الرئيسية » شؤون كوردستانية » يوم الدم والنجدة في ركاڤا ..

يوم الدم والنجدة في ركاڤا ..




كارثة ركاڤا .. حدث دامي ويوم لا ينسى ذهب ضحيته عدد كبير من بيشمركة الحزب الديمقراطي الكردستاني من محلية الشيخان بتاريخ 23/5/1983 ارتبطت تفاصيله بذاكرتي بحكم جسامة الحدث واقترانه بتاريخ ميلادي الذي يذكرني بمجزرة تكررت ثانية في كلي كورتك بذات التاريخ مع مفرزة للحزب الشيوعي عام 1985 استشهد فيها تسعة أنصار وإصابة العديد منهم بجروح ..
في ذلك اليوم شاءت الصدف أن أكون قريباً من الحدث مع اثنين من الأنصار الأبطال ممن رافقوني في مهمة خاصة بعد أن انفصلنا قبل يوم عن المفرزة التي اقودها على أمل اللقاء ثانية في بريڤكا مساءً .. شاءت الصدف ايضاً أن يفهمها جوزيف جه ڤريكي ..
هكذا مررنا في التاسعة صباحاً من وادي ركاڤا متوجهين نحو مدخل كلي ديركي دون ان نرى او نشاهد مفرزة الحزب الديمقراطي الكردستاني أو يحس بمرورنا أي حرس لهم .. يبدو ان التعب والنوم كان قد أخذ منهم ما أخذ ، لذلك مررنا دون أن يحس أحدنا بالآخر .. لم نعلم بوجود نشاط عسكري لهم لنحذر على الأقل من احتمال تحليق الطيران ونؤجل أو نلغي فكرة توجهنا لمدخل ديركي الخطر المواجه لباعذرة في تلك الساعات من النهار ..
في ديركي .. عند منتصف النهار جاءَ شيبو الهويري مع غنمه ورعاته ليستقروا في الفسحة المنبسطة بالقرب من مجرى الماء .. دعانا لشرب الشاي وتناول الجبن .. جلسنا حول موقد النار نتبادل الأحاديث في ذلك النهار المشرق لغاية الساعة الواحدة وخمسين دقيقة .. حينها شاهدنا ثلاث طائرات سمتيه تتوجه نحونا من باعذرة .. تطير منخفضة كأنها شاحنات تسير على الأرض ركبت فوقها مروحيات ..
قلت لشيبو كن طبيعي .. تصرف بشكل عادي لا تخف .. طلبت من النصيرين جاسم وجيا الإسراع لارتقاء شجرة التوت الوسطى من بين ثلاثة شجرات متقاربة .. هكذا اصبحنا ثلاثتنا على شجرة واحدة .. مرقت من فوقها الطائرات السمتية الثلاث دون توقف تواصل التحليق فوق مسار الوادي مخترقة سلسلتي الجبل. قبل ان نفكر بالنزول والاختفاء بين الصخور اقتربت ثلاث طائرات اخرى بنفس الطريقة لتمرق هي الأخرى من فوقنا دون أن تعير شيبو وغنمه اعتباراً.
كانت تتوجه نحو غاية معلومة لها ، وهدف محدد بلا شك تسعى للوصول إليه لذلك لم تكن تمشط الأجواء وهي تجوب سماء المنطقة كما يحدث عادة اثناء البحث عن مفارز الأنصار واستهدافهم حتى إن حدث صدفة .. خط السير المحدد وسرعة المرور من الوادي جعلنا نتأكد أنها ذاهبة لهدف مقصود .. مشخص .. كان هذا مبعث قلقنا الكبير ..
بعد دقائق سمعنا اصوات انفجار وقصف ينبأ بحدوث معركة محتدمة .. اعتقدت إن الطيران أستهدف مفرزتنا .. خاصة بعد أن تواعدنا للقاء في بريڤكا … بقيت منشغل البال اتناقش مع جيا وجاسم في كيفية الوصول الى المفرزة ، لكن استمرار ذهاب وإياب الطيران من خط الوادي بين دقيقة وأخرى حال دون امكانية النزول من الشجرة حتى لبرهة .. تحسبنا لاحتمال مجيء قوة عسكرية من باعذرة تتقدم عبر الوادي المفتوح لحركة الآليات العسكرية .. استمر خط الطيران فوقنا .. سِتُ طائرات عائدة من اجواء المعركة وستة اخرى متوجة إليها ..
بعد ساعتين نفذ صبرنا .. قلت لجاسم و جيا .. مفرزتنا أبيدت .. علينا الوصول اليها مهما كانت الصعوبات .. المخاطرة مطلوبة .. بقاؤنا معلقين فوق الشجرة ليس حلا .. سأنزل واهرع للوادي .. لننطلق مع مجرى الماء شيئاً فشيئاً عسى أن يكون في مقدورنا الوصول الى المفرزة .. فقط احذروا الطيران .. لا تقتربوا من بعض .. اتركوا مسافة بينكم عند السير ..
بدأنا نخوض الماء ونرتقي شيئاً فشيئاً المجرى محتمين بالأحراش والأشجار القليلة .. كانت الأصوات المحتدمة تتواصل بين قصف صاروخي ولعلة اصوات الدوشكا .. بتنا نستمع لأصوات البنادق مما يعني اننا اقتربنا من أجواء المعركة ورقعتها الجغرافية ..
عند الساعة السادسة وما حولها اقتربنا من الحوض المحيط بوادي ركاڤا من جهة الجنوب ، تمكنا من مشاهدة ساحة المعركة وحركة الطائرات بوضوح وهي تقصف. القصف يتواصل .. يتداخل الغبار بالدخان الصاعد في الجو ليشكل غيمة فوق الأرض .. استمرت الطائرات تقصف .. وتنزل المزيد من الجند والمغاوير .. شاهدنا الجنود ومجاميع المسلحين يتداخلون فيما بينهم في حالة فوضى مما صعب علينا تشخيص محاور القتال .
من يقاتل من ؟!.
أين هي جهة الصديق ؟.. مِنْ العدو ؟!! ..
بالرغم من أن المسافة الفاصلة بيننا لا تبعد سوى 120 متراً وسماعنا لأصوات تأمر بالهجوم والانسحاب بين الحين والآخر .. الدقائق تمر كالدهر ونحن نشاهد حالة يصعب فك طلاسمها .. حالة لا تشبه اية معركة مرت بنا سابقاً .. في هذا الاحتدام والاشتباك وسط هذا الفضاء الواسع الذي كبست فيه الطائرات السمتية السماء على الأرض .. لا توجد أية فواصل مرئية يمكن من خلالها تحديد جهات القتال المتشابكة وزاد من الطين بله أفول الشمس وتداخل الضياء بالظلام ..
حتى هذا التداخل الزمني .. الطائرات قصفت بلا رحمة .. القصف سيد الموقف في تلك الساحة التي محقت فيها السمتيات الأرض ومن يقف عليها .. إلهُ الحرب وحده يحدد مسار الحدث الدامي في ركاڤا التي وصفت لاحقاً بالكارثة .. كارثة ركاڤا .. لكني أقول :
الكارثة لا تفي الوصف .. الكارثة قاصرة لا تناسب الحدث الجلل .. دعونا نبحث في القواميس عن بديل يلائمُ الحدث .. عن بديل يليق بلون الدم المسفوح والأرواح التي خطفت وأجهضت … بعد أن تحول المكان لجحيم يسلب الأرواح وينهي الانفاس في لحظات وجلة ..
في الحد الفاصل بين الحياة والموت .. حينما يصبح الموقف مطلوباً في لحظات ما بعد التردد والانتظار اللامجدي لحالة الغموض والتكوين المصيري وجدت نفسي في حالة تأهب أسحب أقسام البندقية المرعب لأصرخ محذراً الكائنات الهلامية التي تتحرك بالقرب منا وسط الدمار ..
ـ من أنتم ؟ .. سنطلق عليكم النار ..
ليجيبني صوت اعرفه .. كما عرفني صاحب الصوت المجيب ليقول ..
ـ صباح مه خلاصكا .. أمْ اتخلاس بوين .. صباح انقذنا.. نحن منتهىين ..
صحت من جهتي مكرراً .. محمد خالد ؟!! .. محمد خالد بالتي ؟!! .. هرعنا نقفز الصخور لنتجاوز بقية الأمتار غير مصدقين ما نرى ونشاهد .. محمد خالد .. مرزا كورو .. الجرحى .. الشهداء .. لم يكن الوقت ملائماً للحديث و التساؤل .. المعركة مستمرة .. قطع طريق الانسحاب وخطر التطويق من قبل فوج اتروش العسكري يجعلنا نفكر بأسرع وسيلة لسحب الجرحى والشهداء دون تأخير .. لم تكن المهمة سهلة .. 25 جريحاً ..11 شهيداً مع أسرى ومفقودين نقلتهم الهليكوبترات فوراً إلى المجهول .. الباقون .. من الناجين .. مجرد اشباح يعتريهم اليأس والهول .. شلت الكارثة قدراتهم .. وحولتهم رغم القدرة على الحركة الى عاجزين فقدوا البصيرة لا يدرون ماذا يفعلون .. لخص الحال بدقة محمد خالد في عبارته الجوابية على تساؤلي .. لقد انتهينا ..
بحثنا عن الجرحى والمصابين بين الاحراش .. وجدت ناصر باني .. ذلك الفتى الجميل والشجاع جالساً بين حرش .. البندقية في يده .. تصورته غافياً ناديت : ناصر .. ناصر .. لم يجب .. تقدمت منه .. لمست كتفه لأهزهُ برفق … انقلب يتكأ على الحرش .. ايقنت ان روحه فاضت مغادرة جسده .. ليدخل عالم الموت جالساً كما رأيته .. لكني لم اتمكن من تحديد مكان اصابته ..
هكذا الحال مع البقية .. أنين .. جرحى يصرخون .. رائحة الدم .. البارود .. الدخان .. خطر التطويق .. لا مجال لإضاعة الوقت … عددنا لا يكفي لسحب المصابين ونقلهم .. وصل مصطفى طلوه مع حسن جولي وعدد من الفلاحين والهاربين من اهالي القرى القريبة ..
قلت لمرزا ومحمد خالد ..
ـ الوقت ليس وقت حزن و بكاء وأسف .. علينا سحب الجرحى بواسطة جرارات زراعية .. طلبت من مصطفى طلوه أن يتفاهم مع من له الاستعداد لجلب جراره فوراً .. بعد ساعتين انطلق أول جرار محملا بالجرحى نحو معبر كلي رمان وقلعة نور دين آڤا يقوده جاسم سواري دون ان يفتح الأضوية تحسباً من قصف الجيش ، بعد أن ارسلنا كميناً يسبق الجرار ليرابط على التل المواجه للقلعة ، وهكذا قاد جيا الجرار الثاني ومن ثم الثالث بقيادة عيسى طاشيكي .. وبقي هناك من يبحث بين الاحراش عن المزيد من الجرحى وجثث الشهداء والبنادق المتروكة .. انين الجرحى تواصل في الظلام من شدة الألم الناجم من رجرجة العربة الملحقة بالجرار التي حشرت فيها الأجساد …
عند الوصول إلى بينارينكي تمكن السواق من فتح الأضوية ليواصلوا الطريق نحو جماني من أجل نقل الجرحى لمقر مراني للأنصار الشيوعيين الذي تتواجد فيه وحدة طبية متكاملة ..
في جماني التي توقفت فيها الجرارات عصر يوم 24 أيار واجهتنا مهمة نقل المصابين الى مراني بالحيوانات .. تقاطر علينا الناس وبقية مفارز البيشمركة للمساعدة .. مما دفع جاسم المتعب للتفكير بالذهاب الى البيت في سواري بعد أن أشر الى هندامه المتسخ بالدماء قائلا :
ـ اريد ان أستحم وأبدل ملابسي ..
هكذا غادرنا متوجها نحو معبر آڤوكي في المنطقة الوسطى بين المقر وقرية سواري ليمر اولاً بالقرب من بستان التفاح الذي يعمل فيه ابيه وشقيقه عابد وعدد آخر من اقربائه .. بعد أن توقف لدقائق معهم قال:
ـ سأتوجه قبلكم للدار لأستحم وأستبدل ملابسي .. فارقهم ليسير وحده في الطريق الزراعي المطل على الوادي المفتوح الموازي لسلسلة جبل كارة .. المسافة لا تتجاوز الكيلومتر والنصف ولا تستغرق سوى 15 دقيقة لعبورها .. لكنه لم يقطعها ولم يصل !! .. وصل بعد ان فارق الحياة جثة هامدة ونحن في لجة الحدث ننقل جرحى الحزب الديمقراطي الكردستاني لمقرنا من أجل علاجهم.
في الطريق من وادي آڤوكي .. الذي عبرته مطمئناً على جرحى حدك .. بعد أن ودعت آخر جريح منهم لينقل الى مراني عبر قرية صوصيا .. استقبلني الحرس المتأهب علاء أحمد الربيعي ـ أبو بان مستفسراً :
ـ وين جاسم ؟ .. كان في سؤاله الحزين ما ينبأ بحدوث أمر ما لا اعرفه ..
قلت:
ـ ذهب الى البيت ليغتسل من آثار الدماء .. لقد بذل جهداً كبيراً في انقاذ جرحى حدك .. خنقته العبرات .. أجهش قائلا ً:
ـ لقد استشهد جاسم .. في الطريق تم اغتياله ..
ذهلت .. صعقني الخبر .. كان منبع ذهولي أن المنطقة آمنة .. لم يحدث فيها أية حالة اغتيال .. وجاسم معروف بشجاعته وجرأته .. لا يمكن استهدافه بسهولة ويسر أو النيل منه ببساطة .. ايضاً هو انسان وديع .. طيب لا يعرف الضغينة محبوب من ابناء المنطقة .. الأصعب من هذا كله .. انه سار ومشى بعد توديعنا في وضح النهار في البيئة التي نشأ فيها وكبر .. فمن يا ترى أستهدفه ومن له مصلحة في اغتياله ؟! ..
كنا في محنة جرحى الديمقراطي .. أصبحنا نواجه محنة جديدة ناجمة من استشهاد اعز نصير ربطتني به صداقة ومعرفة تمتد لأكثر من ثلاث سنوات .. كان فقدان جاسم بهذه الطريقة البشعة في هذا اليوم العصيب حدثاً غير عادياً تداخلت معطياته مع كارثة ركاڤا كما اختلطت دمائه بدماء جرحاهم ..
وصل الجرحى الى مقر مراني للحزب الشيوعي العراقي وبذلت طبابة الموقع الدكتور باسل ومعاون الطبيب أبو صارم ومن ساعدهم جهوداً استثنائية في معالجتهم وتقديم الاسعافات الأولية لهم .. العدد الكبير وتعدد اصابات البعض في انحاء مختلفة من جسده تتطلب كميات من المعقم والشاش غير متوفرة .. كما انهمك بقية الانصار في توفير الطعام والحماية مستعدين لاحتمالات الانزال والطيران وأصبح عدد المرابطين في الدوشكا والعاملين في تهيئة الطعام والخشب مضاعفاً في حالة إنذار لأكثر من شهر بالرغم من مغادرة عدد من المصابين في الاسبوع الأول والثاني ممن التأمت جراحهم ، بعد نقلهم لكهف واسع استخدمناه سابقاً لاستراحة المفرزة أطلق الانصار والفلاحين عليه تسمية اشكفتت صباح كنجي ..
عموما بذل الشيوعيون دوراً مهماً في نقل وإنقاذ الجرحى وحمايتهم لا يمكن اغفالها وإنكارها في الوقت الذي لم يبدي مقر الحزب الديمقراطي الكردستاني استعداده لنقل الجرحى اليه لاحقاً وأبقاهم في ذمة مقر الشيوعيين وحمايتهم خوفاً من حدوث انزال على مقرهم في سيدرا في حالة وجود الجرحى فيه ..
كل هذا في جهة وما اعقبها من أحداث وتطورات في جهة ثانية لا يمكن تجاوزها وإغفالها بعد أن انعكست حالة الخسائر على المنطقة وأصاب الجمهور شيئاً من القنوط والخوف ، فحجم الخسائر ليس قليلاً .. كانت الكارثة الأولى في بهدينان بهذا الحجم من الإصابات والخسائر .. زادَ من تعقيد الوضع استشهاد جاسم بهذه الطريقة واستهدافه من قبل عملاء النظام في المنطقة التي كنا نعتبرها آمنة ، فكانت بحق تحدياً لنا جميعاً من السلطة ..
بعد معرفة هوية الجناة والمجرمين تبين انهم من أهالي سواري المتعاونين مع منظومة الاستخبارات .. كانوا في قوام خطة يشرف عليها محمد كلحو الريكاني المكلف بالتنسيق مع مجموعة العميل نوري سواري المقيم في الموصل لتصفية عائلة مام أحمد سواري والد جاسم ومن يعمل في بستان التفاح ذلك اليوم ..
إذ كانوا يكمنون لهم بعد ان راقبوا تحركهم لأيام وضبطوا موعد انسحابهم من العمل في حقل التفاح .. كانت الخطة في ذلك اليوم تصفية مام أحمد وابنه الكبير عابد ومن معهم بالكامل .. لكن مجيء جاسم بالصدفة مع جرحى الديمقراطي وعبوره من ذات الطريق قبل ذويه بدقائق أفشل خطتهم وتحسبوا لاحتمال اطلاق النار عليهم من قبل جاسم في حالة تركه يعبر قبل الآخرين من ذويه الذين قرروا اللحاق به بعد دقائق ..
هكذا حول المجرمون مهمتهم من تصفية العائلة الى تصفية جاسم واغتياله بعد ان اقترب منهم وعرفوه .. كانت المفاجأة بعد اعتراف من اعتقل من المشبوهين المساهمين بالتنسيق مع القتلة من قرية سواري .. الذين قبضوا من السلطة مبلغ 30 ألف دينار ثمناً لاغتيال جاسم .. مما دفع بعائلته للالتحاق كاملة بالشيوعيين بمن فيهم عمه المعلم محمد سواري الذي كان في دهوك .. وأصبح لحادثة الاغتيال تداعيات وتفاعلات كبيرة ..
من أجل رفع معنويات البيشمركة والناس قررنا تحدي السلطة في عملية كبيرة في وضح النهار .. رداً على الإنزال الذي حدث في ركاڤا وما اعقبه من استشهاد جاسم .. اخترنا بعد استطلاع ميداني عقب الحدث بأقل من أسبوع بالتنسيق مع الدليل جعفر آشوي موقع بين طاشيكه وآشوا وسط مجموعة من الربايا لضرب قافلة عسكرية تمر من الشارع ..
في اليوم التالي توجهنا متسللين للهدف .. بدأنا بضرب قافلة الجنود والمواقع العسكرية أذكر انه كان بجانبي النصير وليد القوشي فقلت له ركز على السائق مع اطلاق اول قذيفة اربي جي بدأت المعركة .. توقفت ناقلة الجنود وبدأ اطلاق النار المكثف نحو المواقع العسكرية في عمل لا سابق له نفذ بالنهار واعتبر تحدياً خطيراً للسلطة اثبتنا قدرتنا على قطع الطريق الرئيسي بين دهوك وسرسنك و العمادية وسجل بداية توجه لعمليات نوعية ..
كانت خسائر السلطة كبيرة .. بدأت ربايا الجيش تطلق نيران المدفعية والدوشكا من مختلف الجهات نحونا .. الاخطر منها كانت نيران ربايا زنكلو فوق قمة سواره توكه التي تركناها خلفنا المسيطرة علينا .. انسحبنا دون خسائر الى قرية سبندار الكبيرة .. خرج سكانها لأول مرة لاستقبالنا يتقدمون في الطريق الذي نسلكه نحوهم .. كان في مقدمة الناس علو حجي علو ومجيد وعدد آخر من الهاربين المتعاطفين مع الأنصار والحزب الشيوعي .. وأيضا أن لم تخني الذاكرة كان بالصدفة مرزا كورو بين المستقبلين شاهدته فرحاً يندفع لتحيتنا إن لم يكن في اليوم التالي في مكان آخر ..
كان هذا ردنا الأول على السلطة وجيشها .. ما بعدها بعد معرفة الجناة تم اعتقال المتعاونين معهم واقتيادهم الى مراني .. اعترفوا بتفاصيل الجريمة .. مع هذا وللأسف قام البعض من كوادر حدك بالدفاع عن المجرمين الذين اغتالوا جاسم وفقاً للقيم العشائرية واعتبروهم من تنظيمات حدك وحدثت ملابسات وتعقيدات في الموضوع طالت العلاقة بين الشيوعيين والديمقراطي الكردستاني انشغلت فيها قيادة الحزبين لسنوات استمرت ذيولها لما بعد سقوط النظام .. حينما استدعي المخطط لاغتيال جاسم ، المختار نوري سواري من الموصل ليقدم ولاء الطاعة لحدك مقابل دعمه مالياً وبصلح عشائري مع ذوي جاسم ..
لكن نوري ورط نفسه وأقربائه وحدك في جريمة اكبر حينما كلف مجموعة من اعوانه بمراقبة بيشمركة ب . ك. ك. ليغتالوهم ، ومن بعدها انتقم ب .ك. ك من ذوي القتلة والقصة معروفة ذهب فيها اكثر من عشرين قتيل من اهالي سواري على يد ب. ك. ك ..
هذا باختصار ما له علاقة بالحدث وما بعد قصف الطائرات والإنزال على مفرزة الحزب الديمقراطي الكردستاني في ذلك اليوم الذي ذهب ضحيته 25 جريحاً و 11 شهيداً وعدد من الأسرى والمفقودين .. حتماً ان الجرحى والمسئولين عن المفرزة يدركون هذه التفاصيل ولا يمكن ان ينسوها .. مرزا كورو .. محمد خالد بالتي .. علي شمس الدين ـ شيخ علو.. مسئول الجيش الكردستاني اليوم وقائده الأول في بهدينان .. وآخرين من الاصدقاء في زمن الكفاح المشترك ضد الدكتاتورية وجبروتها العسكري ..
في عودة لملابسات ذلك اليوم أقول:
أن ما ذكر عن وجود أصحاب الغنم مع طائرات الهليكوبتر التي توجهت لموضع مفرزة الحزب الديمقراطي الكردستاني مباشرة لتقصفه وتسبب كل هذه الخسائر جاءَ بعد أن شخص أحد الرعاة غنمه المصبوغ وحدده بلا لبس أعادت الطائرات قسماً منه مع الذين أسروا من البيشمركة ..
أمّا مجيء الطائرات فوراً لمكان الاستراحة فكان بسبب تسرب معلومة بطريقة ما سريعة للسلطة والجيش من عميل تواجد بالقرب من الحدث بعد الوصول إذ أن المدة بين الوصول والإنزال والقصف لا تتعدى سوى خمسة ساعات فقط .. أثناءها غادر البعض من البيشمركة للقرى القريبة لأجل الاستراحة والحصول على الخبز وبعض الحاجيات وانتشر خبر العملية وجلب الغنم بين الفلاحين والرعاة ..
أما المكان فلا يصلح للاستراحة والبقاء وهو شبه مكشوف وعاري لا يمكن لأكثر من خمسة اشخاص اللجوء اليه فكيف بمفرزة كبيرة يفوق عددها الخمسين بيشمركة مع الغنم الذي لم يبعدوه عنهم !! هذه كانت مجموعة الأخطاء القاتلة التي وقعت فيها مفرزة الحزب الديمقراطي الكردستاني التي اسفرت عن الكارثة التي وقعت في ركاڤا ..