الرئيسية » مقالات » نحن مع الدولة عندما تكون الدولة معنا

نحن مع الدولة عندما تكون الدولة معنا

يخطئ النظام السياسي اذا فكّر انه يستطيع الحصول على ولاء الجماهير ، في الوقت الذي يمارس القمع ضدها ، ويعمل على تغييب الحرية والديمقراطية وحقوق الانسان ، ويمارس وازلامه الفساد ، وتتسع رقعة الفقر ، ويتجاهل معاناة الشعب من البطالة .
الدولة التي تهمل حقوق المواطنين غير جديرة بكسب ولائهم ، وغير جديرة بالاحترام من قبل ابناء الشعب ، ومن لا يسهر على مصالح الناس لا يتوقع ان يقدم له هؤلاء الولاء والطاعة ، ولا يحظى باحترامهم اياً كان موقعه الوظيفي .
لقد وجدت الدول لتكون في خدمة الشعب ، والا عليها ان تفكر بالرحيل قبل ان يتم طردها واقتلاع جذورها، فالشعوب تتطلع لدولها لتقوم على خدمتها ، وليس العكس ان تقوم الشعوب على تعليفها ، ليعيش حفنة من الانتهازيين والمنتفعين على حساب الوطن والمواطنين .
كل دساتير العالم تؤكد على ان واجب الدولة ان توفر الامن والغذاء للمواطنين ، وتعمل على توفير العلم والعمل ، وان تسعى لتوزيع منجزات التنمية بعدالة على جميع مناطق الدولة، وليس هناك قبول للدول التي تقيم الظلم وتمارس النهب والسرقة وكل انواع الفساد ، فباتت الدول تقاس بحجم الفساد الذي ينخر في جسد مؤسساتها .
جرّب المواطنون على امتداد الوطن ان يمارسوا الولاء بدون التفات لحجم الفعل الذي تمارسه الدولة ، ولم يعمدوا ان يقارنوا بين ولائهم وما تقدمه الدولة لهم ، فاستمرأ رجال الدولة وتمعنوا في الفساد ، فنهب الكثير ممن ينتسب اليها قوت الشعب ، وسرقوا ثروة الوطن بدون حياء او خجل .
هناك مناطق باتت محرومة حتى من ثروة الوطن المستخرجة من ترابها ، وغابت عنها الدولة حتى في ابسط الخدمات ، فازدادت فقراً واتسعت رقعة البطالة ، فكانت ثروة مناطقهم تنهب امام اعينهم ، وتنتزع من بين ايديهم ، فما كان منهم الا ان رفعوا الصوت محذرين ان عواقب الظلم وخيمة ، ولكن لا حياة لمن تنادي .
الحراك السلمي الديمقراطي حق مشروع ، لان رفع الصوت في وجه الظلم بات فريضة ، ولكن الدولة لم تعي ان هؤلاء سيضطرون الى تغيير اسلوب المطالبة ، وعندها لن يكون في مقدور الدولة مواجهة غضبة الجماهير ، لانها ستردد قول الشاعر : اذا الشعب يوماً اراد الحياة فلابد ان يستجيب القدر .
اجهزة النظام التي تمارس القمع في مواجهة المطالبات المشروعة لجماهير الشعب فيما يبدو انها اجهزة لا صلة لها بالشعب ، وكما علمتنا كل تجارب الشعوب عند ساعة الحسم فان اول من يولي الادبار هي هذه الاجهزة ، اجهزة القمع والارهاب ، الجماهير الغاضبة كانت اقوى من تشاوشيسكو وزين العابدين وحسني مبارك ، فلماذا لا يتعض البعض مما حدث لهؤلاء .
الدولة منوط بها ان تعالج المطالب المشروعة للمواطنين بحكمة ودراية ، لان النتائج لن تكون في صالح الدولة التي تقف في وجه المطالب الشعبية ، فما نجح اي نظام سياسي وقف في الخندق المعادي لشعبه، وتنكر لحقوق مواطنيه ، ولذا فان مواجهة المطالبين بالحقوق الشعبية بالاعتقال ، واساءة التصرف مع احرارالحراك هي سياسة خرقاء ، تنم عن غباء في الفهم وعجز في ادارة الازمة ، فهؤلاء الاحرار ليسوا باعداء للوطن ، فهم ممن ينادي بتنقية الوطن من الفساد والمفسدين ، وحري بالاجهزة ان تكون اياديها قوية وشديدة في التعامل مع من سرق البلاد وجوّع العباد .
الخبز والحرية باتا وجهان لعملة واحدة ولذلك قيل ليس بالخبز وحده يعيش الانسان ، فالدولة التي تنشد الولاء عليها ان تقنع المواطنين بأنها تستحق هذا الولاء ، لان الولاء لا يمنح وانما ينتزع ، بعكس الانتماء الذي يسير في جسد المواطن كسريان الدم في الجسد .
النظام السياسي الذي يلعب على الوقت قد يكسب بعض الوقت ولكنه لن يكسبه طول الوقت ، لان الجماهير لن تتراجع عن انتزاع حقوقها ، فما ضاع حق وراءه مطالب ، وحقوق الشعب مقدسة لن تتمكن اي دولة ان تسير في غيها دون التفات الى هذه الحقوق المشروعة .