الرئيسية » مقالات » في فرنسا : يهودي عراقي يؤسس مدرسة تضاهي مدارس بابل اليهودية

في فرنسا : يهودي عراقي يؤسس مدرسة تضاهي مدارس بابل اليهودية

مدينة ناربون Narbonne الفرنسية ، تقع على بعد 850 كم من باريس، وتفصلها مسافة 15 كم من شواطيء البحر المتوسط، وهي من ضمن مدن (بلديات) اود Aude . وتبعد 25 كم غرب مدينة بيزيه.
في بدايات القرن الثامن الميلادي، ومنذ سنة 719 م ولمدة 40 سنة، كانت ناربون جزءاً من إمارة قرطبة (الاندلسية ـ الاسبانية). ثم احتلها الكارولنجي (بيبين) وحررها من المسلمين الاسبان سنة 759 م، الذي سيقوم بحسب مصادر المؤرخين المسيحيين بدعوة يهود من بابل (العراق) في زمن الخليفة هارون الرشيد ليسكنوا فيها وقام الخليفة بارسال بعض اليهود بناء على ذلك.
وتذكر المصادر اليهودية الرواية على الشكل التالي: بأن اليهودي البابلي والبحاثة في التوراه والتلمود، المدعو (ماكير) Machir استقر في مدينة نابورن في أواخر القرن الثامن الميلادي ومن بعده أحفاده ايضاً استمروا في قيادة جماعة يهودية كبيرة في المدينة.
وبحسب اليهودي ابراهام ابن داؤد الطليطلي في كتابه (سفر القبالا) فأن البحاثة التلمودي المدعو (ماكير ) البابلي، ينحدر من سلالة الملك داؤد، الذي قام الخليفة العباسي هارون الرشيد بارساله الى ناربون بطلب من شارلمان الذي سيستقبل ماكير اليهودي البابلي باحترام وتقدير، وسيمنحه فيما بعد لقب ملك اليهود (لقباً ربما يعادل ـ رئيس الجالوت الذي في بابل) ويهبه كمُلكٍ أراضٍ من مدينة ناربون.
حتى وإن كان في الرواية بعض المبالغة من ناحية العلاقة بين شارلمان وماكير البابلي، لكن هناك ما يؤكد بأن لماكير ولأحفاده المكانة المهمة في ناربون طالت لمدة عدة قرون، واستمر لقب (ناسي) الذي يعني الأمير لرئيس الجماعة اليهودية البابلية في ناربون. ويشهد على ذلك الرحالة اليهودي الرابي بنيامين الطليطلي الذي زار مدينة ناربون سنة 1165 م، ويتحدث عن المكانة المرموقة لأحفاد ماكير.
ويضاف الى ذلك ما تذكره مجموعة “الرسائل الملكية” من وجود “ملك” يهودي في ناربون. ويأتي ذكر مكان اقامة عائلة ماكير في وثائق قرطبة الرسمية Cortada Regis Judaeorum .
كما يُذكر قيام ماكير البابلي بتأسيس مدرسة تلمودية في ناربون نالت شهرة نافست فيها مدرسة بابل في عظمتها، والتي جذبت الكثير من التلاميذ والدارسين اليهود من شتى البلدان القريبة والبعيدة. ووصل عدد اليهود في ناربون الى 2000 نفس في حينها. كما أصبحت في القرنين الحادي عشر والثاني عشر مركزاً مهماً للتفسير التوراتي والتلمودي في فرنسا، لعبت دوراً مهماً في تطوير اللغة العبرية في لهجتيها الشواديت والسارفاتيك في فرنسا واسبانيا. كما تم فيها اعادة دراسة وتفسير القبالا.



محاولة للقضاء على يهود بابل الناربونيين يصبح عيد بوريم :
حدث في عام 1236 أن تشاجر أحد يهود ناربون مع صياد سمك مسيحي، وضربة قاسية من اليهودي للصياد حدث أن كانت سبباً في موته، وهذا ما سبب صعود غضب المسيحيين على جميع يهود المدينة في حي اليهود الكبير، وقاموا بعمليات نهب بدأوها بمنزل الرابي (مايير ابن اسحق الناربوني) فنهبوا كل محتويات مكتبته. ولكن لحسن حظ اليهود، قام حاكم المدينة (دون ايميريك) تصحبه قوة من الجنود بحماية يهود المدينة وانقاذهم من الأهالي الغاضبين. وتوقفت أعمال الغوغاء حالاً وتم اعادة السلام، وأمر باعادة كل ما نُهب وتم تنفيذ أمره وتمت كذلك اعادة كل ما نهب من منزل الرابي مايير مع كل كتبه. وسيقوم الرابي المذكور بتسجيل ذلك الحدث الذي سمعت به الجاليات اليهودية الأخرى. واليوم الذي تمت فيه الغوغاء ضد اليهود كان يوم 21 من آذار، سيدخل التاريخ حيث سيصبح عيد (بوريم ناربون) فيما بعد، ليهود المدينة ليحتفلوا بذكراه كل سنة.

يهود ناربون والموت الأسود:
انتشر وباء كبير وقاتل في سنة 1348 م في مناطق كثيرة من فرنسا وايطاليا، الذي تم تسميته بالموت الأسود ومات العدد الكبير من سكان فرنسا. وانتشرت اشاعة (مغرضة) في بعض المدن الفرنسية قام بنشرها بعض المسيحيين الذين اخترعوا قصة كاذبة من أن سبب كارثة المرض هو قيام اليهود بتسميم آبار مياه الشرب. ولم يلتفتوا الى موت الكثير من اليهود بسبب ذات المرض. فقام المسيحيون في كثير من القرى والمدن بالانتقام من اليهود بقتلهم وحرقهم وهم أحياء، وتعرض يهود ناربون للكثير من العذاب والموت من جراء تلك الشائعة المغرضة.