدوى. حينها قام بزيارة اربيل واستعان بمستثمرين كرد اهلوا الفندق بطريقة لائقة لاستقبال مؤتمر لعمالقة النفط والوفود الاجنبية، وكان الامر من تجارب التعاون النادرة بين كردستان والبصرة، لكن الشعور بوجود سباق بين مدننا العربية والاقليم الكردي، لم يجد ما يجعل منه سباقا مفيدا. ولو تحقق السباق المفيد هذا لافاد منه الاقليم ايضا. ان المصالح السياسية تجعل زعماء الكتل يرغبون باستخدام اوراق “التنافس” لتحريك روح عدائية داخل سباق حقيقي يجري على الارض. ونشهد هذه الايام تصعيدا بين بغداد واربيل يستمد اسبابه من المعارضة الواسعة عربيا وكرديا، لطريقة المالكي في ادارة البلاد، وتعثر حل الملفات العالقة بين الجميع.

الامر يتحول الى تحفيز مشاعر عداء قومية لصالح هذا الطرف او ذاك، قد ينشغل بها الجمهور عن القضايا الاكثر مساسا بمصائرنا، وهو انشغال يمكن ان يلعب دورا في الانتخابات.. كي ينسى الناخب مشاكله مع المسؤول المخفق ويذهب نحو الاقتراع متسلحا بولاء للاعراق لا بتقييم لسيرة الفشل التي لم تخلص مدننا حتى من قمامتها، الا ان اسباب الخصومة والصراع لن تلغي حقيقة المقارنات المؤلمة التي يجريها العراقيون حين يزورون اربيل او السليمانية. كما ان امتلاك بغداد لحزمة من الاوراق القوية وتحكم فريق رئيس الحكومة بالمال والنفوذ، لن يعني اننا سنكسب السباق في كل الملفات.

الأبراج التي كانت تحت الإنشاء العام الماضي، توشك على الاكتمال في اربيل هذه الأيام. مركز المدينة يزداد نظافة وتنظيما، والشوارع الحديثة التي تمثل عقد المواصلات، تمتص كل زخم وتدلك بسهولة على أي مكان تقصد. الأجانب يملؤون باحة فندق روتانا المنشأ بأموال خليجية. وكردستان ستظل طيلة اعوام ورشة عمل كبيرة تقدم 20 ساعة كهرباء لسكانها. وهي تقدم نموذجا محرجا للغاية لكل الحكومات المحلية في باقي المدن.. التي تلكأت وأخطأت واضاعت الكثير من الفرص. قد يمكن للسياسي العربي ان يشغل ناخبيه بإثارة العداء مع خصمه الفدرالي. لكن المأزق اكبر من هذا، واستفادة الاقليم من الزمن الذي اضعناه، سيجعلنا نشعر بعمق الاخفاق كلما صرنا امام البوابة الكردية رغم كل ما يحيط تجربتها من مشاكل.