الرئيسية » مقالات » الفقاعة القطرية والدبوس العراقي

الفقاعة القطرية والدبوس العراقي

امتعضت قطر بشدة… وهي ترى البساط المخملي يسحب من تحت قدميها، بعد سنوات طويلة مكلفة اقتصاديا وسياسيا، قضتها وهي تنسج لذلك البساط في أروقة مظلمة، أملا في ان يتيح لها ممرا لصدارة دولية وعربية منّت بها النفس طويلا.
فعودة العراق غير المتوقعة قلبت الطاولة بوجه بعض الحكام، سيما انها جاءت بقوة تضاهي ارثه التاريخي والحضاري الضارب في القدم، يعززها نهضة اقتصادية وسياسية لم تكن محسوبة بدقة لدى من راهن على بقاء بغداد منكفئة على نفسها الى أمد بعيد، سيما جزيرة قطر الصغيرة التي بدت كفقاعة قريبة من الانفجار.
حيث كادت قطر تلك الجزيرة الصغيرة التائهة في مياه الخليج ان تنفرد بدور مشبوه بالغ الخطورة في العالم العربي، خصوصا مع التغييرات الجيوسياسية التي شهدها المنطقة وغياب دور اللاعبين في مرحلة ما بات يعرف بالربيع العربي الذي اطاح بعدد من اعرق الديكتاتوريات العربية.
والملفت ان دور هذه الدولة المتناهية الصغر جغرافيا وديموغرافيا واقتصاديا ايضا، كان بروزه كما هو اليوم قويا على أثر الشقاق بين الانظمة الرسمية القديمة في منطقة المشرق العربي، وتحديدا بعد اتساع هوة الخصام بين نظامي الاسد وآل سعود، حيث قفزت قطر من تحت اقدام عمالقة السياسة العربية لتلعب “دون اذن” دور الوسيط في الازمات المتجددة، وتحديدا الصراع الداخلي اللبناني والاقتتال الفلسطيني- فلسطيني، منتهزه في وقت ذاته الفشل الذريع للسياسة الخارجية السعودية. وهي بالمناسبة، سياسة انتهجها امير قطر عندما سعى للاستيلاء على السلطة قبل ان ينفي اباه الى الخارج، وتشير الحقائق الى ان حمد بن جاسم آل ثاني استغل الصراعات السياسية التي كان يخوضها ابوه جاسم آل ثاني ضد الطامعين في السلطة من شيوخ القبائل القطرية التي كانت تطالب المشاركة. حيث نجح حمد في التحالف مع خصوم أبيه لاعتلاء السلطة متوجا ذلك بصفقة زواجه من موزة بنت الشيخ ناصر المسند، الد اعداء امير قطر المطاح جاسم بن ثاني. فيما اتاحت التقلبات السياسية الكبيرة في المنطقة ومنذ تسعينيات القرن المنصرم، وتحديدا بعد اجتياح الكويت من قبل نظام صدام، اتاحت لقطر فسحة لتطل برأسها على فلك الاحداث العربية، ومحاولة زج انفها في مجريات الامور دون التفات جاد الى حجمها الطبيعي ووزنها الحقيقي في المنطقة والعالم، مستغلة بداية الامر، انشغال دولة الكويت في علاج جراحاتها الداخلية التي اعقبت الغزو الصدامي، وما واكبه من غياب قصري للحضور العراقي في المشهد السياسي العربي، كما كان للصراع السوري السعودي وما نجم عنه من انشقاقات
موطئ قدم مهد لتسلل قطر الى دوري الكبار، الذين سعوا بشدة الى اخفاء امتعاضهم من الأجندات القطرية المشبوهة.
لتجري الرياح بعد ذلك كما تشتهي تلك الجزيرة الخليجية الصغيرة، فقد استطاعت بشكل وآخر ركوب موجة الربيع العربي، لاهثة وراء سراب الريادة على اطلال الديكتاتوريات المطاحة في كل من مصر وليبيا واليمن بعد ثورة الياسمين في تونس، وانشغال بقية الدول العربية باضطراباتها المتصاعدة في
الاردن والكويت والسعودية وسوريا والبحرين، مشددة من رهانها على سقوط النظام السوري لإسقاط بقية الانظمة القائمة الديكتاتورية منها والديمقراطية، سيما ان جميع تلك الشعوب تتطلع الى التغيير أسوة بنظيراتها دون الالتفات الى مقدار الضرر والفائدة التي تنجم عن تلك التطلعات فيما
لو وقعت.
الا ان آمال حمد وآل ثاني تبددت بعد بروز الموقف العراقي وعودته القوية الى الحاضنة العربية، معلنا عن موقفه المعارض لتأجيج العنف داخل سوريا والمخطط المشبوه الذي تقوده قطر ومن يقف وراءها، ليستعيد هذا البلد العريق بثقة عالية زمام المبادرة العربية من يد اقل القوم شأنا كما يقال. وهو ما حدا بقطر التي اخذتها العزة بالإثم الى الاستشاطة غضبا من العودة العراقية الحميدة من خلال مؤتمر القمة العربية الذي احتضنته بغداد مؤخرا، غير مدركة ان مواقفها جعلت منها مجرد فقاعة كبيرة تقترب رويدا رويدا من الدبوس العراقي، مما قد يسبب لها الانفجار في أي وقت، ملتهمة اصحابها.
فساسة قطر المنتفخين كفقاعتهم لا يدركون ان معايير القوى لا تحتسب وفق نسب المشاهدين لقناة الجزيرة وفبركاتها الاعلامية المكشوفة، بل تقرأ من خلال مكامن القوة السياسية والاقتصادية والجغرافية ايضا، مما قد يوقعهم في ما لم يكن في حسبانهم، فالعراق لم يعد ذلك البلد الضعيف والمفكك كما اريد له ان يكون دائما، واصبح رقما لا يمكن لقطر او حلفائها تجاوزه كما في السابق، سيما انه بلد يتمتع بديمقراطية فريدة في المنطقة، وقوة اقتصادية وسياسية صاعدة لن يكون من السهل كبحها، وحليف معتدل للمجتمع الدولي، بعد ان بات بيضة القبان للشرق الاوسط الجديد.
* شبكة النبأ المعلوماتية