الرئيسية » مقالات » سلاما ياعراق : برز الثعلب يوما

سلاما ياعراق : برز الثعلب يوما

ما كنت احسب اني احتاج العودة لقصيدة “برز الثعلب” وهي واحدة من روائع قصائد احمد شوقي التي كتبها للأطفال وحفظتها عن ظهر قلب في أيام الدراسة الابتدائية، الا عندما برز عزة الدوري علينا قبل ليلتين يهذي لمدة ساعة و3 دقائق و14 ثانية بالتمام والكمال.

واضح انه اراد ان يخيف الدنيا متصورا ان الارض ستتمايل مثلما يتمايل الذي قدمه ليلقي خطابه من دون ان يظهر وجهه. لاول مرة اشاهد مقدما من دون وجه. لم نر منه غير صدره وجزاً من كرشه الذي غطاه قميص ظهرت منه خمس “دكم”. ثلاث متعامدة من الرقبة الى البطن، واثنتان على الجيبين بحصة “دكمة” واحدة لكل جيب. قميص “المقدّم”، بفتح الدال المشددة او كسرها، هو الذي ذكرني بقصيدة “برز الثعلب” قبل ان ارى وجه الدوري بعد غياب. ففي ذات يوم من ايام السبعينيات كنا قد دعينا، نحن مجموعة من الشعراء الشعبيين، لإحياء أمسية شعرية في مدينة الحلة. سافرنا من بغداد عن طريق كراج العلاوي وشغلنا المقاعد الأخيرة من سيارة للنقل من نوع مرسيدس كانت تسمى “ام الـ 18 راكب”. كان من بيننا زامل سعيد فتاح وكامل العامري وخالد الشطري الذي وقع عليه الاختيار أن يكون مقدما للأمسية. ومن ضمن استعدادات خالد انه اشترى قميصا جديدا، وبجيبين ايضا، يليق بالمناسبة، فلبسه فرحانا مزهوا. جلس العامري قرب النافذة والى جانبه جلس الشطري. وبينما نحن في الطريق اشعل العامري سيجارة من نوع “بغداد” فطلب منه زامل ان يفتح الشباك للخلاص من دخانها الكثيف. فتح العامري الشباك فتطاير شرار السيجارة ليحط على قميص الشطري الجديد ويحرقه. جن جنون خالد واحتار ماذا يفعل. أيرمي العامري من الشباك؟ هل يلطم على رأسه؟ هل يبكي؟ اخذ العامري يعتذر من خالد والأخير صافن بوجهه لا يرد، فسكتنا جميعا. وفجأة تطلّع خالد بوجه كامل الذي كان حائرا هو الآخر فصاح به: “كم .. جنك برز الثعلب يوما”!
والدوري في خطابه برز هو الآخر مثل ذاك الثعلب يعظ “الامة” ويلعن الناس ويسب ذات اليمين وذات الشمال. هذيان اوصله الى ان يناشد الحزب الشيوعي بالتوبة الى الله! اليس الثعلب كان كذلك ايضا كما رآه شوقي؟:
برز الثعلب يوماً في ثياب الواعظينا
فمشى في الأَرض يهذي ويسب الماكرينا
ويقول الحمد لله الـه العالمينا
يا عباد اللَه توبوا فهو كهف التائبينا
وان كانت “قفلة” قصيدة شوقي ردا بليغا على “لعبة” الثعلب بقوله:
بلِّغ الثعلب عني عن جدودي الصالحينا
مخطئ من ظن يوما أن للثعلب دينا،
فاني وجدت ردا لا يقل عنه بلاغته، ان لم يكن ابلغ منه، لعراقي علق تحت خبر في احد الواقع عن الفلم الذي برز به الدوري مؤخرا، بقوله:
“بعد ما خلص العرس اجت الرعنه اتهلهل”.