الرئيسية » شؤون كوردستانية » معارضة أحادية

معارضة أحادية




لا يزالونَ خارجَ السلطة, ولكنهم لا يختلفونَ مُطلقاً عن النظام الحاكم الذي يُقارعونه منذُ عقودٍ وبوتيرةٍ أشدَّ منذ بدء الثورة.
هذا حالُ المُعارضة السورية ( شقها العربي ) وقد رمتْ أقنعتها في اسطنبول يوم 27 مارس 2012 أو أسقطتْ عنها المعارضةُ الكوردية أقنعتها أمام كاميرات الإعلام لا في الكواليس.
منذ أشهرٍ, وهذه المعارضة تقدم نفسها ممثلة للشارع السوري الثائر في وجه النظام, والذي يقدم يومياً عشرات الضحايا في درب الجلجلة السوري نحو الحرية, ورغم أن الشارع العربي السوري الثائر والمنتفض انفتح منذ بدايات الثورة على الشارع الكوردي الثائر بدوره, ورفعَ مراراً أثناء تظاهراته أعلام كردستان والعبارات الكوردية, وتلقف بحزنٍ وتضامنٍ مطلق نبأ استشهاد عميد شهداء الثورة السورية مشعل التمو, إلا أن هذا الخرق الجميل لمنظومة ( نقص الاندماج الوطني ) لم يرَ سبيله إلى اختراق الوعي المتكلس للنخبة المعارضة والتي يحلو لنا نعتها بـ ( الأبقار المقدسة في الفعل المعارض ), ومشهديات اسطنبول كانت واضحة دلالياً لجهة شمولية وإقصائية هذه المعارضة التي تخطط لسوريا شمولية وإقصائية ومن لون واحد.
لمْ تقبل الأنظمة المتعاقبة على حكم سوريا يوماً ببداهة أنَّ سوريا مركبة من تعددٍ أقوامي, وقد كثَّفَ النظامُ الأمني البعثي طيلة عقودٍ من عمر البلاد من سياسات الإنكار والإقصاء والتهميش والتمييز بحق المكونات السورية, واليوم يصطدمُ الشعب الكردي بالمعارضة العربية التي تعدُّ نفسها البديلَ الديمقراطي لنظامٍ شمولي استبدادي, ولكنها فعلياً امتدادٌ طبيعي للنظام الحاكم, وتمتحُ من المعينِ نفسه, ولا تكلِّف نفسها عناءَ طمأنة الفُسيفساء السوري إلى كفالةِ وضمانةِ حقوقهم في الغد السوري دستورياً, ما دام المطروحُ هو عقدٌ اجتماعيٌّ جديدٌ جامعْ.
وعيٌ إيديولوجيٌ شقيٌّ يهيمنُ على المعارضة العربية السورية, ويجعلها نسخةً فوتوكوبي مشوهة من النظام الحاكم في الموقف من الآخر السوري المختلف عرقياً, ويقودُ سوريا مُجدداً إلى حلقة تعثر ( مشروع الاندماج الوطني ) وتعثر بناء الدولة المفارقة فيها, وهذا يعني أننا مُقدمونَ على الاحتفاظِ بسوريا المزرعة / سوريا الملكية الحصرية للعروبة ومفاهيمها الشمولية الاختزالية, التي لم تقدم للمكونات السورية خلال عقود سوى جرعات من الشعارات الهلامية والمزيد من التنكيل بحقوق الإنسان والإطاحة بطموحات مكوناتها العديدة.
ثمة اليوم عقبةٌ ما فوقْ وطنية نافرة تعترضُ طريقَ بناءِ سوريا جديدة, تجد أمثولتها في ثنائية العروبة العرقية والإسلام السياسي بمضمونه العرقي, وهما اللتان هيمنتا على مؤتمر المعارضة في اسطنبول, مخفورتين أو مدفوعتين برؤيةٍ مُسبقةٍ تركية من سوريا الغد, وهي رؤيةٌ إسلامويةٌ عرقية ( الطورانية في زي الإسلام السياسي ), ويبدو أنَّ إزالةَ هذه العقبة ليستْ بالأمر اليسير, وتحتاجُ إلى ثقافةٍ مفارقة, وإلى الخروجِ من معطف المفاهيم البعثية الشمولية العنصرية وإهالة التراب عليها.
العقلُ المُعارضُ المُفوَّتُ الذي عايناه في مؤتمر اسطنبول لتوحيد المعارضة هوَ مُنتجُ الثقافة الأحادية الشمولية, وهو عقلٌ كارثي, نتاجُ الإيديولوجية القومية العربية المشرقية, وهاربٌ دائمٌ إلى الأمام من استحقاق الدولة الوطنية الديمقراطية, وهوَ أيضاً عقلٌ غِطاءٌ للاستبداد والشمولية وللاستئثار بالسلطة والقوة والثروة, لا يرى في الآخر القومي المُختلف داخلَ البلادِ سوى جوقةٌ للترطينِ المنتظم المعياري بنشيد القومية الوحيدة المتسيدة ولغتها وثقافتها.
ما جرى في مؤتمر اسطنبول هو محاولةٌ عروبيةٌ إسلامويةٌ سوريةٌ مدفوعةٌ إقليمياً لتوحيد المعارضة السورية قسرياً, غير آبهة في ذلكَ بالمزيج المُتعدد المُعارض السوري, وغيرَ آبهةٍ بحقوق القوميات الأخرى في سوريا الغد, في طبعةٍ من التسبيحِ بحمد الأحادية التي عانى السوريونَ جميعاً على يدها الأمرّين طيلة عقود.
معارضةٌ أحاديةٌ بمفاهيمَ مُسبقة الصنعِ لنْ تخدمَ سوريا, ما يخدمُ سوريا مُعارضةٌ تأخذُ التعددية السورية بعين الاعتبار وترسخه في وثائقها الراهنة المُعدّة لسوريا جديدة.