الرئيسية » مقالات » غرب خور عبد الله

غرب خور عبد الله

تحدثنا باختصار في مقالة سابقة عن النهضة المعمارية والسياحية والزراعية والملاحية والصناعية شرق شط العرب, وتكلمنا بألم عن شبح الخراب, الذي نشر أجنحته على طول الضفاف الممتدة من (أم الرصاص) إلى (رأس البيشة), وسنتحدث اليوم عن سواحلنا الحزينة الضحلة المنكمشة المهجورة, ونتتبع خطوطها المستقبلية المتعثرة, ونقارنها بثورة المشاريع العملاقة, التي يجري تنفيذها الآن في (مدينة الحرير) غرب خور عبد الله, على مرمى البصر من ساحل الفاو المقابل لضفاف جزيرة (بوبيان) الكويتية, وشقيقتها الصغرى (وربة) القريبة من (أم قصر), المدينة المينائية التي تقزمت قصورها, وحاصرتها السواتر الكويتية المقامة فوق أكتاف قاعدة الخليج العربي, وبين دعامات مرسى الزوارق الصاروخية. .


استغلت الكويت الضفة الغربية لخور عبد الله, ولم تترك شبرا واحدا في جرف الصامتة أو الصبية أو بوبيان أو وربة أو فشت العيك إلا وثبتت عليه دعاماتها, وغرست فيه ركائزها, ورفعت فوقه راياتها, على عكسنا تماما في ظل هذا الإهمال العجيب, الذي طغي على سواحلنا, فصادر ملامحها القديمة كلها, ولم يعد لها وجود منذ ما يزيد على ربع قرن من الزمان, فاختفت منشآت المملحة القديمة, وانهارت أرصفة زوارق الصيد, وتعطلت الفنارات الملاحية, وفقدت قيمتها الدلالية في إرشاد السفن القادمة والمغادرة, وتشوهت صورة الطرق البرية الساحلية, وتحجرت الألغام الميدانية في حقولها المرعبة, وبدت جزيرة (حـﮀـام), جرداء خاوية, وكأنها هضبة ترابية وعرة, رمتها الأقدار في جوف الشريان الملاحي المصاب بكولسترول الأطيان. .


يُخيل إليك, عندما تسنح لك الفرصة بالتجوال في عمق سواحلنا, وكأنك تتنقل عبر المواضع القتالية في الخنادق الأمامية لمعارك تحرير الفاو, أو كأنك تتجول في الأقبية الكئيبة لمتحف حربي كبير, تكدست فيه الدبابات المحروقة, والعجلات العسكرية الممزقة, والملاجئ الخراسانية المحطمة, والخوذ الفولاذية المبعثرة, تشعر إنك في قلب ساحة المعركة, ولا أغالي إذا قلت, إنك ربما تسمع صيحات الجنود, وصرخات الاستغاثة, وأزيز الصواريخ, ودوي المدافع الثقيلة, يحملها الهواء الثقيل المشبع برائحة الموت, عند اكتمال البدر في الليالي الموحشة, فتنطلق الصرخات المخنوقة من مكامنها, التي احتجزها الزمن في ذاكرة الأرض المسكونة بالكوابيس الحقيقية المخيفة, الأمر الذي اضطر الصيادين إلى تجنب المرور ليلا بخنادق الأشباح الغائرة في السواتر القريبة من الساحل, ففضلوا البقاء في زوارقهم خشية السقوط في نفق الخوف. .

تتسلل الأشباح ليلا نحو الضفة الكويتية المقابلة, لتتحول إلى عفاريت تحرث الأرض المكتسية بالملح, فتثير الضجيج بمعاولها الخرافية, وتدق الأسافين في كل مكان إيذانا ببدء المراحل الأولى لانبعاث مدينة الحرير الأسطورية خلف أكواخ مدينة (أم قصر) العراقية. .

ستتمدد مدينة الحرير الكويتية على مساحة تقدر بنحو (250) كيلومترا مربعا, ومن المقرر أن تكون هي العاصمة المالية والتجارية والصناعية والسياحية للكويت في غضون السنوات القليلة القادمة, وستتزامن مراحل تنفيذها مع مراحل تنفيذ ميناء (مبارك), ومع مراحل تنفيذ الجسر العملاق (جسر جابر) فوق خور (الصَبَية),


والذي سيربط مدينة (الحرير) بمركز البلاد, وستقام إلى جانبه عشرات المشاريع, نذكر منها المنطقة الحرة, وضواحي المنتجعات الترفيهية, والمحطة المركزية لخطوط السكك الحديدية, وستشترك هذه الخطوط مع شبكة الطرق البرية في نقل البضائع من والى ميناء (مبارك) في مساع مكشوفة لتطبيق فكرة القناة الجافة على أرض الواقع, والاستحواذ على التعاملات التجارية العراقية عن طريق مزاحمة الموانئ العراقية, وممارسة الضغط عليها بكل الوسائل الخبيثة المتاحة, وستشيد مطارا تجاريا بمحاذاة جزيرة (وربة), سيكون هو الأكبر والأوسع في الشرق الأوسط, أما المناطق الداخلية من جزيرة (بوبيان) فستخصص لمحمية بحرية طبيعية, وإقامة المدن النوعية, كمدن المعرض, والمدن الصناعية, والمدن الرياضية, والبيئية, والإعلامية, والتعليمية, والمراكز الصحية, وأبراج الاتصالات, ناهيك عن المجمعات السكنية الكثيفة التي ستقام في (وربة) و(بوبيان), و(الصبية), وقد أخذت الكويت بنظر الاعتبار توزيع المنشآت الحدودية الجديدة توزيعا منطقيا مدروسا بحيث تحقق فيما بينها أقصى درجات التكامل الخدمي والوظيفي والإنتاجي.



وزيادة في التأكيد نذكر إن القرى النوعية التخصصية, الني ستقام عند المقتربات الساحلية لغرب خور عبد الله, هي القرية المالية, والقرية الترفيهية, والقرية الثقافية, والقرية البيئية, فالقرية المالية تعنى بالأنشطة التجارية والنقدية, أما القرية الترفيهية فستضم مجموعة من الفنادق والمنتجعات, وتضم أيضا بعض المجمعات الرياضية, من ضمنها أكاديمية رياضية, ومركز تخصصي بالطب الرياضي, في حين تضم القرية الثقافية ثلاث ضواحي, هي: الضاحية الأكاديمية, والضاحية السياسية, والضاحية الدبلوماسية. بينما تضم القرية البيئية أكبر المراكز والمحميات الطبيعية, والمختبرات التخصصية. .


تجدر الإشارة إن مدينة الحرير يحيط بها عقد زمردي, يضفي عليها حلة معمارية مستوحاة من رواية (ألف ليلة وليلة), يتوسطها برج شاهق (برج مبارك) بارتفاع (1001) متر, ويضم (250) طابق, وباستطاعة الواقف في أعلى البرج أن يستطلع عن طريق النواظير الالكترونية التفاصيل الدقيقة لمدينة البصرة (راح نصير فرجة للرايح والجاي). .

وتعكس لنا الصور (التخيلية) المرفقة حجم وخصائص وملامح المشاريع العمرانية التي ستقام على السواحل الكويتية المقابلة لسواحلنا, وما هي إلا بضعة سنوات معدودات تفصلنا عن الزمن الذي سترتدي فيه السواحل المحاذية لنا حلة زاهية بهيجة معاصرة, في الوقت الذي تظل فيه سواحلنا المنكمشة البائسة ملاذا للأشباح ومأوى للزواحف القادمة من جهة البحر والبر. .

جريدة المستقبل العراقي / بغداد في 2/4/2012