الرئيسية » مقالات » الأتجار بالكراهيـة …

الأتجار بالكراهيـة …




الكثيرون اشاروا الى ان التنوع داخل المجتمعات ’ يبقى في مقدمة شروط تطورها الحضاري ’ هذا اذا توفرت البيئة المثالية لروح التسامح الصدق والمحبة والرغبة في الأندماج الطوعي والبناء ’ كما ان رحمة التنوع قد تصبح نقمة ( لعنة ) اذا ما فتحت المجتمعات ابواب خرابها مستسلمة لحرائق الكراهية والأحقاد والخوف من الآخر والعمل على تدميره .

العراق وعبر تاريخه ’ مر بمراحل الرحمة وكذلك اللعنة ’ ومثلما عاش مراحل ازدهار حضاراته ’ دفع ضريبة انتكاساته وتراجعاته ’ وهو الآن يقف بين مفترق طريقين ’ فأما ان يكون ذاك العراق .. واما الا يكون .

الحالة العراقية الراهنة تعاني ازدواجية المصير ’ بين امـة ( مكونات ) تريد التوحد والسلام والعدل والمحبة والمساواة كطريق لأعادة بناء مستقبلها العراقي ’ وبين كيانات كانت مغمورة وقد ولدت فرصتها من رحم الأحتلال ’ مدفوعة بأنانيتها وذاتيتها وفئوية مصالحها الى اعادة افتراس العراق وتحاصصه سلطة وثروات ومنافع ومناطق نفوذ جغرافية ’ عند ذلك المفترق ’ يقف كل عراقية وعراقي والضمائر على الألف امام السؤال الأصعب .

ـــ مع العراق آمناً موحداً متحرراً مزهراً يملكه الجميع ’ ام مع ضعفه وتقطيعه وتقاسمه ثم ابتلاعه من قبل ضواري الردة والجوار … ؟؟؟؟ .

الجواب هنا مشروطاً بتجنب المكابرة والتسويف والنفاق على الذات , ثم التحلي بتحمل المسؤولية لمواجهة الحالة العراقية ’ ومنها ممارسات الدولة غير الصحية ازاء المكونات التي تدعي تمثيلها .

نكذب على النفسنا ’ عندما نتحدث او نكتب او مجرد نتفائل عن ثمة وحدة وطنية او مصالحة صادقة ومشاركة حقيقية ونحن نرى اطراف العملية السياسية ’ ورشة لتصنيع وتعميم بضاعة الكراهية والأحقاد وسؤ الفهم بين المكونات .

من الأدعاء الكاذب ’ الحديث عن اخوة عربية كوردية واجواء العلاقات ملبدة باسوأ الأحتمالات ’ او ثمة وئام بين المكونيين الكوردي والتركماني ’ او هناك رغبة صادقة في التعايش بين طائفتي الشيعة والسنة ’ وما عانته بعض المكونات التي دفعت بها ضغوطات الأحقاد والكراهية والألغاء الى الهجرة في عملية اجتثاث وانقراض غير مسبوقتين ’ تلك الصورة البائسة ’ تشكل الوجه الآخر للحقيقة العراقية الراهنة .

تلك الأشكالية التاريخية المدمرة ’ ليس من نتاج طبيعة مكونات المجتمع العراقي ’ بقدر ما هي من صنع مكونات السلطة ’ ومن يرى غير ذلك ’ عليه ان يشارك الضحايا معاناتها وماساتها اولاً .
ملايين الأبرياء ومن مختلف المكونات ’ لا مصلحة لها بالتصعيد الطائفي العرقي المشتعل’ والذي يشكل بأمتياز هويـة اطراف العملية السياسية’ كما انها لا ترغب ان ترى ثقافة الأحقاد والكراهية وهي تدمر المتبقي من علاقاتها التاريخية مع بعضها والتي ترسخت عبر الآف السنين’ وتعلم كذلك’ ان حاضرها ومستقبل اجيالها بحاجة ماسة الى بيئة امنة مستقره داخل افقاً للسلم الأجتماعي المشترك .

القيادات السياسية والأجتماعية والثقافية والأقتصادية التي تتصدر العملية السياسية الراهنة’ والتي اتخذت من نظام التحاصص والتوافقات مرجعية لها ’ اغلبها لا تروق لها العلاقات السلمية بين المكونات وليس من مصلحتها الشخصية والفئوية والحزبية

والعشائرية ’ ان تترسخ روابط الأخاء والتآلف والمحبة والفهم الصحيح لهوية وخصوصية الآخر بينها ’ كون حاضرها ومستقبل نفوذها وتفردها مبني على اساس تضليل وتجهيل واستغفال الملايين بقضايا وردود افعال لا علاقة لها يمصالحها .

الدولة التي اعيد نتاجها بعد سقوط دولة البعث ’ على اسس طائفية عرقية ’ تقف الآن على ثلاثة ركائز ( كيانات ) قلقة غير متجانسة وليس في الأفق القريب امل انسجامها ’ تتكون من .

ــــ التحالف الوطني : بجميع مكوناته وتوافقاته وتناقضاته وصراعاته ـــ يمثل المكون الشيعي ـــ .

ــــ ائتلاف العراقية : بكل اتجاهاته وتناقضاته وارتباطاته وتبعيته ـــ يمثل المكون السني ـــ .

ــــ التحالف الكوردستاني : بحزبيه الرئيسيين ومعارضته والمؤجل من تناقضاته وصراعاته وتعرجات طريقه للوصول الى حقه في تحقيق ذاته في دولته القومية ـــ يمثل الكيان الكوردي ـــ .

وهكذا الأمر بالنسبة للمكونات الأخرى .

هنا يقف العراق اعزلاً عرضة لكوارث الفتن والتمزق وفقدان الهوية ’ لا تلتقي مصالح شعبه ( مكوناته ) مع المصالح الضيقة للأطراف التي تحكمه وتتحكم في مصيره عبر ما يسمى بالعملية السياسية ’ وهي غارقة في لعبـة المصالحات والمشاركات والأبتزازات والمساومات ثم التوافقات على حسابه .

الأطراف المعنية ورغم سلطاتها وثرواتها واعلامها وديماغوجيتها ’ لا تستطيع مواصلة التمويه على حقيقة دورها الى ما لا نهاية ’ ومن اجل ان تبقى على ظهر الملايين وتتطفل على حقها في العيش الكريم ’ تستغل كل ذلك الذي بحوزتها وتحت تصرفها بأتجاه تضليل وخداع الرأي العام وتصفية حسابها مع الوعي العراقي والأبقاء عليه اسير الجهل والفقر وتدهور اوليات الصحة الجسدية والنفسية ’ انهم يخدعون الأمـة ويكذبون عليها ويذلوها ’ ورغم مظاهر صراعاتهم وصداماتهم ’ فهم حريصون على دوام الحال تحت خيمة نظام التحاصص والتوافقات على فرهدة ثروات الوطن وارزاق الناس وتمزيق وحدة مكوناتهم وجغرافيتهم ’ واذا ما شكل الرأي العام قوة فاعلة تهدد مصالحهم ودق الوعي ابواب حتف مشاريعهم ’ لا يوجد ما يمنعهم من فتح صفحات مساومات جديدة تجمعهم وتوحدهم لآغتيال الحق العراقي ’ وبالقدر الذي تلتقي فيه مكونات السلطة والمال والأعلام وتندمج داخل خيمة مصالحها المشتركة ’ تزداد الهوة قمعاً واذلالاً بينها وبين المكونات العراقية التي افتعلت تمثيلها .

اعادة انتاج اسباب الخوف من الآخر ’ وحقن الملايين بأفيون الأحقاد والكراهية وانعاش اسباب الفتنة المؤجلة ’ يشكل جوهر وهوية مكونات السلطة ومجمل تكوينها السياسي والأجتماعي والأخلاقي والنفسي .

ان تيار كارثة الأحقاد والكراهية ’ لم يتوقف عند حدود الطبقة السياسية الجديدة ’ بل تجاوزها لأجتياح كيان الثقافة الوطنية ’ مزقها كانتونات ذات لون واحد ’ والثقافة الوطنية التي هي بحاجة الى المثقف الوطني ’ تعاني الشحة والعزلة والحصار والتهميش والأجراءات الأمنية ’ انها تواكح التيار ’ مقطوعة الأكف مادياً ومعنوياً .

كثير من المثقفين ( الكتاب ) يمارسون الآن ـــ مع الأسف ـــ دوراً لا علاقة لـه بوظيفتهم الأجتماعية وطنياً وانسانياً ’ اغلبهم استسلموا لضغوطات الأبتزاز والحقوا بطوابير تجار الأحقاد والكراهية ’ مع هذا ضـد ذاك والعكس ’ انها عملية ابتزاز وتسقيط ظالمة ’ لا تقل قسوة ووحشية عن جريمة التبعيث التي ارتكبتها دولة البعث ضد خيرة المثقفين والمبدعين والكتاب والشعراء والفنانيين ’ ومثلما لا يغفر التاريخ لمجزرة الثقافة والأخلاق والمواهب والأبداع التي ارتكبها النظام البعثي ’ سوف لن يغفرها للذين استورثوها ومارسوها تنكيلاً واذلالاً لحرية وكرامة واستقلالية المبدع العراقي .

ان زراعة بذور الأحقاد والكراهية ’ ثم المتاجرة فيها فتنة شاملة بين مكونات المجتمع العراقي ’ امر سهل ’ لكن تفادي اعراضها واضرارها هو في غاية الصعوبة ’ انه كالمتاجرة بالمخدرات والأرهاب واسلحة الدمار التي يعاقب عليها الدستور والقوانين العراقية والهيئآت والمحاكم الدولية ’ لهذا تصبح الدعوة مشروعة لجميع الخيرين ’ مثقفين وسياسيين ومنظمات مجتمع مدني مستقلة ’ ومن مختلف القوميات والأديان والمذاهب والمعتقدات والأنتماءات الفكرية والسياسية والثقافية ’ ان يتحملوا مسؤوليتهم في تمثيل الرأي العام العراقي تجاه ما تتعرض لـه مكونات المجتمع من معاناة ومظالم وفرقة وتمزق واحتراب ’ والتعامل مع المتاجرة بالكراهية كجرائم جنائية يعاقب عليها الفاعلون .

17 / 04 / 2012