الرئيسية » شؤون كوردستانية » الكرد: بين ثقافة الكردايتي.. وثقافة الكولَتي

الكرد: بين ثقافة الكردايتي.. وثقافة الكولَتي

أخطر وأشنع ما أنجزته العقلية الاستعمارية الشرقية عامة، أنها تقوم بعملية تمسيخ شاملة، وتخلق المناخات الثقافية المسوّقة للاستعباد، وفي جميع الأحوال تجعل الدين مظلة لخلق ذلك المناخ الثقافي، وهذا ما مارسته وما زالت تمارسه العقليات الاستعمارية الفارسية والتركية والعربية، إنها في جوهرها عقليات شوفينية فاشية، لم تؤمن يوماً بالإسلام على أنه تقوى، ولم تطبّق يوماً مضمون قول الله تعالى (إنما المؤمنون إخوة)، ولم تنفّذ يوماً مضمون قول النبي محمد ( لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه).
إن الدين عند أصحاب هذه العقليات حصان طروادة لترسيخ ثقافة الاستسلام عند الشعوب الأخرى، ولممارسة المزيد من الاستلاب والقهر والصهر، وهذه العقليات تفهم الإسلام أنه جزية، وخراج، وأنفال، وغنائم، واستعباد، وسبايا، وجواري، وسلب لهويات الآخرين القومية، ونهب لثرواتهم، ومسخ لثقافاتهم، واحتلال لأوطانهم، والدين عند هؤلاء غطاء مقدس لتمرير مخططاتهم الاستعمارية الشوفينية.
وبعد أن يتأكد أصحاب تلك العقليات الاستعمارية الماكرة من أنهم سوّقوا مشاريعهم الاحتلالية في سلخ الشعوب من أصالتها، ومسخ هوياتها القومية، وكل ذلك باسم (المقدّس)، يبتكرون الآليات العملية الكفيلة بأن تصبح العبودية ممارسة طبيعية لا بد منها، وتصبح هي القاعدة، ويصبح التحرر هو الاستثناء، ويستمر أصحاب تلك العقليات الاستعمارية في تشغيل آلياتهم المبتكرة للسلخ والمسخ، إلى أن يوصلوا ضحاياهم المقهورين إلى حالة غريبة عجيبة، تلك الحالة هي أنهم يتوهّمون في النهاية أنهم في نعيم لا مثيل له، وأن الخطأ كل الخطأ، بل الإثم كله، يتمثّل في الدعوة إلى الخروج من ذلك النعيم.
وبالنسبة لنا – نحن الكرد- ثمة ما يُفرح وثمة ما يزعج.
أما ما يُفرح حقاً فهو أن قسم غير قليل من الشعب الكردي حرّر نفسه من ثقافة الاستسلام الماكرة، وتبيّن له الخيط الأبيض من الخيط الأسود، وكفّ عن الدوران في فلك مشاريع السلخ والمسخ الشوفينية، ولم تعد تنطلي عليه ألاعيب كهنة الاستعمار العربي والفارسي والتركي، وأكاذيب المتاجرين (بالأخوّة الإسلامية)، وفذلكات حواة (التاريخ المشترك)، وصنّاع فخاخ (الوطن الواحد).
أية (أخوّة إسلامية) هذه التي تجعل وطني كردستان مستباحاً، وتاريخي قومي الكرد مغيَّباً، وثقافتي الكردستانية مقموعة، ولغتي الكردية محرّمة أو ثانوية، وكرامتي ككردي مهدورة، وثروات وطني منهوبة؟! ما أقوله ليس مجرد عبارات جوفاء، ولا هي مزاعم بلا رصيد في الواقع، هذه حقائق مارسها المستعمرون الفرس والترك والعرب بكل صفاقة ضد شعبنا الكردي منذ ألف وأربعمئة عام، تارة بالترغيب وتارات بالترهيب، وما زال الفاشيون الفرس والترك والمستعربون يمارسونها ضدنا حتى هذه الساعة.
وأي (تاريخ مشترك) هذا الذي أصبحت في المدارس والمعاهد والكليات تاريخاً فارسياً وتركياً وعربياً فقط، ولا شيء فيه عن تاريخ الكرد القديم والحديث، إلا إذا كانت فيه خدمة للمشاريع الاستعمارية الفارسية والتركية والعربية؟ أي (تاريخ مشترك) هذا الذي جعلني الفرس فيه فرعاً من الفرس، وجعلني فيه الترك (أتراك الجبال)، وجعلني فيه المستعربون قديماً من سلالة الجن والشيطان، وجعلوني حديثاً دخيلاً وانفصالياً وعميلاً؟
وأي (وطن واحد) هذا الذي أصبح فيه الكردي مجرداً من لغته، ومن تراثه، ومن اسمه، ومن أسماء قراه وجباله وسهوله، وسُدّت في وجهه أبواب الوظائف والمناصب المتوسطة والعالية، وخاصة في الجيش، وفُتحت أمامه أبواب المنافي والسجون والمعتقلات والقبور؟ أي (وطن مشترك) هذا الذي صار فيه الكردي المستسلِم طبعاً مخيّراً بين أن يكون راعياً مشرداً في الجبال، أو فلاحاً يقضي العمر كادحاً في الحقول، أو مسّاحاً للأحذية، أو كنّاساً للشوارع، أو عاملاً في الحدائق، أو بيّاعاً على الرصيف، أو عاملاً في المطاعم والمقاهي والمعامل، أو حاجباً على باب السيد المستعمر، ولا يحصل في النهاية إلا على ما يحفظ له ولأسرته البقاء فقط؟
وأما ما يُزعج حقاً فهو أن بعض الكرد ما زالوا ضائعين في متاهات الاستسلام للثقافات الاستعمارية الفارسية والتركية والعربية، لا بل إنهم يصرّون على أن يلعبوا دور العبد المتفاني، هم لا يستطيعون معرفة أنفسهم إلا من خلال عبوديتهم للفكر الاستعماري، متوهّمين أنهم إذا خرجوا من دائرة العبودية (الكُولَتي) إلى دائرة (الكردايتي) إنما يكونون قد خرجوا من (الإسلام) إلى دائرة (الكفر)! ألا نجد بين وحين وآخر أحد هؤلاء الضائعين، ينسى وطنه كردستان المسلوب، وقوميته المسحوقة، وهويته الممسوخة، وينشغل ببعض البدع السُنية أو الشيعة التي أكل الدهر عليها وشرب، والتي لم تقدّم للبشرية إلا أسوأ أنواع التخلف الفكري، وأبشع صور التفجير والذبح؟
ألم يستنفر أحدهم منذ سنين، وامتطى ظهر منبر أحد مساجد دمشق، ليعلن أمام العالم بكل وقاحة أنه يضع نسبه الكردي تحت قدمه، أي أنه يضع قوميته وشعبه الكردي تحت قدمه، لأن الكرد في كردستان الجنوبية لم يهبّوا إلى إنقاذ جلاّدهم الأكبر صدام حسين؟! هل فعل ما فعل إلا لأنه يتقمص هوية الكردي العبد لا الكردي الحر؟
ومنذ سنين ألم يجعل كردي آخر نفسه زعيماً روحياً لعصابة (أنصار الإسلام) الممسوخة، وأباح لهم دماء الشعب الكردي في كردستان الجنوبية، فراحت العصابة تستهين بقدسية الأعياد، وتعمل في شوارع مدن كردستان الجنوبية تفجيراً وتقتيلاً وتخريباً؟!
إن كردياً لم يستيقظ بعد من سباته هو كردي محنَّط.
وإن كردياً لا يعمل لتحرير نفسه هو كردي عبد.
وإن كردياً لا يعمل لتحرير شعبه هو كردي متخاذل.
إن كردياً يرى راحته في خدمة المستعمر هو كردي نذل.
ومتى كان المحنَّطون والعبيد والمتخاذلون والأنذال يحررون الأوطان؟
وكيف يمكن لهؤلاء أن يكونوا جديرين بكردستان المقدسة؟

Birûsk Botanî