الرئيسية » مقالات » قاسم والمالكي بين زمنين، التشابه والاختلاف

قاسم والمالكي بين زمنين، التشابه والاختلاف




ظهرت في الآونة الأخيرة مقالات وتعليقات يشبِّه فيها كاتبوها السيد نوري المالكي بالزعيم عبدالكريم قاسم. وأنا شبهتُ في عدة مقالات المرحلة الحالية بمرحلة 14 تموز 1958 من حيث تكالب أعداء العراق على الحكومة العراقية. لقي هذا التشبيه قبولاً من البعض ورفضاً من البعض الأخر. ومن مقالات المقاربة بين المالكي وقاسم، هو مقال الأستاذ وليد العبيدي، بعنوان (نوري المالكي وعبد الكريم قاسم بين زمنين)، يليه تعقيب من الأستاذ محمد ضياء عيسى العقابي مؤيداً. بعد قراءتي لهذين المقالين وجدت أن هناك فسحة لأدلي بدلوي وأضيف ما عندي حول هذا الموضوع، متجنباً التكرار على قدر الإمكان.

فالمعروف عن الزعيم عبدالكريم قاسم أنه لم يختف عن الذاكرة العراقية، بل هو الأكثر من أي زعيم آخر في دول الشرق الأوسط في التاريخ الحديث، حظي باهتمام الكتاب والمؤرخين، فألفوا عنه عشرات الكتب، ونشروا آلاف المقالات، فهو بحق الحاضر دائماً. وسبب احتلال الزعيم عبدالكريم قاسم لهذه المكانة بين محبيه وخصومه على حد سواء، هو أنه كان مثالاً في الاخلاص الوطني والنزاهة ونظافة اليد، وعفة اللسان، وحبه للشعب وبالأخص الفقراء. فخلال حكمه القصير (أربع سنوات ونصف) حقق منجزات عظيمة للشعب ضعف ما حققه العهد المالكي في 38 سنة وخاصة في مجال التعليم، وقُتِلَ بخسة على أيدي رفاق الأمس، وهو لا يملك بيتاً ولا عقباً من صلبه، ولا أموالاً منقولة أو غير منقولة إذ كانت كل ملكيته حوالي دينار ونصف بشهادة أحد خصومه في حياته، وهو السيد حسن العلوي الذي راح إلى مصرف الرافدين بعد مصرعه، ليتأكد من ثروته، بل ولم يحصل قاسم حتى على قبر يحتضن جثته الممزقة بالرصاص، خوفاً من أن يصبح قبره مزاراً للشعب.

ولهذه الأسباب صار قاسم رمزاً للوطنية والنزاهة، والمقياس لاخلاص ونزاهة الرؤساء الذين جاؤوا من بعده. وبما أن ما يجري في العراق الآن يشبه ما جرى خلال فترة ثورة 14 تموز، من تآمر وتكالب عليه، لذلك صار من المنطقي مقارنة مرحلتنا الحالية بعد 2003، بمرحلة 14 تموز، ومقارنة السيد نوري المالكي بالزعيم عبد الكريم قاسم.

يستكثر البعض هذا التشبيه ولا يجد وجهاً للمقارنة، خاصة من قبل اليساريين، السابقين والحاليين. ولكن الحقيقة تقع بين طرفي المعادلة. فليس في السياسة خط فاصل بين الأسود والأبيض، بل هناك منطقة رمادية نتيجة اختلاط وتداخل الظروف والتناقضات. وعليه أرى أن هناك نقاط تشابه واختلاف بين الزمنين والشخصيتين، والسياسي الحصيف هو الذي يتبصر ويتصرف وفق متطلبات المرحلة ولا يقع ضحية الجمود العقائدي، والتقليد الببغاوي.

نقاط التشابه

الجماعات السياسية التي ناصبت العداء لقاسم بالأمس بدءً بالبعثيين والقوميين وصراعاتهم مع الشيوعيين، وبعض الزعامات الدينية، والحركة الكردية التي حققت في عهد قاسم مكتسبات لا يستهان بها نسبياً قياساً بتلك المرحلة، وكذلك تكالب دول الجوار، وبالأخص السعودية ولأسباب طائفية معروفة، هي نفسها التي تناصب العداء لعراق ما بعد 2003 ولشخص السيد نوري المالكي بالذات، وتعمل على إسقاطه، وإفشال العملية السياسية. فلو راجعنا ما يجري من تآمر من مختلف الجهات وبالأخص الدول الخليجية مثل السعودية وقطر، ودعمهم الكبير لكتل سياسية رضيت أن تكون مطية لهم لمصالح شخصية وفئوية على حساب مصلحة الشعب، من أمثال طارق الهاشمي، وأياد علاوي، وصالح المطلق وغيرهم، هم أنفسهم الذين شاركوا، وبدعم من تلك الدول في الإطاحة بحكم قاسم في 8 شباط 1963، وإدخال العراق في نفق مظلم لحد الآن.

وكما ذكرناً آنفاً، كان الزعيم قاسم منحازاً إلى الفقراء، مخلصاً للعراق، نزيهاً وعفيف اللسان، وكذلك السيد نوري المالكي، ولكن المرحلة تتطلب الكثير، خاصة والعراق يواجه الآن الإرهاب البعثي الوهابي الشرس، المدعوم من دول عربية، حيث صار ديدنهم هدم أي تحسن في الوضع الأمني أو توفير الخدمات، لكي يلقوا اللوم على الحكومة أو بالأحرى على السيد المالكي وحده، وكأنهم ليسوا شركاء في “حكومة المحاصصة”.

لم يجمع أعداء العراق في عهد ثورة تموز أي جامع سوى العداء للشعب العراقي وعبدالكريم قاسم، وعملتْ على إسقاطه بتهمة الانحراف بالثورة. ومعنى الانحراف هنا يختلف عند هؤلاء وحسب أيديولوجياتهم وانتماءاتهم واختلاف أغراضهم.

* فالبعثيون والقوميون يقصدون بانحراف قاسم أنه عارض الوحدة العربية والتي لم تكن من أهداف ثورة تموز، وذلك لإصرار قاسم على عدم إلغاء الدولة العراقية وجعلها محافظة تابعة للجمهورية العربية المتحدة التي ولدت فاشلة وبإرادة فوقية، ثم ماتت فيما بعد. كما وأثبت التاريخ أن القوميين العروبيين في العراق لم يكونوا صادقين برفعهم شعار الوحدة الفورية، بل اتخذوا من هذا الشعار ذريعة لإسقاط حكومة الثورة، بدليل أنهم عندما اغتصبوا السلطة تنكروا للوحدة العربية، وحتى دمروا التضامن العربي بحدوده الدنيا.

* الانحراف بالنسبة للشيوعيين، أن قاسماً رفض إعلان الشيوعية، وأن يكون كاسترو العراق كما كانوا يتمنون.

* وبالنسبة للقوميين الأكراد، رفض قاسم إنفصالهم، وبشهادة السيد مسعود البارزاني، وبعد خراب البصرة، أن عبد الكريم قاسم كان مخلصاً في حبه للشعب الكوردي، وقدم الكثير، وكان ممكناً تجنب الثورة عليه أو الحرب ضده لو احسنت القيادة الكردية التعامل مع حكومة قاسم.

* أما الانحراف وفق مفهوم المرجعيات الدينية، والدول الغربية فإن عبدالكريم قاسم كان شيوعياً ويخطط لإعلان النظام الشيوعي، ويصبح العراق تابعاً للاتحاد السوفيتي!!. وهكذا تهمة لا بد وأن تكون خطيرة أيام الحرب الباردة. أما اليوم فالتهمة تغيرت إلى كون المالكي “شيعي صفوي” تابع لإيران، وصار العراق مستعمرة إيرانية !!.

وقبل هذا، كان البعثيون الطائفيون وحلفائهم الوهابيون يشنون حرب الإرهاب على الشعب بحجة مقاومة الاحتلال الأمريكي، ولما أصر المالكي على انسحاب القوات الأمريكية نهاية عام 2011 لكي لا يبقى عذر لدى هؤلاء لمواصلة إرهابهم، أعلن الإرهابيون شعاراً جديداً لهم وهو محاربة “الاحتلال الصفوي” الأمر الذي أكد أنه لم يكن غرض الإرهابيين من الارهاب محاربة قوات الاحتلال، بل هو حرب الإبادة ضد الشيعة. والمقصود بمحاربة “الاحتلال الصفوي” هو مشاركة شيعة العراق في الحكومة وفق ما تفرزه صناديق الاقتراع، ففي عرف هؤلاء لا يجوز للشيعي أن يترأس مجلس الوزراء. وموقف هؤلاء المعادي للشيعة لا يعتبر طائفياً في عرفهم، بل من الطائفية أن يشارك الشيعة في السلطة، ولهذا السبب اخترعوا عبارة (حكومة المحاصصة الطائفية). ولم يتخلص العراق الجديد من هذه التهمة إلا بإعادة التاريخ إلى ما قبل 2003، وحرمان الشيعة من المشاركة الفعالة. هذه السياسة يرفضها المالكي، كما حاول الزعيم عبدالكريم قاسم التخلص من التمييز الطائفي تدريجياً ابتداءً بقبول الشيعة في الكليات العسكرية بدون تمييز، الأمر الذي اعتبره الطائفيون آنذاك تجاوزاً على حقهم في احتكار الهيمنة على الجيش، وخط أحمر بالنسبة لهم، لذا انتقموا منه شر انتقام.

نقاط الاختلاف

أن الزعيم قاسم جاء إلى الحكم عن طريق انقلاب عسكري الذي حوَّله الشعب بعد ساعات إلى ثورة حقيقية، بشهادة الباحث حنا بطاطو، والمستشرق الفرنسي مكسيم رودنسون، وخلافاً لما يتهمه الديمقراطيون أنه رفض وضع دستور دائم وإجراء إنتخابات برلمانية، كان قاسم قد شكل في العام الرابع من عمر الثورة، لجنة من المتضلعين بالقانون برئاسة الراحل حسين جميل لكتابة الدستور الدائم، وإجراء انتخابات برلمانية ورئاسية قبل العيد الخامس للثورة، ولكن سارع القوميون الشباطيون بإنقلابهم الدموي في 8 شباط 1963، لعلمهم الأكيد بأن الديمقراطية ليست في صالحهم، وكان ما كان. بينما جاء نوري المالكي إلى الحكم عبر صناديق الاقتراع، وهذه نقطة في صالحه. ينكر البعض شرعية وجود المالكي لرئاسة الحكومة قائلاً أن أمريكا جاءت به، وهذا خطأ، لأن حزب المالكي (الدعوة) رفض التدخل الأمريكي في إسقاط حكم البعث، ولكن بعد إسقاطه، صار أمام الأمر الواقع، فمن الواجب الوطني أن تشارك الأحزاب الوطنية في بناء الدولة الديمقراطية، إضافة إلى أن المالكي استلم رئاسة الحكومة عن طريق الانتخابات. والذي ينكر هذه الحقيقة ينكر على العراقيين حقهم في الديمقراطية كأفضل آلية للتداول السلمي للسلطة عبر صناديق الاقتراع.

اختلاف آخر بين الزعيمين، وهو أن الزعيم عبدالكريم قاسم رفض تشكيل حزب له، إذ اعتمد كلياً على حب الجماهير له، بينما السيد نوري المالكي له حزب جماهيري منظم وتحالف أوسع يدعمانه.

يرى البعض أن مجرد قول الحقيقة هو انحياز للمالكي، وهذا اعتراف منهم على أن المالكي رجل واقعي وسياسته صحيحة، لذلك يعمدون إلى التلفيق وكيل الاتهامات الباطلة ضده، وضد كل من يرفض التصديق بالإشاعات والأكاذيب. فقد أثبت الواقع أن المالكي هو رجل المرحلة وأكثر من غيره استيعاباً لشروطها، والأكثر حرصاً من منافسيه على وحدة العراق، بشهادة السيد عدنان عليان، أحد قياديي كتلة “العراقية”. فالمالكي صهرته الظروف وتعلم كثيراً خلال السنوات الست الماضية التي ترأس خلالها الحكومة.

أسباب فشل خصوم المالكي في الإطاحة به:

1- إن خصوم المالكي الحاليين هم، البثعيون، والشيوعيون والبارزانيون، إضافة إلى فلول الإرهاب الوهابي. فهؤلاء مازالوا يعيشون بنفس عقلية أيام ثورة 14 تموز، وعقلية الحرب الباردة، بينما الدنيا تغيرت رأساً على عقب، وتتطلب تكتيكات واستراتيجيات جديدة لحكم العراق وفق النظام الدولي الجديد.

2- الجيش العراقي اليوم لم يكن حكراً على طائفة معينة وغالبية الجنود من الطوائف الأخرى، كما كان قبل 2003، فعهد الانقلابات العسكرية قد ولى وإلى الأبد. وأفضل عمل حصل بعد 2003 هو حل الجيش القديم الذي حوله البعث الصدامي إلى جيش مؤدلج بأيديولوجية البعث، إذ لم يكن بالإمكان مطلقاً إقامة نظام ديمقراطي بوجود جيش مسيَّس ومؤدلج ومتشبع بروح الانقلابات العسكرية. ولذلك كان حله صحيحاً، وحتمياً، وبناء جيش جديد غير مؤدلج وغير مسيس، متشرب بثقافة احترام الحكومة المدنية المنتخبة.

3- إن الصراعات بين خصوم المالكي أشد من صراعاتهم مع المالكي، ولذلك لم يفلح هؤلاء في الاتفاق على بديل له يحظى بقبول الأغلبية المطلقة في البرلمان.

4- حصل تطور سريع في التنظيمات السياسية واصطفاف القوى الوطنية خلال السنوات الأربع الماضية، وبالأخص في الجبهة الكردستانية. فعائلة البارزاني لم تعد تحتكر قيادة الشعب الكوردي كما كان في عهد الزعيم عبدالكريم قاسم حيث كان الملا مصطفى بارزاني يحظى بزعامة روحية وسياسية على الشعب الكوردي، فاليوم هناك حزب الاتحاد الوطني الكردستاني بزعامة السيد جلال طالباني (رئيس الجمهورية)، وحزب التغيير برئاسة السيد أنوشروان مصطفى، إضافة إلى وجود أحزاب دينية تتمتع بشعبية لا يستهان بها بين الكورد، وهؤلاء لم يوافقوا السيد البارزاني في محاولاته الانفصالية وتصريحاته المعادية للمالكي.

كذلك كتلة “العراقية” بقيادة أياد علاوي، المدعومة من السعودية وقطر، أنشق عنها عدد كبير من نوابها وشكلوا كتلاً أخرى مثل العراقية البيضاء والحرة وغيرهما.

5- أخطأ السيد مسعود بارزاني في فهم المناخ السياسي في الغرب وبالأخص في أمريكا. ففي عهد قاسم كانت أمريكا تخاف من الهيمنة الشيوعية على العراق، وكذلك كان شاه إيران والسعودية، أما اليوم فالخطر الشيوعي قد انتهى، وإيران لم تعد عدوة للحكومة العراقية، وحتى تركيا أبدى رئيس وزرائها أردوغان تراجعاً كبيراً عن تصريحاته الشائنة قبل فترة ضد المالكي، واعترف بدور حكومة المالكي في إلحاق الهزيمة بالإرهاب، وأن العراق يعتبر قوة مهمة لتحقيق الاستقرار في المنطقة. لذلك فلما راهن بارزاني على موقف الغرب وبالأخص أمريكا في محاولة له لإعلان الدولة الكوردية بمناسبة عيد نوروز 12/3/2012، جاءته رسالة من الرئيس أوباما ونائبه بايدن، ينصحانه بعدم اعلان الانفصال عن الدولة العراقية، وإلا فأمريكا ستنفض يدها من دولة بارزاني. وبارزاني يعرف ما سيكون عليه مصير دولته بدون الدعم الأمريكي.

أما الرئيس جلال طالباني، فقد كسب خبرة لا تقدر في السياسة، فصار يعرف كيف يحافظ على شعرة معاوية مع الأطراف المتصارعة وفي مختلف الظروف، وبذلك فهو عامل مهم لحفظ التوازن.

كذلك، يجدر بنا القول أن المحاولة التي نجح بها التحالف الكردستاني في اسقاط حكومة الجعفري عام 2005، لن تتكرر مع المالكي، ويبدو أن السيد مسعود بارزاني لم يستوعب الدرس بعد، فهو مازال في عقلية الماضي معتقداً أنه يستطيع أن يبتز حكومة بغداد ويسقطها متى ما شاء.

6- أما الشيوعيون وبعض التنظيمات اليسارية، فقد استدرجتهم بعض القوى السياسية المعادية للعملية السياسية، وجعلت منهم رأس حربة أو هراوة للصدام مع حكومة المالكي، وهم (الشيوعيون) في غنى عن ذلك. فمشكلتهم أنهم اعتمدوا على شعارات اعتقدوا أنها ستكسبهم شعبية واسعة، مثل شخصنة مشاكل العراق بشخص المالكي، وترديد عبارات مثل: حكومة المحاصصة الطائفية، والبطالة، والفساد، ونقص الخدمات، وأزمة الكهرباء…الخ، كل هذه الشعارات فقدت بريقها، وأثبتت فشلها، إذ شعرت الجماهير بحسها الفطري أن هؤلاء يتاجرون بمأساتها، وليست لديها أية حلول بديلة ناجعة للأزمة الراهنة، وإنما غرضهم من ترديد هذه الشعارات وتنظيم التظاهرات هو تصفية حسابات سياسية لا غير، لذلك فشلت هذه الجهات فشلاً ذريعاً وخسرت جماهيريتها أكثر، فعندما ننظر إلى عدد المشاركين في التظاهرات الاحتجاجية التي يدعو لها الشيوعيون وأصدقاؤهم نعرف أن هذه الكيانات السياسية قد انتهى دورها في التأثير على السياسة العراقية وعلى الشارع العراقي بشكل مزري.

7- حصل اصطفاف عجيب في تحالف غير معلن بين كتلة “العراقية” والشيوعيين والبارزانيين في كيل الاتهامات ضد المالكي بالدكتاتورية والانفراد بالسلطة وتشبيهه بصدام و”محاربته للمفكرين”!! نفس الاتهامات التي كان يلوكها صالح المطلك وطارق الهاشمي وأياد علاوي ومن لف لفهم. ففي الوقت الذي نرى فيه صحافة الشيوعيين وحليفتهم صحيفة المدى، ينشرون ليل نهار اتهامات باطلة ضد المالكي بالذات، وتحميله مسؤولية أية عملية اغتيال لصحفي مثلاً إذ يسارع هؤلاء بتدبيج مقالات مثل(ابحثوا عنهم في معطف الحكومة .. القتلة)، بينما تغض هذه الصحف الطرف عن الانتهاكات السافرة التي حصلت ومازالت تحصل في إقليم كردستان، وعلى سبيل المثال لا الحصر، اختطاف واغتيال الصحفي الشاب سردشت عثمان، وإصدار حكم بسجن المؤرخ الكوردي والاستاذ الجامعي كمال سيد قادر، الذي تجرأ قبل عامين فانتقد ما يجري من انتهاكات في كردستان على أيدي عائلة مسعود بارزاني، فسجن 30 سنة في محاكمة لم تستغرق أكثر من عشر دقائق وفق ما جاء في الإعلام الغربي. وفي العام الماضي لما تجرأت الجماهير في السليمانية بتنظيم مظاهرة احتجاجية سلمية ضد البطالة والفساد وغيرها من الأزمات، قوبلت بالرصاص من قبل سلطة الإقليم راحت ضحيتها العشرات من القتلى والجرحى. هذه الانتهاكات وغيرها كثير تحصل في اقليم كردستان، وقد أثارت استنكاراً دولياً واسعاً ولكنها لم تحرك رمشاً لدى الصحافة الشيوعية وكتاب صحيفة المدى. لنتصور ولو للحظة واحدة، لو حصل في بغداد ما حصل في كردستان من انتهاكات فماذا كانت ردود أفعال هؤلاء؟

وقبل أيام أفادت الأنباء عن جريمة مروعة حصلت في سجن في أربيل على أيدي جهاز الاسايش (الامن) مفادها: “كان (زانا حمه صالح) القيادي في حزب طالباني وقائمقام قضاء مركز السليمانية الذي لقي حتفه مساء امس السبت (14/4/2012) في زنزانته بسجن جهاز الاسايش (الامن) في ظروف غامضة”.
فهل سيستنكر هؤلاء ما جرى في كردستان من انتهاكات أم يعاملون الأمور بمعيارين، معيار خاص للحكومة المركزية، وغض الطرف عما يجري من انتهاكات في كردستان؟

ومن جانب آخر، يعرف الجميع أن سيدة محسوبة على الشيوعيين، تحدت المالكي بحضوره في مؤتمر دولي عقد في بغداد في العام الماضي، وذهبت إلى بيتها آمنة سالمة دون أن يمسها أحد بسوء، بل ونالت جوائز دولية على تحديها لرئيس وزراء بلدها. والسؤال هو: ماذا كان مصيرها لو قامت هذه السيدة بنفس العمل ضد جلال طالباني أو مسعود بارزاني أو حتى طارق الهاشمي وأياد علاوي وغيرهم من قياديي العراقية؟ الجواب معروف، ومع ذلك يتهمون المالكي بأنه دكتاتور أسوأ من صدام. فأين الحقيقة من كل هذه الاتهامات؟.

ولذلك خسر هؤلاء مصداقيتهم أمام الجماهير، بينما راحت شعبية المالكي في ازدياد، والانتخابات القادمة ستؤكد صحة ما نقول.

خلاصة القول، نعم هناك نقاط تشابه بين السيد نوري المالكي والزعيم عبدالكريم قاسم، وكذلك نقاط اختلاف بينهما. أيضاً هناك تشابه بين المرحلتين التي تتمثل في تكالب دول الجوار، ونفس القوى السياسية الداخلية التي ناصبت ثورة تموز وقائدها العداء. أما نقاط الاختلاف بين المرحلتين، فهي في صالح العراق، وأهمها سقوط نظام الشاه، وانتهاء الحرب الباردة، وزوال الخطر الشيوعي، فأمريكا (الدولة العظمى)، والدول الغربية الأخرى لم تعد في حالة عداء مع العراق بل تريد له خيراً والمزيد من الاستقرار والتقدم.

ونحن متفائلون بمستقبل العراق، ومهما نشر المتشائمون من مناحات، فالعراق الذي كان يصفه أعداءه بأنه يحتل المرتبة الثانية بعد الصومال في قائمة الدول الفاشلة، نجح في دحر الإرهاب بحيث استطاع استضافة عقد مؤتمر القمة العربية في بغداد رغم محاولات إفشاله، ونال العراق على هذا النجاح الثناء والتقدير من الأمين العام للأمم المتحدة، والرئيس الأمريكي وقادة الوحدة الأوربية، والزعماء العرب، بل واختيرت بغداد لتستضيف اللقاء القادم بين ايران ودول (5+1) حول برنامج طهران النووي. وهذا دليل على نجاح قادة العراق المخلصين في إنجاح العملية السياسية ودحر الإرهاب. ولكن، وكما قال السيد نوري المالكي، أن بعض السياسيين العراقيين يغيظهم تحقيق أي نجاح في العراق.