الرئيسية » مقالات » رئيس وزرائنا يعلن حربه الفكرية ضدنا نحن العلمانيين

رئيس وزرائنا يعلن حربه الفكرية ضدنا نحن العلمانيين

“الصدر الذي هو مدرسة للفكر التي نشأنا وتسلحنا بها في وقت كانت التحديات الفكرية الإلحادية والماركسية والعلمانية والتي استطعنا بفكره تهديم كل هذه الأفكار الغريبة”.
تكلم رئيس مجلس وزراء جمهورية العراق يوم أمس بصفته الحزبية بوصفه (الأمين العام لحزب الدعوة الإسلامية)، ولم يتكلم بصفته الرسمية كرئيس لمجلس الوزراء. ولحد هنا الأمر طبيعي جدا، ولكن المستهجن في الأمر أنه تكلم مرة ثانية بصفته الحاج أبو إسراء، أو الحاج جواد المالكي، وكأنه يتحدث في حسينية الشهيد الصدر التي كان يديرها حزب الدعوة في منطقة السيدة زينب في دمشق، حيث كان المالكي مسؤول التنظيم لحزب الدعوة في المهجر السوري، لغاية سقوط ديكتاتورية صدام.
كامل الجملة التي بدأت بها مقالتي للمالكي كانت كالآتي:
“إن الدولة التي تتنوع بمكوناتها لا يمكن أن تبنى بمكون واحد على حساب مكون آخر، واليوم ونحن نستذكر استشهاد الصدر الذي هو مدرسة للفكر التي نشأنا وتسلحنا بها في وقت كانت التحديات الفكرية الإلحادية والماركسية والعلمانية، والتي استطعنا بفكره تهديم كل هذه الأفكار الغربية.” ولا أدري ما هي العلاقة، أو كما يعبر العراقيون أين (الربّاط) بين كون «الدولة المتنوعة بمكوناتها لا يمكن أن تبنى بمكون واحد على حساب مكون آخر”، وبين قوله إن “الصدر مدرسة للفكر نشأوا وتسلحوا بها، فاستطاعوا بفكرها مواجهة التحديات الفكرية الإلحادية والماركسية والعلمانية وهدم أفكارها”. أفليس هناك من تناقض بين رفضه لإلغاء التنوع (المكوناتي) ودعوته إلى محاربة التنوع الفكري المتمثل بما أسماه بـ:
1ـ الإلحاد.
2ـ الماركسية.
3ـ العلمانية.
4ـ الحداثوية.
يبدو أن المالكي يريد إحياء وتفعيل شعار “الشيوعية كفر وإلحاد”، وهو الذي أمر قبل أيام بمداهمة مقر جريدة الحزب الشيوعي (طريق الشعب) في سابقة خطيرة، فمشكلته إذن ليست مع (الإلحاد) ولا مع (الماركسية الملحدة)، كما يسميها الدعوَوِيّون الإسلامويون، بقدر ما هي مع الحزب الشيوعي بوصفه حزبا ديمقراطيا معارضا، ومع كل حلفاء هذا الحزب في (التيار الديمقراطي) كالحزبين (الوطني الديمقراطي) و(الوطني الديمقراطي الأول) والديمقراطيين (العلمانيين) المستقلين من أمثال كاتب هذه السطور.
ليتأمل القارئ جيدا كيف دمج المالكي بين (الإلحاد)، و(الماركسية)، و(العلمانية)، و(الحداثوية) التي ذكرها في جملة لاحقة محرضا علماء الدين لمواجهة خطرها وخطر بقية المفردات. وفي هذا نوع من التشويش والخلط المتعمدين كما يبدو، فهو يريد من جهة وبشكل غير مباشر أن يتهم كل العلمانيين والحداثويين بـ(الإلحاد)، وبالتالي كونهم يمثلون خطرا على الدين، لأنه عاد ليكون كـ(داعية) مدافعا عن حمى (الدين) وحمى (المذهب). فهل تصلح مثل هذه الثقافة التي يحملها رئيس وزراءنا ليقود العراق الذي يفترض به – وحسب الدستور الذي شارك في كتابته – أنه “دولة […] نظام الحكم فيها […] ديمقراطي»، وأنه «بلد متعدد القوميات والأديان والمذاهب”، وأن “لكل فرد حرية الفكر والضمير والعقيدة”، وأن الدولة فيه “تكفل حماية الفرد من الإكراه الفكري والسياسي والديني”؟
فنقول لـ (الدعاة) ولكل الذين ما زالوا يحلمون بتحويل العراق إلى دولة ثيوقراطية تطارد فيها محاكم التفتيش من يزاول حرية الفكر والعقيدة، إن هذا الحلم لن يتحقق، لأننا – نحن المؤمنين بمقدس الحرية – سيبقى صوتنا صادحا، ما زالت هناك فسحة من حرية يبقى المالكي مضطرا بالالتزام بإبقائها، لاستحالة التأسيس لديكتاتورية جديدة، لتعدد المتصارعين على التفرد بالسلطة.
ثم إن هذا الكلام تزامن مع إلغاء يوم الخلاص من الديكتاتورية كعطلة رسمية، لا أدري فيما إذا كان هذا مقدمة لجعل يوم تأسيس حزب الدعوة عطلة رسمية، والذي يؤرخونه بالتاريخ الهجري، ذلك الحزب الذي تأسس كردة فعل على التغيير في الرابع عشر من تموز عام 1958، فأُسِّس في السنة اللاحقة أي عام 1959، كما يؤكد طالب الرفاعي أحد مؤسسي الحزب (مع محمد باقر الصدر ومرتضى العسكري ومهدي الحكيم، وآخرين)، وليس كما يروّج حزب الدعوة أنه أسس عام 1957، والذي جاء ليكون النسخة الشيعية لحركة الإخوان المسلمين، الذي كان المؤسسون والملتحقون بهم ممن يسمون بالرعيل الأول متأثرين به وبحزب التحرير ومنظريهما، الذين كانوا يشجعون (الدعاة) على قراءة كتبهم، بل إن بعض قياديي الدعوة كانوا من قبل أعضاء في (حزب التحرير) المعروف بتطرفه أكثر مما هو الحال مع (الإخوان).
ولم يتردد المالكي في كلمته بالمناسبة وفي إطار ذكره النقاط التي يراها إيجابية من مواقف الصدر أن ينوه إلى أن “من بين الأسباب التي عجلت في قتله هو موقفه الداعم للجمهورية الإسلامية في إيران”. وهذه إشارة واضحة إلى أن المالكي ما زال يحمل إيديولوجية الولاء لجمهورية إيران الإسلامية، حيث ما زال يرى أن الولاء لإيران خصلة إيجابية لا بد له من ذكرها.
وليعلم المالكي أنه لن يستطيع أن (يهدم) – وهذا تعبيره ـ أن يهدم الفكر الذي من شأنه أن يبني المستقبل، ألا هو فكر الحداثة والعلمانية والليبرالية، التي يحذر من خطرها على الدين، ويحاول أن يقرنها بالإلحاد، وهو يعلم إن الغرب الحاضن لهذه الثقافات هو الذي جسد احترام الحريات الدينية أكثر من أي بلد إسلامي، حيث يمارس أعداء الغرب الإيديولوجيون من إسلامويين متطرفين كامل حريتهم في لعن الغرب والتحريض على الجهاد ضده في مساجدهم، بينما لا يتحمل المالكي ورفاقه الإسلامويون تمتع العلمانيين والحداثويين العراقيين بحريتهم، ويحاول أن يحرض رجال الدين ويؤلب عامة المواطنين ذوي نزعة التدين ضدهم، بدعوى خطرهم على الدين. لكن الشعب بدأ يعي تدريجيا أن الذين يشكلون خطرا على قيم الدين والوطن والإنسان، هم من مارسوا العنف باسم الدين، وحاولوا خنق الحريات باسم الدين، وسرقوا المال العام باسم الدين، وأسسوا للطائفية السياسية باسم الدين.

dia.shakarchi44@yahoo.de 
http://aljadidah.com/2012/04/%D8%B1%D8%A6%D9%8A%D8%B3-%D9%88%D8%B2%D8%B1%D8%A7%D8%A6%D9%86%D8%A7-%D9%8A%D8%B9%D9%84%D9%86-%D8%AD%D8%B1%D8%A8%D9%87-%D8%A7%D9%84%D9%81%D9%83%D8%B1%D9%8A%D8%A9-%D8%B6%D8%AF%D9%86%D8%A7-%D9%86%D8%AD/