الرئيسية » دراسات » من تاريخ اليهود في تركيا العثمانية ـ 4

من تاريخ اليهود في تركيا العثمانية ـ 4

الوضع العام لليهود في تركيا العثمانية:

حينما تذكر كتب التاريخ أن شخصيات يهودية ـ مثل التي ذكرناها في مقالات سابقة أو التي سنذكرها فيما بعد ـ حازت أهمية أو اهتماماً ما في تاريخ هذا الشعب المشتت في بقاع العالم و في تركيا، لا يعني هذا أن كل الشعب اليهودي قد حاز ذات الاهتمام من قبل السلطات العثمانية.

الحقائق أو الوقائع التي يذكرها الرحالة والكتاب الذين زاروا تركيا العثمانية وولاياتها، لا يمكن الاعتماد عليها بشكل مطلق مع أهميتها، فانهم لم يُشيدوا أو يمدحوا كثيراً الحالَ الجيدة للشعب اليهودي في القرون الماضية من السادس عشر لغاية التاسع عشر. لأن الكثير من الكتاب، يكتب بطريقة ذاتية ـ بشأن اليهود ـ أكثر منها بالموضوعية، حيث تأثير مشاعرهم ونظرتهم لليهود من زاوية انتمائهم الديني الشخصي أثرت في طريقة أو بأخرى في أسلوب كتاباتهم ونقلهم واقع الجماعات اليهودية. لكن الأمر المشترك بين الأكثرية هو عدم وجود التعامل الجيد (الدائم) مع الأقليات في تركيا العثمانية، ويمكن أن يُعزى هذا الى أن تعامل تركيا العثمانية مع الأقليات في تركيا العثمانية لم يعتمد على دستور ثابت وقوانين تحدد التعامل المتساوي مع جميع سكان تركيا. خاصة وإنه من المعلومات الثابتة والراجحة أن التعامل مع الأقليات ـ ومع اليهود منهم ـ كان يعتمد غالب الأحيان على مزاجية ونزوات وأخلاقيات السلطان العثماني الحاكم في حينه، وعلى مصالحه أحياناً، وعلى حكومته الموجهة من قبله كسلطان له الأمر، وواجب إطاعته إن كان في الشأن الديني أو المدني العام أو الخاص أحياناً كثيرة. ويمكن القول بأن حالة اليهود في تركيا كانت تعتمد على الكيمياء التي بين الخليفة التركي العثماني واليهود، و على مدى قربه أو نفوره من اليهود أو حتى على نزواته. لذا من زاوية الأقليات يمكن القول بأن طريقة التعامل معهم كانت متأرجحة ونسبية، معتمدة في شكل كبير منها على موقف السلطان والحكومة ومصالحها عامة منها، والقول الذي لا يحتاج لعناء كبير، هو أنه لم يتم التعامل مع الأقليات كمواطنين يتساوون في الحقوق مع المسلمين في تركيا العثمانية، إنْ كان القول بازدرائهم وإهانتهم (وبشكل خاص ما يتعلق بالأقلية اليهودية ) لا يعتبر قاعدة ثابتة تنطبق على كل التاريخ التركي ـ العثماني، حيث لا يمكن إنكار حقيقة واضحة في أن تركيا كانت ملجأ أميناً لليهود الهاربين من بطش واضطهاد الغرب.

فمع أن القرن السابع عشر اتسم بكثرة المصائب والمصاعب على اليهود في تركيا التي استمرت في القرن اللاحق أيضاً، حيث عانى اليهود من تدمير العرب لمدينة صفد اليهودية، كما عانوا بسبب الحريق الذي حدث في عام 1666 م في القسطنطينية الذي التهمت نيرانه الكثير من أملاك اليهود. وفي القرن الثامن عشر سيتم إصدار الكثير من القوانين ضد اليهود التي ستمنعهم من الكثير من نشاطاتهم وتحدّ منها. لكن مع هذا ستبقى القسطنطينية وازمير وسالونيكا مراكز تركية عثمانية مهمة في تاريخ الثقافة والابحاث اليهودية، وبشكل خاص من قبل اليهود الفارين الى تركيا من جحيم الاضطهادات التي تعرضوا لها في دول اوربية عديدة.

ان اليهود المقيمين في تركيا العثمانية كما قلنا سابقا، تواجدوا فيها منذ ما قبل الحقبة الميلادية ، وازداد نزوحهم اليها بشكل أكبر بعد سقوط اورشليم وتدميرها في سنة 70 ميلادية على يد الامبراطورية الرومانية. لكن أعداد اليهود النازحين الى تركيا (العثمانية) ستزداد بشكل مضاعف فيما بعد، خصوصاً بعد الاضطهادات الكبيرة التي عانوا منها في اسبانيا منذ نهاية القرن الخامس عشر. وما يميز اليهود النازحين من اسبانيا لكنتهم الاسبانية التي لم تمنعهم من التواصل مع الوقت مع أقرانهم المقيمين منذ زمن أطول في تركيا والتحدث معهم باللغة الأم العبرية والتواصل الثقافي والديني.

وعدا ذلك فهناك ما يميز اليهود الوافدين من اسبانيا أو من دول اوربية اخرى عانت فيها الجاليات اليهودية من الاضطهادات، بشكل خاص: هو مستوى تطورهم النسبي مقارنة مع اليهود الأتراك (زمع الأتراك أنفسهم أيضاً) ، فقد كانوا أكثر تعلماً وأكثر انفتاحاً وامكانيات مالية ايضاً. هذه المؤهلات ساعدت في رفع مستوى اليهود الأتراك من ناحية التعلّم والتثقف والانفتاح، حيث جهد اليهود المتعلمون ذوي الامكانيات الثقافية والمالية من انشاء مدارس لجالياتهم وفي مساعدة الفقراء منهم وتحسين مستواهم المعيشي، مع مرور الزمن.

ومن المفيد هنا القول بأن المجتمع اليهودي التركي انقسم الى مستويين أو طبقتين، طبقة محافظة وطبقة أخرى أكثر تطورا تبحث التطوير والتقدم والانفتاح للجالية اليهودية في تركيا.

فالطبقة المحافظة كانت متعصبة صلبة وغير متسامحة مع خطوات التغيير والتطوير ممانعة لتطوير وتحرر التعليم من القوالب الدينية الجامدة واعتماده على التعاليم والتقاليد والعادات القديمة. مما صعّب خطوات الطبقة الأخرى الأكثر انفتاحاً نحو التطوير، لكن ازدياد عدد النازحين من الدول الاوربية (إن كانوا من الاشكيناز أو من السيفرديم) المتأثرين بثقافات واساليب التعليم في دول اوربا، مكّنها من أن تكون كبيرة العدد وازدادت تبعاً لذلك فرص تطوير الجالية اليهودية مع مرور الوقت. وتجدر الاشارة الى أن اليهود نشطوا اضافة لذلك في المجالين التجاري والمصرفي بشكل كبير، ونجحوا فيهما وتمكنوا من تحسين مستوى عيشهم مقارنة مع السكان الآخرين من غير اليهود، مما مكّنهم أيضاً من احتلال موقع مهم في عالم الأعمال، يضاف الى ذلك قيامهم بادخال العديد من المعامل، والمطابع الى القسطنطينية وسالونيكا وازمير التي ساعدت كثيراً في نشر الوعي والتأليف والطباعة في كافة المجالات الدينية وغيرها.



الآخرون واليهود :

ومن ناحية نظرة الآخرين اليهم في تركيا فكان يُنظر اليهم بازدراء على أنهم تقليديون ومتخلفون ! ويعود سبب هذه النظرة لأمورعدة. منها أن اليهود في طبيعتهم ونتيجة للاضطهادات والكراهية التي عانوا منها شكلوا لهم مجتمعهم وعالمهم الخاص لغرض الحفاظ على ميراثهم الديني وارثهم التاريخي وتميزهم عن الآخرين، مما جعلهم أن يكونوا محافظين. كما يمكن اعتبار التخلف الذي كان عليه المجتمع التركي العثماني ـ بصورة عامة ـ حضارياً أحد الأسباب المهمة في تكوين النظرة السلبية لليهود، فكانت تُعزى لليهود الكثير من الافتراءات والدعايات التشويهية والشائعات والجرائم الكثيرة ليس أقلها خطف الأطفال ! وهو أمر سخيف لكن كان رائجاً في الأوساط الشعبية التركية غير اليهودية، اضافة الى تحريض غير اليهود لعدم التعامل التجاري مع اليهود طعناً بمصداقيتهم وسوء نيتهم في التعامل، والأمر كان مبالغاً فيه كثيراً، وربما يعود مصدر هذا التجنّي على اليهود، برأيي الشخصي، الى الحسد والكراهية: منبع كل الأحكام المشوشة فاقدة للكثير من المصداقية، لأنه لا يمكن أن يُنظر الى الحقائق والوقائع التاريخية لأي شعب أو جنس بشري من منظار الكراهية أو الحسد، والاّ ستكون النظرة والأحكام غير صحيحة على الاطلاق وبعيدة كثيراً عن مصداقية النظر بحيادية ونزاهة الى الأعراق والشعوب المختلفة، خاصة إذا قبلنا بالقول بأن في كل عرقٍ وأمة الصالح مثلما فيها الطالح ايضاً.

اما بالنسبة لليهود فكانوا يُظهرون الودّ غالباً مع المواطنين المسلمين أكثر مما يبدونه مع المسيحيين، بالرغم من أن المسلمين لم يتعاملوا معهم دائماً بحُسنى، ولم ينظروا اليهم كشعب الاّ بازدراء. لكن بالرغم من هذا الاحتقار يمكن القول بأن المسلمين كانوا أكثر تسامحاً وتساهلاً من المسيحيين في التعامل مع اليهود. وبالنسبة لليهود، من جهة أخرى، فمع أنهم كانوا يشعرون في قلبهم ـ والأمر طبيعي بكل تأكيد ـ بعدم الاحترام الكامل لهم من قبل المسلمين في بلاد يحكمها الاسلام العثماني، لكنهم أظهروا الكثير من التعاطف والتقرب والصداقة نحو المسلمين. وحينما كانت تظهر نزاعات وخلافات بين المسلمين والمسيحيين، كان يتعاطف اليهود ويقفوا بجانب المسلمين. كما أن اليهود الأثرياء وذوي النفوذ في تركيا وخارجها لم يتوانوا في مساعدة الحكومة العثمانية في وقت الصعوبات وعند الحاجة للدعم والمساندة.

هناك انطباع سائد بين الشعوب بأن اليهود شعب غني وثري، ويربط اليهودي بالغنى والثراء، وهذا ليس بالدقيق في الكثير من الأحيان، فاليهود حالهم حال باقي الشعوب الأخرى فيهم الطبقة الثرية التي تمثل أقلية الى جانب طبقة أكبر عدداً هي من الفقراء، فالاغنياء من يهود تركيا العثمانية كان لهم التأثير في مجالات أعمالهم المالية والتجارية، وكانوا محترمون لأنهم أغنياء ولأن لهم نفوذ خاص وعلاقات قوية مع السلطات العثمانية ومع الطبقة الغنية من غير اليهود في المجتمع التركي، كما هو حال الأغنياء دائماً في كل العالم. والفقراء كانوا يمارسون أعمال شتى أكثرها يدوية، صناعية أو زراعية أو اعمالاً بسيطة، ليتمكنوا من تأمين معيشتهم، وكان عددهم ليس بالقليل.



مراكز تواجد اليهود :

تمركز اليهود بشكل خاص في مدن تركيا العثمانية بأعداد كبيرة، الفقراء منهم يسكنون في أحياء شعبية وبيوت بسيطة، ليس كبيوت أغنياء اليهود التي هي قصور كبيرة فاخرة تقع في المناطق الفاخرة والشوارع الرئيسية. لكن مع هذا يشتركون معاً بنفس عاداتهم وممارساتهم الدينية على حد سواء، ومن الطبيعي أنهم تعلموا أيضاً عادات المجتمع التركي في الحياة اليومية.

كان تواجد الجماعات اليهودية تقريباً في كل مدن تركيا العثمانية الكبرى، مثل القسطنطينية وازمير ، والجماعة اليهودية الأكبر عدداً كانت في سالونيكا المدينة البحرية الكبيرة وواحدة من كبرى المدن العثمانية (اليونانية)، مثلما يجدر ذكره أن تواجد اليهود في مقادونيا يعود الى وقت الاسكندر الكبير(ق 4 قبل الميلاد). والاضطهادات ضد اليهود في اسبانيا منذ 1493 جعلت من سالونيكا مستوطنة كبيرة لليهود الفارين، وتغلب أعداد اليهود الفارين من اسبانيا (والبرتغال) ـ السيفرديم ـ الى سالونيكا ساعد في تغلب ثقافتهم ومواصفاتهم على تلك التي لليهود (ولليونانيين) من سكان سالونيكا، حيث حمل الوافدون معهم من بيتهم الغربي ارثهم اليهودي ، لكن بثقافة ونفحة غربية أعطت سمة الثقافة المتعددة ( العبرية ـ الاسبانية ـ الاغريقية ـ التركية ) لدى الجالية اليهودية بصورة عامة، وبشكل خاص لدى الطبقة المثقفة من الرابيين والكتاب والمؤلفين منها. كما يضاف اليهم اليهود الوافدين من بولونيا ورومانيا وايطاليا وهنغاريا وغيرها من دول اوربا الشمالية ـ الاشكيناز ـ الذين سيزيدون تطعيم الجالية اليهودية التركية في مختلف المستويات. وترك لنا التاريخ مؤلفات وتراجم لمئات عديدة من الشخصيات اليهودية التي عاشت وأنتجت وألّفت وترجمت وطُبعت كتبها وأعمالها.

سنترجم لبعض الشخصيات اليهودية من حكماء ومؤلفي وكتّاب بني اسرائيل في تركيا العثمانية في مقالات لاحقة.