الرئيسية » دراسات » من تاريخ اليهود في تركيا العثمانية ـ الجزء الثاني

من تاريخ اليهود في تركيا العثمانية ـ الجزء الثاني

نواصل في هذا الجزء تحرك شباتاي وفراره من تسالونيكا للقيام بجولة، الى مصر واورشليم، ثم الى حلب فتركيا ثانية، وإعلانه (مسيحاً) إضافة الى قيامه بالتوقيع على الرسائل على أنه (الله) ، وردود الأفعال المختلفة التي سيخلقها هذا الاعلان إنْ في الأوساط اليهودية في ذلك الحين، أو في أوساط البلاط العثماني في تركيا، وغيرها من الأحداث لغاية موت شباتاي ـ المسيح الدجال.

شباتاي في اورشليم القدس :

من تسالونيكا ذهب شباتاي الى القاهرة ، حيث تم استقباله ودعمه مادياً ومعنوياً من قبل أحد اليهود الأثرياء وصاحب النفوذ في القاهرة المدعو ” رافائيل جوزيف التشليبي ـ الجلبي ـ ” ، ومن هناك ذهب الى اورشليم حيث استخدم وسائل عديدة ليكيّف جذب الناس وتقريب جموع اليهود هناك اليه، ثم عاد من اورشليم الى القاهرة ثانية ليستلم مساعدة مالية من رافائيل جوزيف ليقدمها هدية (رشوة أو ابتزاز ؟!) للحاكم التركي في اورشليم وليحصل على دعمه ودعم يهود اورشليم، وهكذا شعر شباتاي بما يشبه الانتصار في 1665. وكان يوم مجيء المسيا المنتظر الذي أصبح مناله قاب قوسين أو أدنى. خاصة وأن اليهود في اوربا وآسيا والكثير من الحاخامات كانوا مهووسين في الاعتقاد باقتراب مجيء المسيا الذي بمجيئه سوف يتم استعادة تكوين الدولة والمملكة اليهودية .

حتى الحكيم الرصين “منسا ابن اسرائيل” كانت لديه وجهة النظر هذه، حين يكتب الى اوليفير كرومويل بأن اليهود والمسيحيين ـ على حد سواء ـ “يعتقدون بأن عودة اليهود بني اسرائيل الى موطنهم وأرضهم أصبح قريب المنال بقرب مجيء المسيا”.

كما أن الحركة المسيّانية في تركيا جذبت شاباً ثرياً “ناثان الغزاتي” ـ ربما يشير لقبه الى أصله من مدينة غزة ، غزاتي ـ كان قد تعرّف على شباتاي ، وفيما بعد سيقوم بدور مهم في التعريف بشباتاي كمسيّا المنتظر، سنتطرق لدوره أدناه، وازداد عدد معتنقي هذه الفكرة كثيراً يوما بعد يوم.

من جديد سوف تراود فكر شباتاي بأن اورشليم القدس ليست المركز المثالي لخطته لكي تنمو وتتسارع في تحققها، خاصة أن أكثر الحاخامات المحليين في اورشليم كانوا قد أبدوا رفضاً ومعاداة لشباتاي وتفكيره وما يخطط له، فرأى شباتاي بأنه من الأكثر أماناً له العودة الى أزمير مروراً بحلب، حيث سيتم استقباله بحماسة واستحسان من قبل الجالية اليهودية الكبيرة في حلب.



إعلان شباتاي (مسيحاً) :

وأخيراً بعد بعض التردد والتأخير تم اعلان شباتاي “المسيحَ المنتظر” يوم رأس السنة اليهودية الجديدة في عام 1665 م، في غمرة فرحة و ابتهاج أتباعه الكثيرين، وازدادت شعبيته في أزمير أيضاً التي وصلتها أخبار اعلان مجي المسيح المنتظر، وقامت زوجته الثالثة “سارة” بالمساعدة في الترويج لمخططات ومشاريع زوجها ! حيث قامت بتأثيرات كبيرة وغير عادية في وسط الرجال والنساء على حد سواء.

لكن سيكون أزاء كل هذا الترويج انتقاداتٍ وتعليقاتٍ كثيرة من قبل الجماعة اليهودية. وبالرغم من الهيجان الذي ساد في إزمير والذي غذّاه حاخامات ووجهاء اليهود في المدينة الذين ندّدوا بشباتاي واعتبروه (دجالاً)، تمكن شباتاي من الحصول على بعض النجاح السريع في المدينة. إضافة الى التأييد الذي حصل عليه من كون فكرة مجيء المسيح المنتظر لها مكانة كبيرة في اعتقاد يهود اوربا وآسيا وافريقيا وكذلك في وسط الكثير من الحاخامات الذين أعلنوا ولاءهم له.



للفيلسوف سبينوزا رأي في شباتاي :

نمت شعبية شباتاي بسرعة مهولة ومريبة ليس فقط في أوساط اليهود بل أيضا في أوساط المسيحيين، وانتشرت قصته من قبل الداني والقاصي. وامتدت شهرته الى ايطاليا وألمانيا وهولندا (التي كان فيها مراكز عديدة متحمسة للفكرة المسيّانية)، حيث تلقى اليهود في هامبورغ وأمستردام تأكيدات من قبل مسيحيين جديرين بالثقة، حول الحدث غير الاعتيادي الذي يحصل في ازمير. وكان للفيلسوف سبينوزا أيضاً موقفاً من (فرصة) حركة شباتاي المسيّانية حيث “فكّر ـ سبينوزا ـ باحتمالية هذه الفرصة واعتبرها فرصة مؤاتية لكي يعيد اليهود بناء دولتهم ومملكتهم وتنتعش فيهم الفكرة والاعتقاد بأنهم شعب الله المختار”.



ردود أفعال يهودية مختلفة من مسيّانية شباتاي:

في هذه الأثناء لم يتوقف أتباع شباتاي في نشر دعوة وصول المسيح المنتظر والترويج لها بشتى الطرق. كما أن ناثان الغزاتي (و بريمو primo الذي ساعد شباتاي كسكرتير في ازمير)، قام بارسال رسائل الى كافة الجاليات اليهودية في اوربا وآسيا، وكان أغلب اليهود سعداء للرسائل والتقارير التي وصلتهم بشأن مجيء المسيّا المنتظر لتجديد الآمال من مجيئه.

لكن “يعقوب ساسبورتاس” حاخام لندن الذي كان مقيماً في هامبورغ بسبب مرض الطاعون، واحدٌ من بين بعض الحاخامات الذين سيقومون بالادانة التامة لشباتاي باعتباره دجالاً، وعمل هذا الحاخام ـ يعقوب ـ بلا هوادة ومن دون توقف لفضح شباتاي لدى كل الجماعات اليهودية، كما قام بارسال الرسائل الى كل الجماعات والجاليات اليهودية التي تمكّن من الاتصال بها لفضح شباتاي باعتباره المسيح الدجال.



شباتاي يوقّع على الرسائل على أنه ( الله ) :

وأزاء محاربة اليهود الأرثوذوكس لحركة شباتاي ترك الكثير من اليهود هذه الحركة، وكان ذلك ايذاناً بانهيار الحركة وسقوط شباتاي كمسيح منتظر (دجال). هذا الطور الجديد أرغم شباتاي على الايعاز الى أتباعه لمحاربة الرابيين وحتى الشريعة اليهودية، وقام صموئيل بريمو مساعد (أو قُل سكرتير) شباتاي بارسال رسائل وتعاميم مذيّلة وموقّعة باسم ” الملك المسيّاني اليهودي”، و قام غالباً باستخدام توقيع “أنا الربًّ الهُكم شباتاي تسيفي”!! هذه الأمثلة وغيرها التي قام بها شاباتاي وأتباعه نفّرت الكثيرين منه ومن حركته، حيث شعر الناس بأنه كافر ومجدّف، فابتعد عنه أهالي ازمير من اليهود، وأصبحت بالتالي القوة المحلية المعارضة له كبيرة جداً مما حدى بالادارة والسلطة المدنية العثمانية للتدخل، وهنا سيبدأ فرار تسيفي شباتاي من ازمير ثانية. وحدث بالفعل قبل فراره من إزمير أن قام أتباعه بتتويجه ملكاً على العرش اليهودي ، كما طلب بعدم ذكر اسم السلطان العثماني والدعاء له في أثناء بعض الصلوات (كما هي عادة أغلب الديانات التي تدعو للسلطان أو الملك في صلواتها ومواعظها وخطبها) ، بل على اليهود أن يذكروا اسمه (شباتاي) فقط في الصلوات باعتباره ملكهم.



شباتاي ملك ملوك اسرائيل والعالم:

وإضافة الى إعلان نفسه “المسيح المنتظر” قام شباتاي بمنح نفسه لقب ” ملك ملوك اسرائيل” ، ومنح أخاه جوزيف تسيفي لقب “ملك ملوك يهودا”، ومنح شقيقه الآخر ايليا لقب “ملك الملوك”. وقام بتقسيم العالم الى 26 قسم يتولى كل من أتباعه قسماً منها، وكان لأشقائه حصة الأسد من هذا التقسيم. وقسّم حتى السلطنة العثمانية على أتباعه، وكل هذه التفاصيل الخطيرة وصلت الى القسطنطينية.



القاء القبض على شباتاي وسجنه :

وفي طريق فراره من ازمير صادف أن ستتعطل السفينة التي كان عليها شباتاي وأتباعه، بسبب الأحوال الجوية، ورست في ميناء على مضيق الدردنيل، حيث ستقوم القوات العثمانية بالقاء القبض عليه بأوامر صدرت اليها من وزير الصدر (الباب) الأعلى ـ رئيس الوزراء.

ومن هناك تم نقله الى القسطنطينية حيث سيتم استقباله بازدراء من قبل أحد الباشوات، الذي سيقدمه أمام نائب الصدر الأعلى الذي سيأمر بارساله الى سجنٍ خاص بحبس اليهود، وتم احتجازه لمدة شهرين. أما أتباعه فأصبحت حالهم أكثر ارتباكاً وعلّلوا معاناة وحبس شباتاي بأنها ضرورية لاظهار مجده وتمجيده.

من بعد هذا سيأمر الصدر الأعلى أحمد كوربيلي بنقل شباتاي الى سجن الدولة في قلعة ابيدوس في مضيق الدردنيل، حيث سيصل في نيسان 1666 م . برفقة سكرتيره صموئيل بريمو.

في هذا السجن سوف يقيم شباتاي في راحة كبيرة، وبواسطة الأموال الكبيرة التي يحولها له الأغنياء من أتباعه تمكّن من العيش في حالة ممتازة. كما سُمح لزوجته للبقاء معه، وأسسوا نوعاً من مجلس داخل السجن. وتوافد العديد من اليهود لزيارة المسيح الجديد، وجعل الآلاف من زوار شباتاي من ابيدوس مكاناً منتجعاً لهم بالقرب من شباتاي السجين. ويذكر الكاتب اليهودي كريتز بأنه في 25 تموز 1666 تجمّع ما لا يقل عن 4000 يهودي للاحتفال بعيد جديد تم استحداثه في محلّ عيد تموز الذي كان قد أمرهم شباتاي باستبداله.

خلال فترة الحبس هذه، قام شباتاي بتأسيس طريقة جديدة للعبادة اليهودية، وأمر بالاحتفال بعيد مولده كعيدٍ يهودي.



حرج وقلق السلطة العثمانية :

سببت استمرارية الحركة المسيّانية اليهودية الكثير من الحرج والقلق للسلطان العثماني ولوزيره وللضباط الكبار. ومع هذا لم يقدر أو لم يفضّل ذوو الشأن والسلطة في السلكنة العثمتنية من الأمر بقتل شباتاي ، لأن موت شباتاي أو الحكم عليه بالموت سيجعل منه ربما شهيداً في نظر جماعته وأتباعه، وربما سيؤدي ذلك الى أعمال فتنة وشغب واضطرابات في البلاد. ومن جهة أخرى فأن أتباع شباتاي كانوا يتبجحون ويتفاخرون بصخبٍ وعلانية في الادعاء والقول بأن السلطات لا تملك سلطة الموت على المسيح ـ شباتاي، وكانوا يشيرون الى الوضع الخاص في الاهتمام به من قبل ادارة سجن ابيدوس المعروف عنها صرامتها وقوتها.



شباتاي يعتنق الاسلام :

لكن نهاية شباتاي ستكون قريبة. فأن أحد اليهود ـ من أصل بولوني ـ المدعو “نحميا كوهين”، الذي كان يعترف بالمسيح ـ الدجال شباتاي في بداية الأمر، لكن أخيراً كان قد تشاجر معه، وقام بتسليم خطة وتصميم رائع لبعض المسؤولين الأتراك المتنفذين، فوُضعت الخطة لوضع نهاية لظاهرة شباتاي.

فوصل فجأة رسول الامبراطور ـ السلطان العثماني الذي وجّه بترك السجين (شباتاي) لوحده وإبعاد كل أصدقائه ومرافقيه في السجن بعيداً عنه. وتم أخذ المسيّا (الدجال) السجين الى أدرنة (الواقعة الى أقصى الحدود الشمالية الغربية التركية بالقرب من حدودها مع اليونان وبلغاريا، حيث “تمت مواجهة السجين مع اليهودي البولوني المنشق عن الديانة اليهودية، كان يعمل طبيباً لدى السلطان العثماني، قام بنصح شباتاي باعتناق الديانة المحمدية (الاسلام)، من أجل الخلاص من التعذيب الذي سيلحق به من قبل السلطات العثمانية في حالِ رفضه اعتناق الاسلام. وبعد أن تم تعذيبه وإذلاله وافق شباتاي على المقترح، وتم أخذه وإحضاره أمام السلطان حيث سيُشهر اسلامه رسمياً. ومن بعده قامت زوجته سارة أيضاً باشهار إسلامها، وأغدق السلطان على كليهما بالهدايا والأموال. وتم تعيينه موظفاً في المحكمة مع راتب مجزٍ. وبعد بضعة أيام كان لشباتاي الجرأة ليكتب لأصحابه بأنه اعتنق الاسلام وأصبح (اسماعيلياً).

على ما يبدو أنه لم يصدق أحد من أتباعه تقريباً أنباء اشهاره للاسلام، ويمكن القول بتعبير آخر، أن نبأ إشهار شباتاي واعتناقه الاسلام لم يضع حدّاً للحركة التي قادها شباتاي أو حداً لمهمته كمسيّا.

وبالرغم من السخرية التي ابتدأت في الشوارع من قبل الناس، ومن قبل الأطفال أيضاً، في الشوارع والأزقة ضد اليهود وأتباع شباتاي، لكن أتباع شباتاي استمروا في التصريح : “إن شباتاي لم يصبح مسلماً، بل أن شبحاً قام بذلك، وأنّ شباتاي قد تم ترحيله الى السماء وإنه راجعٌ ليكمل مهمته كمسيّا منتظر في فداء شعبه اليهودي”.

لكن واقع الحال يقول بأن عدد من الحاخامات والكثير من أتباعه أصابتهم خيبة الأمل الكبيرة، كما أصاب اليهود عموماً خيبة الأمل والمرارة والعار أيضاً بصورة مريرة جداً.



اللعبة المزدوجة لشباتاي :

في غضون ذلك يبدو أن شباتاي قد لعب لعبة مزدوجة، فبينما قد تحوّل هو وبعض من أصحابه الى الاسلام استطاع أن يُقنع بعض المسلمين بحركة الكابالا اليهودية وعقيدتها التصوفية الروحانية، التي يبدو بأن حركة أو (شيعة) يهودية تركية (باطنية) أخذت تتشكل لكن بشكل سري. ويبدو كذلك بأن حركة أو ظاهرة شباتاي خلقت وجذبت بعض المغفلين إن كانوا من اليهود أو من المسلمين. وكانت لبعض أصحاب شباتاي الفرصة في تحولهم للاسلام أن يصبحوا وعّاظاً يلبسون العمامات الدينية المهمة التركية وفي التأثير على عدد من المسلمين الأتراك في آرائهم الكابالستية مثلما يقول ميلمان في كتابه “تاريخ اليهود”.

وفي النهاية ستكتشف السلطات التركية الخداع الذي قام به شباتاي، وتعبت فعلاً من مخططاته التي يقوم بها في تركيا. كما أن الحاخامات الذين لم يؤمنوا بشباتاي منذ بداية حركته، إضافة للحاخامات الذين صدّقوا على كون شباتاي في البداية على أنه المسيا لكنهم توقفوا عن الاعتقاد به فيما بعد، أصدروا كليهما أحكاماً بالهرطقة على شباتاي وقرروا عزل كافة أتباعه وحرمانهم من الحضور في المجامع اليهودية مع فصلهم عن الجماعة اليهودية. ويبدو أن أيام شباتاي قد اقتربت من نهايتها بحرمانه من وظيفته ومن الراتب العالي الذي كان يستلمه شهريا من السلطات التركية العثمانية.

زوجة شباتاي الثالثة ـ سارة ـ التي رافقته في أيام قوته وفي أيام الخطر الذي تعرض له، غرقت وماتت، فاختار شباتاي زوجة أخرى هي ابنة أحد الرابيين من تسالونيكا، التي اعتنقت الاسلام هي الأخرى.



نفي شباتاي الى ألبانيا وموته :

وأخيراً، بعد أن تم اكتشاف قيام شباتاي (المتحول للاسلام) بالصلاة مع أقرانه اليهود، تم نفيه الى دولسكنو Dulcigno في البانيا، حيث لا توجد جماعة يهودية (بحسب كرايتز والموسوعة اليهودية)، وحيث من المفترض أنه مات هناك وحيداً، سنة 1676.

بينما بحسب ميلمان وجوست وغيرهما من الدارسين والمؤرخين الآخرين، أنه مات في بلغراد، ويُزيد جوست بأنه وفقاً لبعض المصادر الرسمية قد تم قطع رأس شباتاي سراً.

أخيراً، وبصورة عامة ، يمكن القول بأن ظاهرة شباتاي (المسيّا الدجال) سبّبت الكثير من المتاعب لليهود في تركيا وفي غيرها. وكما يقول كرايتز فان اليهود قد تعرضوا وعرّضوا أنفسهم لموقف سخيف سبّب لهم بعض الخطورة من ردود أفعال السلطات العثمانية. وأزاء قوة المنتحل شباتاي أزاء سذاجة الشعب، ما يدعو للاستغراب أن تستمر قناعة عدد من يهود تسالونيكا بحركة شباتاي والكابالا حتى بعد وفاته لبعض الوقت. اضافة الى تأثيرها المحتمل في فكر عدد من الفرق والحركات الباطنية السرية الروحية ، إن كانت يهودية أو اسلامية.