الرئيسية » شؤون كوردستانية » الكرد والأمازيغ: تاريخ عريق.. وحاضر من الغرائب !

الكرد والأمازيغ: تاريخ عريق.. وحاضر من الغرائب !

الكرد في الشرق الأوسط قومية أصيلة كبيرة، بلادهم كردستان واسعة، مساحتها لا تقلّ عن 400000 أربعمئة ألف كيلومتر مربع، هي مقسّمة الآن بين المستعمرين الفرس والعرب والأتراك، وعدد الكرد كبير أيضاً، لا يقل بأيّ حال عن 30 مليون، وهم شعب مشهود له في كتب التاريخ بالشجاعة والفروسية، هذا الكلام ليس دعاية، ولا كلام جرائد، هذا أمر يشهد له التاريخ؟ وإلا لماذا عجز العرب والتركمان عن انتزاع القدس من أيدي القوات الصليبية الهائلة، وكان الكردي صلاح الدين ومن معه من قادة الكرد وقبائلهم هم الذين انتزعوا القدس، وقدموها هدية للمستعربين؟
وبالمناسبة تعرفون كيف ردّ بعض المستعربين الفلسطينيين على هذا المعروف؟ تجنّدوا بتوجيه من المرحوم ياسر عرفات صاحب مقولة (شاء من شاء وأبى من أبى! ومقولة يا جبل ما يهزك ريح!) في جيش صدّام حسين، وغزوا جنوب كردستان كالجراد، وبطشوا بالكرد مع الجيش البعثي الفاشي، نعم ، هكذا هو النهج الاستعرابي في ردّ الجميل.
والأمازيغ في الشرق الأوسط قومية أصيلة كبيرة، بلادهم أوسع من بلاد الكرد بكثير، بلادهم تمتد من حدود مصر حتى المحيط الأطلسي، يا جماعة ضموا مساحة ليبيا إلى تونس إلى الجزائر إلى المغرب إلى موريتانيا، بل حتى جزء من غرب مصر أيضاً، ترى كم تصبح؟ حوالي 3 ملايين كيلومتر مربع وربما أكثر، تصوروا إنها شبه قارة، وعلى العموم كل ما يسمّى (شمال إفريقيا) هي بلاد الأمازيغ، أما عدد الأمازيغ فضموا سكان ليبيا إلى سكان تونس إلى سكان الجزائر إلى سكان المغرب إلى سكان موريتانيا، ترى كم يصبح العدد؟ لا أقل من 60 مليون، احذفوا منه على الأكثر ثلاثة ملايين من سلالات الغزاة العرب، والباقي كلهم أمازيغ صرفاً.
ومثلما شوّه المستعمرون الفرس والعرب والأتراك صورة الكرد، وجعلوهم من سلالة الشياطين، ومن سلالة الجن الكافرين طبعاً، وليس من سلالة الجن المسلمين، كذلك فعل المستعمرون بشعب الأمازيغ، فمعنى اسمهم بلغتهم هو (أبناء الأحرار)، لكن اليونان قبل الميلاد غزوا بلادهم لأهميتها، وسمّوهم (برابرة) يعني همج غير متحضرين، هكذا كان اليونان القدماء يسمّون بقية الشعوب، وهكذا سموا الأمازيغ أيضا، وبعد اليونان غزا الرومان بلاد الأمازيع واستعمروها، واحتفظوا بالاسم اليوناني (برابرة)، ثم جاء دور البيزنطيين، واحتفظوا بالاسم الاستعماري (برابرة)، ثم جاء دور الغزاة العرب، واحتلوا بلاد الأمازيغ واحتفظوا بالاسم الاستعماري (بربر)، وبما أن الاستعمار العروبي ما زال يهيمن على بلاد الأمازيغ، فما زال هذا الاسم الاستعماري هو الدارج.
والكرد أصحاب تاريخ في الشرق الأوسط، يوم كان الفرس مجحورين في مناطق شيراز وأطرافها الحارّة وشبه الصحراوية، ويوم كان العرب تائهين في براريهم الواسعة القاحلة، ويوم كان الأتراك تائهين في سهوب وصحاري شرق آسيا، يشربون حليب الخيول، ويعبدون (تانغري) حسب العقيدة الشامانية، كان الكرد يقيمون دول وممالك، وآخرها في حدود علمي دولة ميديا الكبيرة، وخرج من هذا الشعب كثير من القادة الكبار عبر التاريخ.
والأمازيغ (أبناء الأحرار) أيضاً أصحاب تاريخ عريق في الشرق الأوسط، من ملوكهم الشهيرين القدماء ماسينيسا، كانت عاصمته في جبال الجزائر، أظن أنها مدينة قسنطينة، وبرز بعد ذلك حفيده يوغورتا، وهؤلاء حاربوا الرومان فترة غير قليلة، ولا ننسى أيضاً أنه مثلما أنجب الشعب الكردي قائداً شهيراً هو صلاح الدين الأيوبي، أنجب الشعب الأمازيغي قبلهم بقرون قائداً شهيراً هو طارق بن زياد، ولكن للأسف صلاح الدين حرر الشام ومصر من الصليبيين وقدّمه هدية للعرب والمستعربين، كذلك فعل طارق بن زايد، إنه فتح إسبانيا الكبيرة الغنية الجميلة، وقدّمها هدية للعرب.
والمهم أن الكرد والأمازيغ شعبين عريقين ومهمين في الشرق الأوسط، لهم بلادهم التي ورثوها من أجدادهم، ولهم لغتهم الخاصة، ولهم تراثهم الثقافي الغني، لهم موسيقاهم وأغانيهم الرائعة، ولهم صفاتهم كثيرة مشتركة، شجاعة، عناد ويباسة رأس، سرعة غضب، خلافات قبلية، صلابة وإخلاص واستقامة، عشق للحرية، ناس جبليون مثل بعضهم، الكردي والجبل رفيقان حميمان، والأمازيغي والجبل رفيقان حميمان.
لكن يا حيف! ما هي حال الكرد والأمازيغ منذ قرون؟
الكرد واقعين في قبضة الاحتلال الفارسي والتركي والعربي، بلادهم مقسّمة بين هؤلاء، تعرضوا طوال 14 قرن لكل أنواع البطش والتنكيل والقهر والصهر، ومارس عليه المحتلون كل الخطط الشوفينية والفاشية، حرموهم من العيش بحرية في وطنهم، حرموهم من لغتهم، من ثقافتهم، من دولتهم، وكل ما طالبوا بحق من حقوقهم، هبّ العرب وأذنابهم المستعربين، وصبوا عليهم الأوصاف البشعة (انفصاليين، عملاء، خونة، إلخ).
والأمازيغ واقعين في قبضة الاحتلال العربي من 14 قرن أيضاً، القذّافي جعل ليبيا (قلب العروبة النابض) باعتبار أن الرئيس المصري الأسبق جمال عبد الناصر نصبه في عرش (أمين القومية العربية)، وهمّش القذافي الأمازيغ بشكل عجيب غريب، ووظف أموال نفط الشعب الأمازيغي لمحو تراثهم وشخصيتهم، ولا ندري هل القذافي عربي قحّ من سلالة المحتلين العرب الأوائل أم أنه من الأمازيغ المستعربين، وأظن أنه من سلالة المستعربين، لأن هؤلاء أكثر قسوة ولؤماً على شعوبهم من سادتهم المحتلين العرب.
وفي المغرب تسلّطت عليهم أسرة تدّعي أنها علوية، يعني من سلالة علي بن أبي طالب، وتحت هذا الاسم (علوي) حكموا الأمازيغ بالحديد والنار منذ قرن، بل أذلّوهم أي إذلال، وبحسب القانون يجب على كل أهل البلاد- صغيرهم وكبيرهم، الشيخ العلامة والضابط الكبير ورئيس الوزراء والوزراء- أن يقبّلوا يد الملك العلوي الهاشمي المقدّس طبعاً، ولو كان عمره 20 سنة، وإلا فلا يفوزون يرضى الله والرسول عنهم، وهم في الآخرة من الخاسرين، ولا أدري إذا كان التقليد ماشي، أم أبطلوه خوفاً من الفضائح.
وما كان حال الأمازيغ في تونس والجزائر وموريتانيا أفضل من حالهم في ليبيا وتونس، خطط التعريب ظلت تعمل ليل ونهار، نعم بثروات وطن الأمازيغ وبعرق جبين الأمازيغ كرّسوا مشاريع التعريب الخطيرة، اللغة العربية هي اللغة الرسمية، هي لغة الدولة والمجتمع، هي لغة الثقافة والاقتصاد والإعلام، ولتذهب لغة الأمازيغ أهل البلاد إلى الجحيم، فاللغة العربية هي لغة أهل الجنة حسبما روّج العروبيون وأذنابهم المستعربين، وكيف يمكن للأمازيغي دخول الجنة والتفاهم مع الحوريات على حفلة تدليك إذا كان لا يعرف العربية؟ التاريخ العربي، الأمجاد العربية، الغزوات العربية (سمّوها فتوحات للتلطيف) هي التي لها المقام الأعلى في المناهج والمؤسسات الثقافية والمسلسلات والأفلام، أما تاريخ الأمازيغ أمجاد ماسينيسا ويوغورتا وغيرهم، فلتذهب إلى زوايا النسيان، إنها ليست أمجاد، إنها تاريخ الكفر حسب التوصيفات العروبية الاحتلالية.
بالله عليكم أليس هذا من الغرائب والعجائب؟
وهل من المعقول أن تستمر هذه الغرائب والعجائب بعد الآن.

Birûsk Botanî