الرئيسية » مقالات » طريق الحقيقة رقم 29 -الوطن والوطنية والدستور

طريق الحقيقة رقم 29 -الوطن والوطنية والدستور

1- الوطن.

2- الوطنية.

3- قراءة في الواقع المعاش وطريق الحل.

1- الوطن:

الوطن هو مساحة محدودة من الأرض حدودها مرسومة بموجب اتفاقيات دولية ومعترف عليها من قبل الأمم المتحدة. وله علم محدد أشكاله وألوانه ويكون رمزاً لهذا الوطن. يعيش على أرض هذا الوطن شعب يبني عليه مسكنه ومنه مأكله وملبسه ويمارس على أرضه حياته الثقافية والاجتماعية والاقتصادية، يربط الإنسان بهذه الأرض ذكرياته الحلوة والمرة منذ ولادته وحتى مماته ومنه يأخذ جنسيته وهويته.

2- الوطنية:

تأتي بعد الأرض والشعب.

وماذا نعني بالوطنية؟

الوطنية هي مشاعر وعواطف وحب وتعاون ومساواة وحقوق ونظام سياسي ودستوري.

هذه العوامل هي كمادة الاسمنت التي تساعد على التحام العناصر المكونة للبناء وكلما كانت هذه المادة قوية زادت متانة البناء.

إن مشاعر الإنسان وحبه وعواطفه وتعاونه وتآلفه خاضع للشرط التاريخي، إن تلك العوامل كانت خاضعة قديماً لمرحلة الإيديولوجيات.. أما الآن فإن تلك العوامل خاضعة لعصر العلم..

في عصر الإيديولوجيات كانت حاجات الإنسان الحيوية من مأكل وملبس ومسكن وحرية جداً بسيطة.. فقد كانت هذه الحاجيات الضرورية للحياة تمثل المرتبة الثانية. أما في عصر العلم فإن هذه الحاجيات الضرورية للحياة تمثل الدرجة الأولى.

في مرحلة الإيديولوجيات كانت العواطف والحب والتآلف والتعاضد ينشأ مع الناس على أرض الوطن بالإيمان.. كان هذا الإيمان نابع في عصر الإيديولوجيات من ثلاثة:

أ‌- الإيمان الديني الروحي: مصدره الكتب السماوية.

ب‌- الإيمان المادي: مصدره النظريات الوضعية.

ح‌- الإيمان القومي: مصدره الشوفينية القومية والعنصرية.



أ‌) في مرحلة الإيديولوجية الدينية:

كان الإيمان الديني الروحي يلعب دور الإسمنت.. يوحد الناس ويخلق الحب والتعاطف وكل مشاعر الناس. كان همهم الوحيد هو الطاعة والعبادة للواحد القهار الذي يسيطر على خيال الإنسان. فمن كانت طاعته وعبادته صادقة للواحد القهار كان نصيبه الجنة ومن كانت طاعته وعبادته مزيفة كان نصيبه جهنم.

ب‌) أما في عصر النظريات الوضعية:

فكان الإيمان الذي كان يخلق عدالة اجتماعية بين الناس هو السائد.. ومنها كانت مشاعر الناس وعواطفهم وتآلفهم.

ج‌) أما الإيمان القومي:

فكان مصدره هو التعالي القومي والعرقي العنصري.. وهو الذي يكون العواطف والمشاعر بين الناس.

الإيمان الإنساني: مصدره الإعلان العالمي لحقوق الإنسان:

والآن وفي عصر العلم انتهت كل تلك المصادر التي كانت تخلق عواطف ومشاعر وتولد المحبة.. لقد حل عصر الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.

إن وطناً وشعباً لا يمارس حياته السياسية والثقافية والاقتصادية ولا تكون دساتيره وفق هذه المبادئ فإن العيش في حياة جهنم بانتظاره كما نشاهد اليوم.

ومن هنا تنقسم الوطنية إلى قسمين:

1- الوطنية البناءة.

2- الوطنية المدمرة.

والعوامل التي تؤدي إلى الوطنية البناءة هي:

أ‌- عامل سياسي.

ب‌- عامل دستوري.

ج‌- عامل حقوقي.

إذا توافرت هذه العوامل بالشكل المطلوب ووفق مقتضيات العصر والتحولات التاريخية وقيم العصر.. تتحول الوطنية إلى وطنية بناءة وتحول شعب هذا الوطن إلى شعب مسالم وموهوب ومحب وإنساني وبالتالي يتحول هذا الوطن إلى جنة يقدم المأكل والملبس والمسكن والحرية الجيدة لكل إنسان يعيش على أرض هذا الوطن.

ولنشرح بإيجاز كل من هذه العوامل لإظهار الوطنية البناءة..

أ ) العامل السياسي:

نظراً لخطورة العامل السياسي أردنا أن نصنفها في البند الأول.

السياسة تعني السلطة.. والسلطة تعني حكم الناس.. العامل السياسي له دور خطير.. فهناك سياسة تؤدي بالمجتمع إلى النعيم وسياسة تؤدي إلى الجحيم..

فإذا كانت السياسية تعني حكم الناس..

وإذا كان المقصود بالوطن هو سورية، فلا بد من أن نبين مكونات هذا الشعب.

الوطن السوري الجغرافي معروف مساحته وحدوده فلا حاجة لشرح ذلك.

ولكن الغير معروف هو الخارطة البشرية للمجتمع السوري. فمنذ أن حصل الوطن السوري على استقلاله وحتى الآن تمارس سياسية النعامة والزرافة على الشعب السوري.

إن السياسة تمارس إما مبنية على العواطف القومية أو الدينية أو الطبقية (الاشتراكية).. هكذا مارسوا أصحاب السياسية للحكومات المتعاقبة على أرض وشعب سورية منذ الاستقلال وكانت النتيجة لما نعاني منه الآن من حرب أهلية ووطنية مدمرة. فهل يصحح الساسة سياستهم قبل فوات الأوان.

تتألف الخارطة البشرية للوطن السوري من المكونات التالية:

1- قومياً: العرب والأكراد والتركمان والآشوريون والكلدان والسريان والأرمن والجركس.

2- دينياً: المسلمون والمسيحيون والاسماعيليون واليزيديون وغيرها كثير..

3- مذهبياً: السنة وهم الأكثرية الساحقة والشيعة.

4- إضافة إلى الطائفة العلوية والدرزية.

لقد أخذ الصراع السياسي حتى الآن بين مذهبين هم السنة والشيعة وكلا من المذهبين تبنى أيديولوجية قومية شوفينية، هذه الأيديولوجية أقصت معظم المكونات الأخرى القومية والدينية من الصراع السياسي.

وهذا يعني أنه قومياً كان الأكراد والتركمان والآشوريون والسريان…الخ خارج اللعبة السياسية وإذا وجد بعض الشخصيات الكردية أو من القوميات الأخرى فلم يكونوا يمثلون قوميتهم بل كانوا انتهازيون تنازلوا عن قوميتهم صورياً وتحولوا إلى منافقين مقابل الحصول على المنافع الشخصية. وبهذا يكون قد ألحق أكبر الضرر بالمكون الكردي القومية الثانية في سورية وبالتالي ألحق الضرر بالوطن السوري.

لقد اتخذ التيار القومي الشوفيني قراراً بإلغاء الجنسية السورية من أكثر من مائتي ألف مواطن كردي وحرموا نتيجة هذه الخطوة من البطاقة التموينية والتوظيف والتعليم وكل مجالات الحياة الطبيعية والإجراء الثاني الذي اتخذ بحق الشعب الكردي هو إقامة مستوطنات بشرية بين المناطق الكردية والإجراء الثالث هو اعتبار مسافة ثلاثون كيلومتراً وعلى طول الحدود التركية حزاماً أمنياً وأطلق عليه اسم الحزام العربي.

إن هذه الإجراءات والقرارات قد تركت انطباعاً واحتقاناً سيئاً لدى الشعب الكردي الذي هو ثاني قومية في الوطن السوري وخفضت في نفوسهم الشعور الوطني. إن تدمير الشعور الوطني بهذا الشكل مع كل المكونات الاجتماعية للشعب السورية ونتيجة ممارسة هذه السياسية بهذا الشكل قد ترك آثاراً إستراتيجية وهذا ما نعاني منه اليوم.

كم من مرة كتبنا وحذرنا من خلال مسلسل طريق الحقيقة من خطورة ممارسة هذه السياسيات والإيديولوجيات والنظم الحقوقية والدستورية.

لقد أدركنا ومنذ زمن طويل نتيجة لدراستنا العميقة للتاريخ وقلنا من أن طوفان نوح جديد سيحل بنا ومع كل حلقة كنا نطرح الحلول لكي لا نصل إلى هذه الدرجة التي وصلنا إليها اليوم.

ب ) العامل الدستوري:

لا يمكن ممارسة السياسية بدون دستور. والدستور ليس سوى عقد اجتماعي.. فإما هو عقد اجتماعي يضمن لكل مكون اجتماعي حقه والنتيجة وطنية بناءة. وإما عقد اجتماعي يقصي كل المكونات الاجتماعية ويعطي الحق لمكون واحد وتكون النتيجة وطنية مدمرة. إن قراءة واحدة للدستور السوري الجديد يتبين لنا أننا سائرون نحو الكارثة أكثر مما نحن فيه.

وكما يقول المثل الشعبي (( المكتوب واضح من عنوانه )).

فعنوان الدستور الجديد يقول: دستور الجمهورية العربية السورية لعام 2012.. لقد كان الاسم “الجمهورية السورية” منذ أن حصلت سورية على الاستقلال منذ عام 1946م ثم جاء التيار القومي مع عبد الناصر وما بعده فتحول اسم “الجمهورية السورية” إلى “الجمهورية العربية السورية”. وهذا يعني لا وجود لأكراد ولا لتركمان ولا لآشوريين ولا لكلدان ولا لسريان ولا…الخ في سوريا وكل مواطن على أرض سورية هو عربي.. وكل من يدعي غير ذلك يسلم مصيره إلى المخابرات لينزل به العقاب في الأقبية المظلمة.

فهل يمكن عند ذلك التكلم عن وحدة وطنية أو شعور وطني أو دماغ مبدع كي يصنع لنا السيارة والطيارة والإلكترون.

والملاحظة الثانية: المادة الثالثة تقول إن دين رئيس الجمهورية هو الإسلام والفقه الإسلامي مصدر للتشريع.

وهذا يعني تم إبعاد كل ما هو ليس مسلماً عن المشاركة السياسية وتحولهم إلى أهل الذمة وليس لهم سوى حق العبيد..

إن هذا الدستور لا يمكن أن يؤدي إلى وحدة وطنية بناءة. يجب إبعاد الدين عن السياسة، لأن السياسة تفسد الدين بل يجب المحافظة على قدسية الدين ليصبح هدياً لمكارم الأخلاق.

إن المؤهلات الفكرية والعقلية وحسن الأخلاق وصندوق الانتخاب هي الوسيلة الوحيدة التي تضع الإنسان المناسب في المكان المناسب بغض النظر عن دينه وقوميته ومذهبه ولونه. عندها يمكن التكلم عن وطنية بناءة.

ج ) العامل الحقوقي:

كل مكون يجب أن يحظى بحقه في النظام الدستوري والقانوني ويجب أن يكون هذا الحق بحماية القضاء. عندها يمكن أن يكون هناك وعي وطني ووطنية صادقة بناءة ووطن مزدهر وآمن.

هناك ملاحظة من الناحية الحقوقية:

كثيراً ما نسمع من كثير من المثقفين العرب الذي يظهرون على شاشات التلفزيون سواء أكانوا في السلطة أو المعارضة أنه كلما ذكر اسم الشعب الكردي وحق تقرير المصير نراهم تصفر وجوههم وتحمر. وكثيراً ما يعارضون هذا المفهوم بحجة أنه يؤدي إلى الانفصال وتجزئة الوطن وتمزيق الوحدة الوطنية. وهم يتوهمون بذلك ويعتقدون من أنهم يحافظون على وحدة الأمة العربية.. فتعالوا معنا أيها القراء الكرام لندقق في مفهوم حق تقرير المصير:

إن حق تقرير المصير ليس بدعة كردية ولم يخترعها الأكراد. إنها حق ظهر في ميثاق الأمم المتحدة بعد حربين عالميتين جرت على البشرية ويلات ودمار راح ضحيتها مئات الملايين من البشر إضافة إلى تدمير مدن وممتلكات لا حصر لها. كل ذلك كان نتيجة للصراع الاستعماري الذي نشأ بين أمم قامت فيها نهضة صناعية وراحت تشن حملات استعمارية بغية تقسيم العالم فيما بينها، وكانت نتيجة ذلك أن وقع ثلاثة أرباع الكرة الأرضية وشعوبيها تحت نيران الاستعمار ومن هذه الحركة الاستعمارية ظهرت مقاومة الشعوب بغية تحرير أراضيها من الاستعمار. فرأت نخبة من المفكرين والفلاسفة والساسة أن يتخلصوا من هذه الظاهرة الاستعمارية. ومن هنا ظهر حق تقرير المصير لكل شعب في الدنيا يملك مقومات حق تقرير المصير أن ينال هذا الحق. ومن هذا الحق ظهرت لجنة تصفية الاستعمار التابعة للأمم المتحدة هذا في ميثاق الأمم المتحدة وأيضاً كل الأديان السماوية بما فيهم الإسلام يحرم العبودية ويحرم استعمار شعب لشعب آخر هذا في المواثيق الوضعية والسماوية.

ولكن ماذا في ميثاق الواقع التاريخي المعاش الذي نعيشه الآن؟

إن التاريخ الذي عاشه ويعيشه الشعب الكردي الآن مع الشعوب العربية والفارسية والتركية هو الحكم والقول الفصل في هذا الحق.

يعيش الشعب الكردي المسلم بملايينه الأربعون بين أمم ثلاثة هي العربية والفارسية والتركية والأمم الثلاثة هم مسلمون.

لقد قسم الاستعمار الإنكليزي والفرنسي وطنهم كردستان بين هذه الأمم الثلاثة فتحول الشعب الكردي بأكمله إلى أيتام المسلمون. وتم سلب ونهب جميع خيرات أرضه ونقلت إلى المدن العربية والفارسية والتركية وتحولت هذه الخيرات إلى حركة بناء عمراني وإلى مصانع وفنادق.

أما أبناء الشعب الكردي الباقي فكان نصيبهم الفقر والجهل والتخلف ولم يبق أمامهم سوى الهجرة إلى المدن الكبيرة بغية الحصول على فرصة عمل ليكسب قوت يومه لا أكثر ولا أقل، ولم يجدوا أمامهم من فرص سوى ماسحي أحذية وخدم الفنادق وخادمات في بيوت الأثرياء العرب والفرس والترك والحمالين والعتالين.

وكانت نتيجة للنظم السياسية المركزية للقوميات الثلاث وأكل أموال اليتامى الكردي والهجرة الجماعية تشكل وضع ديموغرافي في مراكز المدن الكبيرة.

يقول الإعلاميون: إن هناك خمسة ملايين كردي في مدينة إسطنبول التركية وحدها والملايين الأخرى في باقي المدن التركية.

وأن هناك أكثر من مليون كردي في بغداد ومليون في طهران ومئات الألوف في مدينة حلب ودمشق.

ومما لا شك فيه ومع الأيام لا بد وأنهم اشتروا عقارات منزلية وفتحوا دكاكين وفتحوا ورش حرف متعددة وأصبح منهم أطباء ومهندسين وأساتذة وموظفين ومحامين وفنانين. فكيف يمكن انفصال هؤلاء عن الواقع المعاش؟

إن الانفصال لا يوقف على إرادة سياسية ولا على اعتراف دستوري وقانوني بهذا الحق ولا على برنامج سياسي حزبي. بل يتوقف الأمر على الواقع التاريخي المعاش.

إن حق تقرير المصير هو حق أقرته مواثيق المنظمات الدولية والكتب السماوية. إن حق تقرير المصير يعني أن يختار الشعب وفق استفتاء ويقرر فيما إذا كان يريد الحكم الذاتي أو الفيدرالية أو الكونفيدرالية، والانفصال هو السلاح الأخطر الذي تلجأ إليه الشعوب وذلك حسب الحالات الآتية:

إن أنكرت القومية الظالمة وجود القومية المظلومة في وجودها في دستورها. وأنكرت على القومية المظلومة حقوقها الثقافية وحق التكلم بلغتها الأم. وبالتالي أنكرت القومية الظالمة حق تقرير مصيرها في العيش المشترك سواء أكان في الحكم الذاتي أو الفيدرالي أو الكونفدرالي. وإذا شنت القومية الظالمة حرب إبادة ضد القومية المظلومة وارتكبت جرائم ضد الإنسانية ونشبت بنتيجة ذلك حرب أهلية بين القوميتين الظالمة والمظلومة وطالت أمدها وباتت هذه الحرب تهدد السلم والأمن الإقليمي والعالمي كما حدث في يوغسلافيا سابقاً والسودان والعراق أيام حكم صدام حسين، والاتحاد السوفيتي سابقاً.. في مثل هذه الحالات تصبح الحياة المشتركة مستحيلاً فلا بد من حق تقرير المصير بالانفصال.. نأمل أن لا تصل الأمور مع القوميات الثلاث العربية والفارسية والتركية إلى هذا الحد.

إن حركة التاريخ تتجه نحو العولمة ولم يعد الانفصال لا في مصلحة القومية الظالمة ولا المظلومة. إن حركة التاريخ تتجه نحو التكتلات الاقتصادية الإقليمية وإتحاد الشعوب مع بعضها البعض.

لقد ساهم الأكراد في الحضارة العربية والحياة السياسية والعسكرية والثقافية، لقد ظهر من الأكراد كثير من القواد العسكريون والكتاب والأدباء والشعراء والفلاسفة خدموا الثقافة العربية.

الشعب الكردي شعب مسلم وهم مسلمون لا يمكن أن ننظر إليهم نظرة شوفينية قومية.

3- قراءة في الواقع المعاش وطريق الحل:

طريق الحل يكون بالمنهج التالي:

1- تحليل وتشخيص الداء.

2- طريق الحل.

1 ) تحليل وتشخيص الداء:

منذ أن انطلقنا في خطنا التنويري الاستراتيجي عبر مسلسل طريق الحقيقة كانت حاستنا تقول لنا بأن طوفان نوح جديد سيحل بوطننا الحبيب سورية.

لقد حللنا الحياة السياسية والإيديولوجية والثقافية والحقوقية والدستورية فوجدنا أن كل هذه العوامل التي كنا نمارسها قد تجاوزها الزمن. لقد تحولت كل هذه العوامل ومع شعاراتها وأهدافها إلى تحقيق هدف واحد وهو كسب القرش الحرام.

لقد أدركنا مبكراً خطورة القرش الحرام، وأن هذا القرش الحرام سيؤدي بنا إلى الجحيم. وحذرنا من ذلك ولكن لا حياة لمن تنادي.. وكانت النتيجة لما نحن عليه الآن فتعالوا معنا أيها القراء الكرام نشخص الواقع ماذا يجري للشعب السوري بكل مكوناته والوطن السوري الحبيب.

لقد تحول الوطن السوري والشعب السوري إلى ملعب دولي وإقليمي لإجراء التجارب. الغرب يريد أن يجرب علينا تجاربه. والشرق يجري تجاربه. والإقليميون لهم تجاربهم. والوطن السوري والشعب السوري تحول إلى أرانب وجرذان لإجراء تجاربهم العلمية والسياسية عليها، لا قدرة ولا إرادة للشعب السوري في رفض أي تجربة. وكل ما هو مطلوب منه أن يطيع ليسلم رقبته للسكين. إنه طوفان نوح حقيقي يعيشه الآن الشعب السوري بكل مكوناته وأطيافه.

يقذف الجيش السوري النظامي بالدبابات والصواريخ مدننا الحبيبة ويدمر المساكن فوق رؤوس ساكنيها وتهاجر آلاف العائلات في هذا البرد القارس نساء وأطفالاً وشيوخاً ويتجهون نحو تركيا ولبنان والعراق والأردن ونحو المدن الداخلية. لا مازوت ولا غاز ولا خبز ولا دواء ولا ماء ولا كهرباء.. الكل يريد أن ينجو بروحه. الجيش السوري النظامي يقتل المنشقين عنه بدون رحمة ولا شفقة. والجيش السوري الحر المنشق يقتل أفراد جيشه النظامي.

إن أفراد الجيش النظامي والجيش الحر هم أولادنا وأخواتنا كبرناهم ليدافعوا عن وطننا الحبيب سورية ضد أي اعتداء خارجي، ولكن بدلاً من ذلك هاهم يوجهون سلاحهم الذي دفعنا ثمنه من عرق جبيننا إلى صدور بعضهم البعض، ومع انتشار الفوضى ظهر الكثير من العصابات المسلحة ذات الأهداف الشريرة لخلق الفتنة والسرقة والإجرام واغتصاب النساء وخطف الأطفال للحصول على الفدية وظهرت عملية الانتقام. لقد انتشر الرعب والخوف بين الناس ولم يعد أحد يؤمن على حياته وماله. لقد تعطل العام الدراسي بالكامل، ولا يكاد يمر يوم واحد إلا ونسمع حوادث القتل والاغتصاب والاختطاف وتشليح الناس الأبرياء. والأسوأ من هذا بدأت بعض وسائل الإعلام تبث التحريض الطائفي وبدأ الناس يذبحون بعضهم البعض على الهوية والاسم وكأننا لا نعيش في وطن واحد ولا تربطنا وطنية. فهل هناك كارثة أفظع من هذه الكارثة؟ لم يعد أمام الشعب السوري إلا طلب النجدة من العالم لإنقاذ حياته من الموت وما زاد في الطين بلة الفيتو الروسي الصيني. لقد وضع هذا الفيتو العالم أما الحيرة.

2 ) طريق الحل:

أخواني وأخواتي أيها الساسة والمفكرون:

نظراً لتركيب المجتمع السوري كما بينا في الخارطة البشرية للمجتع السوري.. كلنا بشر بحاجة إلى المأكل والملبس والمسكن والحرية سواء أكنت من هذا المكون أو ذاك، إنه التطور التاريخي العالمي والتطور الاجتماعي وظهور ميثاق العالمي لحقوق الإنسان.

لقد انتهى مفعول الأيديولوجيات سواء أكانت دينية أو اشتراكية أو قومية. لم يعد باستطاعة تلك الأيديولوجيات أن تقدم حلولاً لمشكلات العصر الذي نعيشه الآن، لقد باتت الضرورة التاريخية تتطلب وضع دساتير ذات قيم عالمية، إن كل دستور لهذا العقد الاجتماعي لا يحوي تلك القيم العالمية كما ورد في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان تكون النتيجة كارثة على الشعب الذي يطبق ذلك الدستور. إن وضع دساتير وفق قيم أيديولوجية سواء أكانت دينية أو اشتراكية أو قومية يعني جر هذا الشعب نحو الكارثة إلى الحرب الأهلية.

إن التطور الاجتماعي العالمي والجانب المادي من التاريخ العالمي ظهر خلال الثورة التونسية والمصرية والليبية واليمنية والسورية بقوى اجتماعية شابة فرضت نفسها على الساحة. لقد أنهت دور كل التنظيمات الحزبية الأيديولوجية. وبات شعار الحرية والديمقراطية والدولة المدنية والقضاء على الفساد هو البديل لكل الأهداف والشعارات القديمة التي كانت تنادي بها الأحزاب الأيديولوجية القديمة. وبالرغم من بقاء هذه الأحزاب منظمة، ويمكن أن تستفيد من هذا التنظيم في الحصول على مكاسب سياسية لدى مزاولة الحياة الديمقراطية ولكن لا تستطيع أن تجد حلاً لأي مشكلة من مشاكل المجتمع بالمفاهيم القديمة.. ومع أن هذه القوى الشابة والغير المنظمة وخسارتها في عملية الانتخابات الديمقراطية، فلا يستطيع أي حزب إيديولوجي قديم أن يتجاوزها.. إن فوز الأحزاب السياسية الإسلامية في تونس ومصر لا يعني نهاية المطاف بل يعني بداية المطاف لأنها سوف تنحل بفعل عامل الحرية الذي يترافق مع العملية الديمقراطية، وإنها لا تستطيع أن تحل أي مشكلة من مشاكل المجتمع.



إن الحل يبدأ بوعينا لحركة التاريخ السائرة إلى الأمام..

يا أبناء وطننا الحبيب سورية بكل مكوناته:

لقد ماتت الإيديولوجيات ولم تعد أية إيديولوجية تشبعنا المأكل والملبس والمسكن والحرية. وإن الإيديولوجية الوحيدة التي تشبعنا كل تلك الحاجات الضرورية للحياة هي الوطنية. ولا وطنية بدون دستور وطني وإنساني. ولا دستور بدون حقوق لكل مكون من مكونات مجتمعنا السوري. إن حرمان أي مكون من مكونات مجتمعنا السوري من حقه السياسي أو الاجتماعي أو الاقتصادي أو الثقافي يعني الحرب الأهلية ويعني تدمير الوحدة الوطنية.

يا أبناء وطني الحبيب سورية إن وطننا فيه من كل الخيرات الظاهرية والباطنية وكافية لإشباع حاجاتنا الحيوية. إن إنكار أو إقصاء المكون الكردي كونه قومية ثانية في سورية وعدم الاعتراف به دستورياً وكذلك الحقوق الثقافية للأقليات القومية الأخرى يعني تدمير الوطن والوطنية. إن إبعاد الدين عن السياسة ضرورة تاريخية لا بد منها وهذا لا يعني القضاء على الدين بل العكس هو المحافظة على الدين. لأن السياسة تفسد الدين. وإن مكان الدين في دور العبادة منزهاً عن كل شيء.

إننا بحاجة إلى شعور ووعي وطني يوحدنا ونتعايش فيه مع بعضنا البعض كل وفق حقوقه الدستورية لنقدم نموذجاً إنسانياً رائعاً كما فعلت سويسرا.

فلتكن سورية وطناً للكل بصرف النظر عن قوميته وطائفته ومذهبه. إن النظام السياسي الوحيد الذي يخلق في ظله هذا المناخ من المبادئ والقيم هو النظام الديمقراطي.

إننا في سورية الحبيبة نريد أن نعيش حياة إنسانية كريمة ونقدم أنفسناً كنموذج إنساني رائع كما فعلت سويسرا.

وختاماً أوجه ندائي إلى كل المفكرين والمثقفين وأقول فلتكن مهمة أقلامكم هي قول الحقيقة وكشف الحقيقة.

والحقيقة هي التي ستصلنا إلى بر الأمان وبدون الحقيقة يعني الغرق.

ونحن في طريق الحقيقة نأمل أن نكون قد أسهمنا في كشف الحقيقة لننقذ وطننا الحبيب سورية من الدمار.

وأخيراً نؤكد على شعاراتنا في طريق الحقيقة:

1- لا أحد يملك الحقيقة.

2- أنا أبحث عن الحقيقة.

3- أنا أملك جزءاً من الحقيقة ومن حقي أن أعبر عنها.

حلب في 3/4/2012 محمد تومه

أبو إلياس