الرئيسية » بيستون » في ذكرى الشهيد الفيلي (الكرد الفيليون قضية ام مطالب)

في ذكرى الشهيد الفيلي (الكرد الفيليون قضية ام مطالب)

تأريخيا كانت بلاد ما بين النهرين ( ميزوبوتامية ) او ما يسمى اليوم بالعراق. محطة جذب للعديد من الاقوام التي هاجرت اليه للاستيطان فيه طلبا للعيش والامان، حيث وفرة الماء وخصوبة الارض وكثرة المراعي. واذا تركنا هنا ارجاع اصل كلمة عراق الى اللغة العربية او الفارسية تلك التي يستند عليها بعض المؤرخين، وسافرنا مع التاريخ الى ابعد من ظهور التأثير العربي او الفارسي على مجمل ثقافة وعادات وتاريخ ابناء هذه الارض. فاننا نرى ان لفظ كلمة “عراق” يرجع في اصله كما يؤكد المؤرخ العراقي طه باقر (الى تراث لغوي اما من السومريين او من قوم آخرين من غير السومريين ولا الساميين استوطنوا السهل الرسوبي منذ ابعد عصور ما قبل التاريخ فيه، وانه مشتق من كلمة تعني المستوطن ولفظها “أوروك” أو”أونوك”، وهي التي سميت بها المدينة السومرية الشهيرة “الوركاء”، كما ان الكلمة نفسها تدخل في تركيب أسماء جملة مدن قديمة شهيرة مثل مدينة “اور” ومدينة “لارسه” وغيرهما) “1”. الا ان المؤرخ طه باقر يعود ليقول ان نقطة الضعف في هذا الرأي ان هذا المصطلح لم يطلقه سكان العراق القدماء على “القطر” كله. ويبدو ان المؤرخ في اشارته الى نقطة الضعف هذه كان تحت تأثير قوى عروبية، ارادت وتريد لليوم وعلى عكس مجرى التاريخ اثبات عروبة العراق على اساس انه امتداد للجزيرة العربية. على الرغم من الفارق الكبير والشاسع بينهما من حيث طبيعة التضاريس الجغرافية والمناخ والثقافة، لبدواة سكان جزيرة العرب وقساوة مناخهم وقحطهم الثقافي، مقارنة بطبيعة العراق الجغرافية وتحضر شعوبه وتنوع ثقافاتهم وتقدم علومهم (حينها) التي كانت نتاجا لاولى الحضارات البشرية.

ان قراءة التاريخ العراقي بشكل محايد ومنطقي وعلمي بعيدا عن الروح الشوفينية او تأثيرات الاديان التي هي جزء من نتاجات الشعوب، تشير الى صعوبة معرفة السكان الاصليين لهذه الارض ليس لقدمها فقط بل لتعدد السلالات البشرية التي استوطنته وتأثيراتها المستمرة على مجمل تاريخه. ولكن الاكيد هو ان اقوام مختلفة ومن مختلف السلالات البشرية استوطنته منذ ازمنة سحيقة، وتوالت على حكم اجزاء منه اقوام مختلفة ايضا كالسومريين والاكديين والبابليين والاشوريين والكشّيين والسوباريين والحوريين والگوتيين، والماذيين او الميديين في اواخر الالف الثاني قبل الميلاد والمرجح ان يكون منهم الاكراد الان مثلما يقول طه باقر “2”.

قبل تأسيس الدولة العراقية بحدودها الجغرافية المعروفة في شهر آب/اغسطس من العام 1921 ، كان الكرد الفيليون كما اليوم يسكنون مناطق شرق دجلة من الاراضي العراقية وما يحاذيها من اراض داخل ايران على الطرف الاخر من الحدود في زمن لم تكن فيه الحدود مرسومة كما اليوم، وهذا ما نلاحظه الان في النسب وعلاقات المصاهرة المشتركة بين العشائر الفيلية التي تسكن على طرفي الحدود وشرق وغرب جبال پشتكوه. وهذا الامر ينطبق ايضا على العشائر العربية التي تسكن المناطق الحدودية بين العراق وسورية او تلك التي بين العراق والسعودية. اما مناطق تواجد الكرد الفيليين في مدينة بغداد فقد جاءت نتيجة الهجرة الطبيعية لمختلف المكونات “العراقية” وغيرها، الى هذه المدينة بعد بنائها من قبل ابو جعفر المنصور العباسي حالهم حال المكونات العراقية الاخرى. اما تواجدهم في مدن الجنوب العراقي والمدن الدينية المقدسة فانه حديث العهد ايضا ويعود الى الانتقال من اجل العمل او الاستيطان، بعد دفن الموتى في مقابر النجف وكربلاء لتشّيع الفيليين عكس ابناء جلدتهم الاخرين الذي ظلوا على المذهب السني بعد دخول الاكراد الاسلام وتخليهم عن الديانة الزرادشتية. سقت المقدمة اعلاه لاقول ان الفيليين ليسوا طارئين على هذا البلد مثلما كانت تروج الحكومات العراقية الشوفينية سابقا منذ تأسيس الدولة العراقية وخصوصا في عهد البعث الاجرامي، والى اليوم بحدود معينة على الرغم من التغيير الكبير على بنية الدولة العراقية بعد الاحتلال الامريكي ورحيل البعث غير مأسوف عليه الى مزبلة التاريخ .
لقد ورث ساسة عهد ما بعد الاحتلال البريطاني للعراق وبعد تشكيل اول حكومة عراقية برئاسة النقيب وللاسف الشديد، المدرسة الطائفية العثمانية التي تزاوجت مع الفكر القومي العروبي اثناء بداياته الجنينية وتشكيل جمعية العربية الفتاة عام 1909 تأثرا بحركة تركيا الفتاة. وشكل العسكريون الذين جائوا مع الملك المنصّب فيصل الاول من سوريا اغلب الوزارات حتى الاطاحة بالنظام الملكي في تموز عام 1958. واستمرت نفس السياسة العثمانية تجاه غالبية مكونات الشعب العراقي حيث تهميش واقصاء ومحاربة القوميات غير العربية واتباع الاديان الاخرى من غير المسلمين والمسلمين الشيعة. على الرغم من محاولة الملك فيصل الاول تعديل هذا النهج دون جدوى حيث اشار مرة الى (ان العراق مملكة تحكمها حكومة عربية سنية مؤسسة على انقاض الحكم العثماني، وهذه الحكومة تحكم قسما كرديا واكثرية شيعية منتسبة عنصريا الى نفس الحكومة، الا ان الاضطهادات كانت تلحقهم من جّراء الحكم التركي الذي لم يمكّنهم من الاشتراك في الحكم وعدم التمرن عليه والذي فتح خندقا عميقا بين الشعب العربي المنقسم الى هذين المذهبين) “3”. وتم اضطهاد العديد من مكونات الشعب العراقي كالكرد والاشوريين وعشائر الجنوب العراقي واليهود، اما الكرد الفيليين فقد مورست بحقهم سياسة اشبه بسياسة التمييز العنصري لحدود بعيدة اذ تعرضوا حينها ولليوم تقريبا الى التهميش والتنكيل في مراحل لاحقة والاضطهاد المركب كونهم كرد وشيعة.
ان بقاء مشاكل الفيليين دون حلول جذرية لليوم في عراق يقال من انه يتبنى دولة القانون ويسير بخطى ثابتة ومدروسة لبناء مجتمع خال من الاضطهاد في ظل نظام حكم ديموقراطي فدرالي موحد!! تعتبر جريمة كبرى تضاف الى جرائم الفشل المستديم لحكومات ما بعد الاحتلال في ايجاد حلول مقبولة للكثير من المشاكل التي تواجهها على الصعيد الانساني، واهمها مشاكل المهجرين التي تناسلت الى عمليات تهجير جديدة داخلية وخارجية اثر حرب طائفية سحقت الاواصر الاجتماعية في مجتمع يبدو انه كان مهيئا لمثل هذه الجرائم، نتيجة تركة الدكتاتورية الثقيلة وفقدان احزاب السلطة اليوم لبوصلتها الوطنية وتدخل بعض “رجال الدين” في رعاية وترسيخ المفاهيم الطائفية .
ولكنني هنا اود ان اطرح سؤالا في غاية الاهمية حول دور الفيليين في الصراع السياسي الجاري في العراق اليوم، والذي تحول لضبابية موقف القوى السياسية من بعضها البعض وعدم ثقتها بالاخرالى صراع طائفي وقومي تحكمه الرغبة في السلطة والنفوذ والمال وليس خدمة المواطن، في بلد يسير به حكامه من مختلف الطوائف والقوميات الى الخراب على مختلف الصعد، وهل للكرد الفيليين دورا سياسيا كالاخرين أو قضية سياسية اساسا ام ان ما يطمحون من اجله عبارة عن مطالب بحاجة الى تحقيق؟
مما لا شك فيه وبعد طرح السؤال اعلاه سينبري العديد قائلا ما هذا الهراء، وهل بعد هذه العقود من العذابات المستمرة نتيجة حملات التهجير اللاانسانية بحق ابناء جلدتنا، وتغييب واعدام الالاف من شبابنا في سجون البعث المجرم وعدم كشفنا لليوم عن رفاتهم ومقابرهم، ومصادرة كل ما نملك من اموال منقولة وغير منقولة وفقداننا لحق المواطنة واستمرار التيه الفيلي لليوم، يُطرح سؤال يقول ان كانت لدينا قضية ام لا!؟ وللجواب على هذا السؤال المشروع اقول، اننا لسنا بحاجة الاّ الى شرح وافٍ لمطالبنا امام سلطات تعرف جيدا ماذا نريد مطالبين البرلمان العراقي بتشريع قوانين تنص على اعادة ما فقدناه، وسلطة تنفيذية تصدر قرارات بآليات محددة لانجاز مطالبنا عن الشهداء وحقوقهم، وما يتعلق باعادة او تعويض ما فقدناه من عقارات ومحال واخيرا مكرمة من جهة سياسية ما لمنحنا (وليس اعادة) حق المواطنة والتي لم تحدد لليوم هل انها مواطنة كاملة ام منقوصة، لعدم تبني السلطات العراقية لليوم لقانون عصري للجنسية العراقية الذي ورثناه من العهد العثماني مع بعض التعديلات الطفيفة وغير الجوهرية عليه. اذن فالمسألة مسألة مطالب (ليست قضية) لاغير وهذا ما يتناوله كل بيان صادر عن اية جهة فيلية في المناسبات المختلفة وطيلة سنوات ما بعد الاحتلال علما ان هذه المطالب لم تتغير ولن تتغير. ومثل هذه المطالب وتكرارها الممل تحوّل متبنيها الى ما اشبه باحدى منظمات المجتمع المدني لاغير، ولا اظن ان قضية معقدة وانسانية بابعاد القضية الفيلية ومساحتها بحاجة الى منظمة من منظمات المجتمع مدني. وهل نحن متسولون لنعيد ونكرر هذه المطالب طيلة السنوات السابقة والى متى؟ ان قضيتنا ليست قضية مطلبية كما اردناها (ارادوها) ان تكون لليوم، بل قضية سياسية عليها ان تجد من يتبناها من الكرد الفيليين انفسهم وليس غيرهم، بعد ان فشل هذا الغير عن تحقيق شيئا لهم طيلة السنوات الماضية.
ان الصراع في عراق اليوم هو صراع طائفي-اثني وليس صراعا سياسيا بين احزاب وطنية ذات برامج سياسية واضحة تلبي مصالح اوسع الجماهير بغض النظر عن انتمائها القومي او الديني او المذهبي. ولسوء حظ الكرد الفيليين فانهم ينتمون الى اكبر طائفة مذهبية دينيا اي شيعة العراق والى ثاني اكبر قومية اي كرد العراق، ما يجعلهم في غياب وحدتهم تحت رحمة التوافقات والخلافات السياسية بين الطرفين الذين يعملون دوما على ان لا تكون هناك استقلالية للقرار الفيلي الا تحت وصايتهم. وبهذا يفقد الفيليون اهم عامل في الدفاع عن مصالحهم وهو عامل المبادرة، وفقدان عامل المبادرة واليأس من تحقيق الذات جعل الكثير منا ان يضع الاخطاء جميعها (وهي اخطائنا نحن) على شماعات الاخرين. متناسين من اننا اصبحنا بوعي او دون وعي جزء من المأساة التي لازلنا نعيشها نتيجة عدم امتلاكنا الجرأة الكافية لتحديد اهم مكامن الخلل الذي وقعنا فيه منذ 2003 ولليوم، عن طريق عدم منح انفسنا الفرصة كما الاخرين للبحث عن موقع سياسي في ساحة سياسية منحت تحت تأثيرتعقّد وتشابك وتجاذبات اللوحة السياسية مكانا للجميع الا نحن. نعم فالطريقة التي ندير بها مشاكلنا اليوم قد تكون ناجعة في عراق غيرعراق اليوم الذي تتربص فيه الطوائف والقوميات والاديان بعضها للبعض الاخر، في لعبة سياسية نعرف كيف تدار ولكننا لانجرؤ على ادارتها لاسباب ذاتية تحديدا وهي تبعيتنا لهذه الجهة او تلك.

ان ايجاد الحلول لواقعنا المزري ليس عند الاخرين قدر ما هو موجود في البيت الفيلي نفسه، الذي اصبح بحاجة اليوم اكثر من اي وقت مضى للوحدة والاتفاق على القواسم المشتركة العديدة والابتعاد عن الهيمنة من اي طرف كان ولأي سبب. وعلينا ونحن في رحاب يوم الشهيد الفيلي البحث بعقل جماعي عن السبل التي نستطيع من خلالها فتح نافذة فيلية على المشهد السياسي العراقي، كما وعلينا ان نرفع صوتنا عاليا امام السلطة العراقية واحزابها بعدم وضع خطوط حمراء امام تجمع الكرد الفيليين تحت خيمة واسعة تضمهم جميعا، بعيدا عن الولاءات الحزبية والحكومية وتأثيرات المال السياسي التي تغري وللاسف الشديد العديد من الطارئين على المشهد “السياسي”. كي نكون فاعلين ولنساهم كما الاخرين في بناء العراق الديموقراطي الفدرالي الموحد الذي حلمنا ونحلم به .


العاقل مَن وعظته التجارب (الامام علي “ع”)

1 – طه باقر ، مقدمة في تأريخ الحضارات القديمة ص 10 ، الطبعة الثانية بغداد 1986 .
2 – المصدر السابق ص 78 .
3 – عبد الرزاق الحسني ، تاريخ الوزارات ج 3 .


زكي رضا
عشية تهجيري من بلدي منذ 32 عاما
الدنمارك


1 – طه باقر ، مقدمة في تأريخ الحضارات القديمة ص 10 ، الطبعة الثانية بغداد 1986 .
2 – المصدر السابق ص 78 .
3 – عبد الرزاق الحسني ، تاريخ الوزارات ج 3 .