الرئيسية » الآداب » الحلقة الرابعة: الفن في لوحات كتاب الـ(شرف نامه)

الحلقة الرابعة: الفن في لوحات كتاب الـ(شرف نامه)




المؤلف: عبدالرقيب يوسف الزفنكي.
ترجمة: دلاور زنكي.
من هم أصحاب هذه اللوحات؟
في نسخة الـ”شرف نامه =Şerefname ” هذه التي بين أيدينا لا نجد فيها ذكراً لاسم الفنان الذي رسم هذه اللوحات. وفي هذا الخصوص توجهت بالسؤال إلى مكتبة “بودليان” فكان جوابها: “ليس بين أيدينا ما نهتدي به إلى معرفة صاحب هذه اللوحات، وليس لنا بها أية معرفة”.
ولهذا فإنه لا يسعنا القول بأن الذي رسم هذه اللوحات ليس إلا “شرف خان” دون أن يساورنا أدنى شك. فربما كان الرسام شخصاً آخر.
في الـ”شرف نامه” نوعان من الخطوط، وبالنوع الأول كتبت ست عشرة صفحة وهذا الخط أكثر وضوحاً وجودة. وهذا الأمر يضيف شكاً آخر إلى شكوكنا، ولقد بذلت قصارى جهدي لكشف الحقيقة، ولكنني لم أستطع بلوغ ذلك، ولم أظفر بشيء. من تلك المحاولات أنني أرسلت نماذج مصورة عن الرسوم والخطوط- عن طريق السيد الأخ إبراهيم ميران- إلى “مديرية التحريات الجنائية” في بغداد، ليقوم بتحليلها ومعرفة كنهها الخبير الكبير الأستاذ: عزيز بطرس بواسطة الأجهزة والمعدات والمجاهر وكافة الوسائل الأخرى. فماذا حصل؟ يقول الخبير الآنف الذكر: “لا يمكن بأي حال من الأحوال إجراء التجارب على هذه الأنواع من النماذج وتحليلها لأنها ليست نسخاً أصلية لأن التحليل لا يكون إلا في النموذج الأصل.
وينبغي لي أن أقول: إن اللوحات رسمت مباشرة متزامنة مع كتابة الـ”شرف نامه” لأن بعض السطور- في الـ”شرف نامه” التي لها علاقة بالصفحة 89-90 وردت في اللوحة الثالثة عشرة التي تتخذ حاكمية “ترجيل” موضوعاً لها. وهذه تقع في الجهة اليسرى من الصفحة (89). أيْ أنه كتب- بعد كتابة هذه الصفحة- الصفحة الواقعة على الجهة اليمنى.. واللوحة مرسومة في الصفحة المقابلة لها مباشرة، والهامش الذي يعلو من الجهة اليمنى على اللوحة ذات المساحة (22X9)مم بقي أبيض خالياً، وبعد ذلك كتب شرف خان سطرين مكتظين ومكثفين. بيد أن هذا لا يُعدُّ دليلاً على أن هذه اللوحة وسائر اللوحات هي من أعمال فنان واحد وأن هذه اللوحة هي من عمل شرف خان نفسه.. ولكن ليس ببعيد أن تكون هذه اللوحات من أعماله، لأنه كان يتلقى الدروس في الرسم في رواق “مدرسة” الشاه: تهماسب الأول عام 1524-1576م .
يقول شرف خان في كتابه الـ”شرف نامه” في الصفحة (152): “في شأن تعليم وتربية أولاد القادة والحكام والوجهاء يرى تهماسب أن هؤلاء الصغار يجب أن ينالوا المعرفة على يد المعلمين منذ نعومة أظفارهم، وأن ينالوا حظهم من تعلم الرسم والنحت والنقش ففي ممارسة هذه الفنون تنشيط للذهن والفكر. ويبدو أن كلمة “النقش” في الفارسية تعني هذه الفنون (فن التصوير). يتحدث شرف خان عن سيرة حياته الذاتية كالتالي في كتاب الـ”شرف نامه”: “وقد أكملتُ دراسة علوم النحو والصرف والفقه” . ومن الممكن أن شرف خان قد تعلم حرفة الرسم. ولاسيما أنه عاش في إيران في زمن معمعان انتشار الفن في العهد الصفوي. وقد عاصر الفنانين الكبار مثل: محمدي، ومظفر علي، وصادق، وزين العابدين.
في الأيام التي كان يتعلم فيها في قصر الشاه: تهماسب كان الفنان الكبير: آغا مركي تلميذ بهزاد-رسام القصر (العائلة)، عائلة الشاه تهماسب.
لهذا فليس من الغريب أن يكون شرف خان قد تلقى وتعلم دروساً في الرسم على يده. وفي عهد الشاه إسماعيل الثاني لقُب شرف خان بلقب “أمير أمراء كردستان” وفي هذه الفترة كان الفنان زين العابدين يعمل في مكتبة الشاه(16).
ومن المحتمل أن شرف خان قد اقتنى أعمالاً لفناني ذلك العهد وجلبها معه إلى “بدليسBedlîs “. وحسب اعتقادي إن معظم كتب مكتبة بدليس الكبرى في عهد “عفدال خان” هي كتب الرسامين بشكل خاص.. وأن بعضها مخطوط بقلم الفنان الصفوي الأكبر “بهزاد” وقد جمعها شرف خان بنفسه، وإضافة إلى ذلك كانت المكتبة بالذات من ممتلكاته. وقد زاد فيها ابناه: شمس الدين وضياء الدين. وحفيده عفدال خان بن ضياء الدين كتباً.
ولقد حاولت بواسطة أرقام اللوحات والملاحظات والعبارات المحررة على الهوامش أن أضع حداً للقيل والقال، واقطع الشك باليقين.. ولكنني لم أظفر بشيء تطمئن إليه النفس. ومن الممكن أن تكون تلك الأرقام التي كتبت على اللوحات هي بخط شرف خان نفسه. لأن هذه الأرقام تماثل تلك الأرقام التي دوّنت على صفحات الكتاب. إلا أن الهوامش في اللوحات تشبه تلك الهوامش في تلك الصفحات التي كتبت بيد صاحب الخط الأول الذي كتب الصفحة الأولى وبعض الصفحات الأخرى- وبعض هذه الخطوط أكثر عرضاً وتنسيقاً ودقة.. يبلغ عرضها (2مم) وقد كتبت في الحواشي وربما كانت صفراء اللون.
إنَّ بعض الحواشي التي كتبت بالخط الثاني واعلم أنها بقلم شرف خان يبدو أنها كتبت بنوعين من الخطوط ولكنها في الحقيقة منفذة من أربعة أنواع من أنواع الخط، ولكنه كان يضغط بيده على القلم فخرج خطه أكثر جمالاً ووضوحاً. ولهذا فإنه يشبه نوعين من الخط يبلغ عرض هذا الخط 1.5م.
إن الحواشي الواردة في الصفحة (157) و (197)، وإن كانت كتابتها كتابة الخطاط الثاني فإنها تشبه أسلوب صاحب الخط الأول.
إن الهوامش في اللوحات ذات الرقم /2 و3 و4 و11/ تشبه اللوحة رقم /20/ من حيث ثلاثية السطور ولكن الهامش في اللوحة الأولى رقم /1/ مختلف وسطوره أكثر عرضاً وقد أقحم نقش بين السطور.
والصفحة المقابلة للصفحة الأولى المخطوطة بيد كاتب الخط الأول تشبه صفحة الجهة اليسرى تحت الرقم /32/ وتشبه في الوقت نفسه الصفحة اليمنى المقابلة التي هي أيضاً مكتوبة بخط شرف خان نفسه. وهذا الأمر يمهد لنا الطريق بشكل أكثر وضوحاً لتكون اللوحات-على غرار الهوامش- من أعمال الخطاط الأول.
وكذلك، فإن ذلك الهامش الموجود أمام اللوحة رقم /17/ واللوحة رقم /18/ يشبه خط الكاتب الأول، على الرغم من أنه مكتوب بخط الكاتب الثاني. ومن الممكن أن يكون شرف خان قد كتب هوامش أخرى، أو أنه قد صوب بعض الأشياء وصححها في الهامشين. في تلك الأيام كانوا ينسخون الهوامش بواسطة الـ”ماستر-راشهraşe ” وذلك بإعمال الإبرة على ورق مقوى فكانت الكتابة تطبع على القرطاس بواسطة نوع خاص من “المداد” أي ان التصويب كان يتم بواسطة الإبرة ثم يمر القلم على الأثر الذي تتركه الإبرة. وبهذه الطريقة كانوا يحصلون على أسلوب وطريقة سطور الصفحات.
بعد التأمل والتنقيب- مدة شهر ونصف- في أمر هذه اللوحات اقتنعت بما يلي: أن البث فترة أخرى في البحث والتنقيب، وأنني في الطريق إلى إثبات أن هذه اللوحات من عمل شرف خان. لأن الفنان الذي نفذ هذه اللوحات كان يمتلك معرفة واسعة وعميقة بإيران وكردستان.
إن اللوحة /16/ السادسة عشرة تصور مشهد الشاه: تهماسب بن الشاه إسماعيل وحضوره إلى مدينة “خلات” على شواطئ بحيرة “وان” خير دليل على أن الذي رسم اللوحة كان قد شاهد ملابس الشاه تهماسب وحاشيته فرسمها بدقة ونقل عنها صورة واقعية. يظهر الشاه في اللوحة وقد ارتدى ثياباً فضفاضة من غير أكمام مزخرفة برسوم الورود فوق ملابسه. وقلنسوته وقلانس بطانته مستديرة، تستدق وتضيق نحو الأعلى، وقد نُصب عود ملفوف بقماش في وسط القلنسوة.
وقد رسم أحد معاصريه من الرسامين في كتاب: “المنظومات الخمس نظامية” ملابس “كسرى أنو شيروان” وقلنسوته “أنظر الصورة في الصفحة /279/ من كتاب “كتاب فنون الشرق الأوسط في العصور الإسلامية، وهذا الكتاب من تأليف: نعمت إسماعيل الذي يقول في الصفحة /21/ “بهذا الأسلوب كان –في عهد الشاه تهماسب- الفنانون الصفويون يرسمون القلانس” وبعد موت الشاه انحدرت عادة لبس القلانس نحو الاضمحلال والانقراض ثم يستأنف المؤلف كلامه:”وكانوا يغرزون عوداً أحمر صغيراً في وسط القلنسوة وفي بعض الأحيان كان هذا اللون يتغيّر. وقد كانت هذه القلنسوة في الدرجة الأولى شعاراً للأرومة الصفوية وحاشيتها.
وفي زمن الشاه رسم فنان آخر في لوحته صورة لخسرو برويز وهو يرتدي ثياباً مثل ثياب الشاه تهماسب تماماً- هذا البحث موجود في الـ”شرف نامه”- “أنظر إلى الصورة رقم (274) في المصدر السابق”.
وقد رسمت أزياء الصفويين في لوحة الفنان الكبير التي نفّذت في عهد السلطان محمد. يقول آرنست في هذا المعنى: لقد كان في عهد الشاه تهماسب(1524-1576) قيمّاً ومديراً لأكاديمية “الفن والمعارض”(17). لوحته كانت مقدمة من قبل اسكندر إلى حاكم الصين.
“أنظر إلى اللوحة /275/.. المصدر نفسه”.
من الواضح أن هذه الأزياء كانت للشاه تهماسب. إن فناني ذلك العهد رسموا في لوحاتهم ثياباً فخمة لزعمائهم. لذلك فإن تكرار ظهور هذه الأزياء في لوحة “بدليس” للشاه تهماسب يفضي بنا إلى الاقتناع بأن الفنان رسم ثياباً حقيقية للباشا وكانت له معرفة جيدة بهذه الأزياء، أي أنه شاهد ورأى الشاه وثيابه ورأى كل الذين يحيطون به وعندئذ فإن هذا الفنان ليس سوى شرف خان لأنه كان قد درس في عهد الشاه تهماسب.
أما ذلك الفيلق الذي ظهر في لوحة “معركة جالديرانÇaldîran ” فسوف نتحدث عنه فيما بعد مطولاً.. وسنتحدث عن سير الحرب. وعن نظام الجيش العثماني والجيش الصفوي في الجهة اليمنى وفي الجهة اليسرى، وسنتحدث عن المدافع وصناعة سلاسل المدافع وعدد المدافع وعن مقتل محمد خان استاجلو قائد الميمنة في جيش الشاه إسماعيل. وهذا يدلنا على أن أولئك الأشخاص الذين كانوا ينفذون هذه اللوحات، كانت لهم معرفة جيدة بأحوال هذه الحرب. وهذه اللوحة مرسومة بدقة وواقعية بحيث تطابق بعض الوقائع التي وردت في بعض المصادر التاريخية ولم ترد أنباؤها في كتاب الـ”شرف نامهŞerefname “.
إنّ ذلك الفنان الذي يمتلك كل هذه المعلومات التاريخية يجب أن يكون مؤرخاً مثل “شرف خان” وأن يكون واسع الاطلاع على شؤون هذه الحروب- آنذاك- وأن يكون قد سمع من أفواه الإيرانيين أو الأكراد أو العثمانيين.. هذه الحروب التي لم يرد ذكرها في أي كتاب تاريخي سوى كتاب الـ”شرف نامه”.
فلو أن أحداً غير “شرف خان Şerefxan” رسم هذه اللوحات المعبّرة لما استطاع أن يضع كل لوحة في مكانها المناسب من الـ”شرف نامه”.
ولو قلنا جدلاً أنّ “شرف خان Şerefxan” لم يرسم هذه اللوحات بنفسه فلا بد من أن تكون هذه اللوحات قد رسمت ونفذت وحشرت في المكان المناسب حسب مواضيع الكتاب تحت إشراف “شرف خان” ورعايته.
وعلى الرغم من أننا لا نجد بين أيدينا دليلاً ساطعاً وحجة مقنعة كل الإقناع، فإننا نرى بمزيد من الثقة بأن شرف خان هو صانع هذه اللوحات… وكان الحجاب سينكشف عن هذا اللغز وتظهر الحقيقة لو لم تفقد الصفحة الأولى من مخطوطة الـ”شرف نامه” التي هي الآن بين أيدينا.

اللوحة والأسلوب الفني
لصاحبها الفنان
لقد نفذت كل لوحة حسب موضوع الكتاب ووضعت في مكانها المناسب من الكتاب. وقد أحيطت اللوحات بهامش من الكتابة. وفي أحيان نادرة ربما نفرت الصورة وخرجت من حيّز الهوامش. إن اللوحة تواكب مسيرة الكتابة أي أنها منفذة حسب مواضيع الـ”شرف نامه”. توجد بعض اللوحات التي تتناول موضوعاً واحداً.. كما توجد لوحات أخرى تتحدث عن موضوعين مختلفين أي أن نصف اللوحة يمثِّل مشهداً والنصف الآخر يمثل مشهداً. إنَّ الفنان لم يعرّف باللوحة ولم ينوّه بالصور. وهذه الطريقة كانت متبعة لدى الفنانين في العهد الإسلامي. لذلك فإن مهمة معرفة معاني تلك الرسوم والرموز تقع على كاهل الباحثين والمنقبين الذين لهم معرفة بفن الرسامين الإسلاميين ولهم خبرة بتاريخ ذلك الفن والشخصية المدرسية، والمدارس الفنية بكل أجناسها في أيام السلجوقيين، والمغول، والتيموريين، والصفويين، والمدرسة البغدادية.
إن جميع الأشخاص الذين رُسموا في اللوحات أصحاب لحيً وذقون على رؤوسهم العمائم وسواها، وملابسهم أنيقة وفاخرة، تبدو فيها طريقة الخياطة وأسلوب التصميم.. إن الفنان –على سبيل المثال- يختار رقعة من اللوحة فيرسم فيها سريراً يُجلس عليه أميراً من الأمراء ويكسوه ملابس نفيسة، وناعمة، ويضع على رأسه تاجاً ويضع أمامه فنجاناً وفوق رأسه مروحة من الريش. الرأس ملفع ومعصوب من جميع الأطراف.. رسم هلال يبدو من الخلف أو في الأعلى.. الحراس يحيطون به.. مثال ذلك أن الفنان في لوحة: معركة جالديران يعرّف بالسلطان سليم على الشكل التالي:
“الحصان ضخم هائل الجثة أبيض اللون.. الأجراس معلقة بكاهله.. والفنان لم يرسم في هذه اللوحة حصاناً آخر بهذا الجِرم والأجراس معلقة بكاهله. وفي اللوحة شخصان يتقدمان وفي يد كل منهما “طبرزين” منخس وهذا علامة رفاهية وعزّ وجاه.
إن كل لوحات الـ”شرف نامه” باستثناء لوحة ” حرب جالديران” التي تصور مشهداً حقيقياً- ليست زاخرةً بالصور والرسوم. وكذلك فقد وضع الفنان الرسوم مجتمعة بالتوالي أيْ أنه وحّد بين الأبعاد(العمق)، ولم يلتفت إلى البعد الثالث-المنظور.. أي أنه رسم اللوحة ضمن بُعديْن “الطول والعرض” ونستطيع أن نعبّر عن هذا بطريقة أخرى فنقول: إن الفنان لم يتقيد بأحكام المسافة، فلم يصور الشخوص القريبة كبيرة الأجرام، ولم يرسم الأشياء البعيدة صغيرة الأحجام… وكان هذا النهج متبعاً لدى فناني العصر الإسلامي مثل: الرزاز الجزيري و الواسطي “يحيى بن محمود بن يحيى بن أبي الحسن بن كوريها الواسطي”.
إن البعد الثالث-المنظور الذي كان معروفاً لدى فناني أوروبا وصل في القرن الخامس عشر إلى أوساط المسلمين رويداً رويداً (18). لقد نفذ الفنانون لوحاتهم بشكل واقعي وحقيقي. إذا كانت بعض النوافذ الكبيرة في لوحة “الجزيرة” ذات الرقم (5) دلالات ورموزاً لدار كبيرة، فإن الأشجار والشجيرات المنبثة في اللوحة سواء كانت ذات ورود أو لم تكن فإنها ليست حقيقية أي أنها من صنع الخيال. وقد ابتعدت عن الطبيعة، وهكذا فإن هذه الأشجار والنباتات كائنات مجهولة أي أنها بعيدة عن الطبيعة. ومثل ذلك موجود في رسوم المدارس المغولية، والتيمورية، والصفوية، والفن العثماني اقتبس أسلوبه من تلك اللوحات. إلا أن الأشجار والأعشاب التي رسمها “الواسطي” في اللوحة الموجودة في مخطوطة “مقامات الحريري” عام 636هـ/1237م ليست مشابهة لتلك الأشجار والأعشاب فإنها كبيرة باستثناء شجرة النخيل(19).
إن النباتات المحشورة في لوحات الـ”شرف نامه” التي يتألف معظمها من زهور “السوسن” حقيقية “أي مقتبسة من واقع الطبيعة” وهذا الأمر واضح كل الوضوح في اللوحة الخامسة عشرة(15). ومعظم النباتات الأخرى المفروشة على أرضية اللوحات مصطنعة وغير واقعية. وهي أيضاً- بعيدة عن الطبيعة- كتلك التي رأيناها في دور الفنانين الإسلاميين. ولقد رسم الفنان في لوحات الـ”شرف نامه” عيون الأكراد وأفواههم بشكل فائق الحسن والجمال، ولاسيما أفواه الأمراء وعيونهم الذين تبلغ أعمارهم زهاء أربعين عاماً وفوق ذلك. وقد رسم وجوه الرجال الشباب مكتنزة ومستديرة أو نصف مستديرة وقد وضع الشخوص الكردية في المقدمة بحيث تكون واضحة ظاهرة للعيان. كما رسم وجوه وأحداق بعض النساء- مكتنزة ومستديرة.
في أسلوب محاكاة معظم تلك المدارس الفنية الآنفة الذكر للأشخاص قوام فارع ووجوه النساء مكتنزة ومستديرة والعيون نجلاء والخصور ناحلة. إن هذه العيون والأفواه ملامح طورانية، وقد انتشر هذا الأسلوب بفضل الفنانين الإيرانيين في العراق ومصر وبلاد الشام (20). ويبدو هذا في معظم رسوم الواسطي. وبعض رسامي “شرف نامه”، إلا أن بعض الفنانين لم يرسموا الأوصاف الآنفة الذكر للمرأة الكردية في الـ”شرف نامه” وتلك الملامح من قدّ فارع وعيون نجلاء ووجوه مستديرة ومكتنزة.
وهذا الضرب من القسمات والملامح مأخوذ من المغوليين أو مقتبس من النهج التركي. إن الفنان رسم المرأة عاطلة عن الحلي وكل أسباب الزينة. وهذا الأسلوب هو الأسلوب الذي كان معروفاً لدى أكثر فناني القرون الوسطى. وفي عهد “شرف خان” في أيام المغوليين والصفويين والعثمانيين كان نصيب المرأة من الحلي قليلاً.
جُلُّ الفنانين رسموا الفتيان والشباب مُرْداً (بغير لحية وشوارب) أما المتقدمون في السن- في اللوحة- فلهم شوارب وبعضهم له لحية إضافة إلى السبال. ذقون بعضهم خفيفة.. ولحي الآخرين وذقونهم كثة. وكبيرة مثل: أسد الدين الهكاري، والأمير إبراهيم بدليسي. وبعضهم له عثنون (شعر قليل تحت الذقن) مثل ذلك الفارس الذي يظهر في اللوحة (12) الثانية عشرة التي تتناول شأن حاكمية “هكار” ويوجد أيضاً نوع آخر (شعر قليل فوق الذقن وخط رفيع من الشعر يصل إلى الأذنين).
يقول أوليا جلبي في عام 1065هـ/1654-1655م في الصفحة (209) الجزء الرابع من كتابه “سياحت نامه”: “إن الأكراد من أهالي “هكار” لهم شوارب قصيرة، وبعضهم يطلقون لحية قصيرة فوق الذقن. أما أكثرهم فيحلقون ذقونهم، وكانوا يطلقون شعر الناصية خفيفاً”.
وفي الصفحة (317) يقول:” إن الأكراد من عشيرة “محموديان” في أنحاء “وان” لا يحلقون لحاهم ويخضبونها بألوان “العلم” الأخضر والأحمر والأصفر.
ومهما وُجِدتْ أعمال الصفويين أو أعمال المدارس الفنية السابقة في رسوم الـ”شرف نامه”. فهذا ليس بالأمر العجيب ولا يقلل من شأنها أو يهوّن من قيمتها. لأن الأمم تشترك في التأثر والتأثير. ولما كان هذا الموضوع ذا شجون وبحاجة إلى الإطالة والإسهاب أوْجزنا القول: “إن مدرسة “بغداد” الفنية قد اقتبست أشياء وأموراً شتى من الفن السلجوقي، والإيراني والمسيحيين الشرقيين.. دع هذا جانباً فإن أثر الفن الساساني والـ”ماني” والـ”هلنستي” يظهر في رسوم أولئك الفنانين. وهذا ما قاله الدكتور: زكي محمد حسن والآخرون أيضاً(21).
إن “الواسطي” الذي يُعد أكبر رسام في مدرسة “بغداد” الفنية يظهر في رسومه هذا التأثير.
إننا –كما قلنا سابقاً- بعد هذا الموضوع- سندخل في مجال البحث والتنقيب عن اللوحات وفنيتها. وإن كنت قد أخطأت في أمر من الأمور فأرجو وأتمنى أن يأتي من يصوّب ويصحح الخطأ. لأن هذا الموضوع معضل وشائك.
وهذا البحث في هذا الموضوع بحث جاد ومهم لوضع الأسس للفن الكردي أسوة بما تركه لنا الأسلاف من سائر الفنون التراثية.
وإنني أفضل في البداية –أن أبحث في شؤون اللوحات والرسوم. ومن الممكن أن أكون قد ارتكبت هفوات أو أخطاء في رأي من الآراء، لأنّ الرسوم لم تؤخذ عن النسخة بحجمها الطبيعي ولم تنسخ بدقة ووضوح فأجهد طول النظر عيني ولاسيما وأنا أعاني أزمة في بصري، لهذا فإن أكن قد ابتعدت عن الحقيقة وحِدْتُ عن جادة الصواب فأستميح العذر والتمس العفو(22).

(يتبع)